أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات المصرفي هشام عز العرب حول مسار شركات التمويل الاستهلاكي إلى الواجهة تساؤلات أعمق بشأن حدود النمو في هذا القطاع، ومدى قدرته على الاستمرار بنفس الوتيرة دون خلق اختلالات في جودة الائتمان أو مستويات الاستهلاك داخل السوق المصري.
فبينما يرى طرف واسع من الخبراء أن التمويل الاستهلاكي أصبح أحد أهم محركات الشمول المالي خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بانتشار تطبيقات “الشراء الآن والدفع لاحقًا”، يعتبر آخرون أن التسارع الحالي في منح الائتمان الاستهلاكي قد يفتح الباب أمام ضغوط مستقبلية إذا لم يتوازَ مع نمو حقيقي في الدخول والإنتاج.
حذر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذى للبنك التجارى الدولى من التوسع فى إقراض الأفراد لأغراض استهلاكية، قائلاً: «أنا قلق للغاية من توسع الأفراد فى الاقتراض من القطاع المالى غير المصرفى بدلا من البنوك، وهو ما أصفه بالقطاع المصرفى الموازي».
وأضاف فى تصريحات تليفزيونية الأسبوع الماضى: «اتجاه الأفراد للاقتراض من شركات القطاع المالى غير المصرفى بتكلفة مرتفعة للغاية أراه خطرا على الدورة الاقتصادية فى مصر، وشكك فى «التزام بعض هذه الشركات بسياسات تقييم ائتمانى منضبطة مماثلة لتلك المطبقة فى البنوك»، فى تصريحات وجدت صدى لها فى الرأى العام.
ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه القطاع طفرة واضحة في حجم العمليات وعدد المستخدمين، وسط دخول شرائح جديدة من العملاء إلى المنظومة المالية غير المصرفية، وتوسع البنوك نفسها في تمويل هذا النشاط بشكل غير مباشر.
أظهرت بيانات السوق استمرار النمو في حجم التمويل الاستهلاكي، إذ ارتفع إجمالي التمويلات إلى نحو 8.5 مليار جنيه بنهاية يناير الماضي، مقارنة بنحو 5.5 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025، بينما صعد عدد العملاء إلى 1.2 مليون عميل مقابل 761 ألف عميل.
حسونة: الشركات ملتزمة بضوابط ائتمانية دقيقة
أكد وليد حسونة، الرئيس التنفيذي لشركة «ڤاليو»، إن المخاوف المثارة بشأن مستقبل القطاع المالي غير المصرفي تستحق الدراسة وفتح حوار جاد بشأنها إن وُجدت. محذرًا من أن أي هزة في هذا السوق قد تمتد تداعياتها إلى القطاع المصرفي، باعتبار البنوك من أكبر الممولين لشركات التمويل غير المصرفي.
وأوضح حسونة، أن نسب التعثر داخل محفظة شركة ڤاليو لا تتجاوز حاليًا 1.25%. مؤكدًا أن هذه الأرقام مدققة وتخضع لمراجعة مراقبي الحسابات، فضلًا عن رقابة وإجراءات تنظيمية صارمة.
وأضاف أن شركات التمويل الاستهلاكي ملتزمة بضوابط ائتمانية دقيقة. أبرزها ألا تتجاوز الأقساط والالتزامات الشهرية للعميل 50% من دخله. إلى جانب تنفيذ تقييم ائتماني عبر شركة iscore قبل منح أي تمويل.
وفي السياق ذاته، أكدت الهيئة العامة للرقابة المالية في بيان رسمي أن نسبة التعثر بمحافظ أنشطة التمويل غير المصرفي تقل عن 3% بنهاية 2025، فيما بلغ إجمالي المحافظ التمويلية نحو 417 مليار جنيه، عبر 2532 شركة وجهة خاضعة للرقابة تخدم أكثر من 64 مليون عميل.
الفقي: التكامل بين البنوك والشركات يعزز كفاءة تخصيص الموارد
من جانبه، يرى محمد الفقي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «سيمبل» للشراء الآن والدفع لاحقًا، أن العلاقة بين البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي تقوم على التكامل وليس المنافسة المباشرة.
وأوضح أن البنوك لا تستطيع الوصول إلى بعض الشرائح بنفس الكفاءة التشغيلية التي توفرها شركات التمويل، سواء من حيث السرعة أو مرونة إجراءات منح الائتمان، وهو ما يجعل هذه الشركات امتدادًا للمنظومة المالية وليس بديلًا عنها، وأن هذا التكامل ينعكس على رفع كفاءة تخصيص الموارد داخل السوق.
عدلي: لا مؤشرات على فقاعة في سوق التمويل الاستهلاكي حتى الآن
في المقابل، أكد سعد عدلي، المحلل الاستثماري بشركة برايم لإدارة الأصول، أن شركات التمويل الاستهلاكي لا تمثل منافسًا للبنوك، بل امتدادًا لها داخل المنظومة المالية، موضحًا أن هذه الشركات تعتمد في الأساس على التمويل البنكي، ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على التكامل في إدارة السيولة وتوزيع المخاطر.
وأشار إلى أن معدلات المخصصات الائتمانية في القطاع تتراوح بين 3% و5%، وهي مستويات تعكس طبيعة المخاطر في هذا النشاط، مع استقرار نسبي في جودة المحافظ لدى الشركات الكبرى.
وفيما يتعلق بمخاوف تكوّن فقاعة تمويل استهلاكي، أكد أن السوق لا يشهد حاليًا مؤشرات فقاعة بالمعنى التقليدي، مشيرًا إلى أن معدلات التعثر لدى الكيانات الكبرى لا تزال دون 3%.
من جهته، قال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إن النمو السريع لشركات التمويل الاستهلاكي أعاد تشكيل خريطة التجزئة المصرفية، بعدما أصبحت هذه الشركات قادرة على منح التمويل خلال دقائق، مقارنة بالإجراءات المصرفية التقليدية.
وأوضح أن البنوك بدأت في التكيف مع هذا التحول من خلال تمويل شركات التمويل نفسها، باعتبارها قناة غير مباشرة للوصول إلى العملاء.
وشدد على ضرورة تطوير أدوات التقييم الائتماني اللحظي داخل البنوك لتسريع قرارات الإقراض، إلى جانب تبسيط إجراءات منح القروض الشخصية.
في المقابل، حذرت شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، من أن التوسع في التمويل الاستهلاكي قد يتحول إلى مصدر ضغط في حال انفصاله عن نمو الدخول الحقيقية.
وأوضحت أن استمرار نمو الائتمان بمعدلات أعلى من نمو الدخل قد يؤدي إلى ارتفاع أعباء الدين على الأسر، وتراجع مستويات الادخار، بما يخلق ضغوطًا مالية تدريجية.







