رغم أن حرب إيران أثرت على أداء عدد من أسواق الأسهم الخليجية، إلا أنها مثلت عامل دعم انتقائي لقطاعات وشركات رئيسية في المنطقة، مدفوعةً بارتفاع أسعار النفط، وتحول مسارات التجارة والطاقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي والرأسمالي.
وأظهر موسم نتائج الربع الأول أن الشركات المدرجة في أكبر ثلاث أسواق مالية خليجية كانت أكثر قدرة على التكيف مع الصدمة الجيوسياسية مما توقعه المستثمرون. فوفق تحليل أندور مارتينوف من “بلومبرج إنتليجنس” لنتائج مكونات مؤشرات “MSCI” في السعودية والإمارات وقطر، تجاوز نحو نصف الشركات توقعات الأرباح. مع التنويه بأن تأثير الحرب طال فقط الشهر الثالث من الفصل مارس.
لكن هذا التماهي في كسر تقديرات المحللين لم ينسحب على أداء البورصات نفسها، فبينما حققت البورصة السعودية خلال الربع الأول أفضل أداء فصلي لها في أكثر من عامين، بتحقيق مؤشر “تاسي” مكاسب تجاوزت 7%، تراجعت مؤشرات كل من بورصات أبوظبي ودبي والدوحة بنحو 11% و5% و7.8% على التوالي.
ورغم أن الحرب تسببت في خفض واسع لتقديرات الأرباح المستقبلية، خصوصاً في الإمارات، استناداً إلى توقعات محللي “بلومبرج”، فإن الأداء التشغيلي الفعلي كشف عن استفادة مباشرة وغير مباشرة لقطاعات الطاقة والبنوك والمرافق والخدمات الرقمية واللوجستية من البيئة الاقتصادية الجديدة التي فرضها الصراع.
النفط المرتفع يعيد تشكيل دورة الأرباح
أعادت الحرب تسعير مخاطر الطاقة عالمياً بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وقفزت أسعار النفط بأكثر من 40% منذ بداية التصعيد، متجاوزةً حاجز 100 دولار للبرميل في عدة جلسات، وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
وانعكس هذا الارتفاع سريعاً على الاقتصادات الخليجية المصدرة للطاقة، خصوصاً السعودية والإمارات، عبر تحسن الإيرادات الحكومية، وزيادة الإنفاق الرأسمالي، وتعزيز السيولة المصرفية.
في السعودية، استفادت “أرامكو” وشركات الطاقة والخدمات المرتبطة بها من ارتفاع الأسعار وتحسن الهوامش التشغيلية، بينما دعمت زيادة الودائع الحكومية والخاصة البنوك المحلية وخففت ضغوط التمويل. ويتوقع محمد زيدان، المحلل المالي الأول في “الشرق”، أن استمرار النفط فوق 90 دولاراً للبرميل “قد يدفع إلى مراجعات صعودية لأرباح شركات الطاقة والبتروكيماويات خلال النصف الثاني من العام”.
وبرزت المملكة كمستفيد رئيسي من إعادة توجيه التجارة والطاقة، مستندةً إلى بنيتها التحتية اللوجستية وقدرتها على توفير بدائل للتصدير والشحن في ظل اضطرابات هرمز، بما في ذلك خط أنابيب شرق-غرب.
كما استفادت الإمارات، وإن بشكل أقل، من خط أنابيب حبشان-الفجيرة، وسرّعت “أدنوك” مؤخراً تنفيذ خط جديد موازٍ يُسمى “غرب-شرق 1” بهدف مضاعفة القدرة التصديرية عبر الفجيرة بحلول 2027.
ويرى وزير الصناعة الإماراتي ورئيس “أدنوك” سلطان الجابر أن عودة التدفقات الطبيعية عبر هرمز قد لا تتحقق بالكامل قبل 2027، حتى إذا انتهت الحرب سريعاً، ما يعني أن التحولات الحالية في سلاسل الإمداد قد تستمر لفترة أطول من المتوقع.
نماذج للمتفوقين
في مقدمة الشركات التي تفوقت على توقعات المحللين من حيث نمو الأرباح بالربع الأول شركة “ديوا”، التي سجلت واحدة من أكبر مفاجآت الأرباح في الخليج، بتسجيلها أرباحاً تجاوزت التقديرات بنسبة 38%، بحسب “بلومبرج إنتليجنس”، مدفوعةً بالطلب القوي على الكهرباء وتحلية المياه، إلى جانب انخفاض تكاليف التمويل.
وينوّه زيدان بأن الطلب المرتفع على الطاقة والمياه، في ظل المشاريع الصناعية واللوجستية والعقارية قيد التطوير، قد يدعم استمرار توسع الهوامش التشغيلية لـ”ديوا” خلال الربع الثاني، خصوصاً مع دخول فصل الصيف وارتفاع الاستهلاك الموسمي.
كما استفادت شركات البنية التحتية والخدمات الرقمية من زيادة الإنفاق الحكومي المرتبط بالأمن والرقمنة وكفاءة الخدمات، وهو ما ظهر في نتائج شركة “علم” السعودية التي عادت إلى النمو القوي في الأرباح بعد تباطؤ سابق في 2025، متفوقةً على توقعات السوق بـ36%.
البنوك الخليجية أكبر الرابحين من السيولة
ربما كانت البنوك الخليجية بين أكثر القطاعات استفادة من تداعيات الحرب، رغم المخاوف الأولية المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية.
فوفقاً لمحللة أسواق الخليج في “الشرق” ماري سالم؛ “أدّى ارتفاع الإيرادات النفطية إلى تدفقات سيولة قوية داخل الأنظمة المصرفية الخليجية، مع نمو ودائع الحكومات والشركات، وتحسن النشاط التجاري وتمويل التجارة والطاقة”.
في قطر، تجاوز بنك قطر الوطني (QNB)، أكبر بنوك البلاد والثالث عربياً، توقعات المحللين على مستوى الإيرادات والأرباح، بواقع 6.6% و6.9% على التوالي.
وسجل بنك “الإمارات دبي الوطني” مفاجأة إيجابية قوية، حيث فاقت أرباحه التوقعات بنسبة 36%، بدعم من نمو دخل الرسوم والخدمات وانخفاض المخصصات، بينما تجاوز نمو القروض 28% على أساس سنوي، وهو مستوى يفوق التوجيهات السنوية للبنك.
وتقدّر سالم أن “استمرار إعادة توجيه التجارة وتمويل الواردات والطاقة قد يدعم نمو الائتمان خلال الربع الثاني، خصوصاً في السعودية والإمارات، مع تحسن هوامش الفائدة واستمرار النشاط الاقتصادي المرتبط بالإنفاق الحكومي”.
قطاعات مرشحة للتفوق في الربع الثاني
تشير تقديرات السوق الحالية، بحسب “بلومبرج إنتليجنس”، إلى أن قطاعات الطاقة والمرافق والبنوك والخدمات اللوجستية والدفاع والبنية التحتية ستكون الأكثر قدرة على تجاوز التوقعات خلال الربع الثاني.
وتستفيد هذه القطاعات من عوامل عدة متزامنة، أبرزها استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبياً، وارتفاع الإنفاق الحكومي الدفاعي والرأسمالي، وزيادة الطلب على خدمات الطاقة والمياه، وتحسن نشاط تمويل التجارة والشحن، وإعادة توجيه سلاسل الإمداد الإقليمية، وزيادة الطلب على الحلول الرقمية والأمن السيبراني.
ويتوقع محمد زيدان أن تشهد بعض شركات الشحن والموانئ والخدمات اللوجستية تحسناً في التسعير وهوامش الأرباح نتيجة ارتفاع تكاليف النقل البحري وإعادة توزيع مسارات التجارة.
في المقابل؛ لا تزال قطاعات الطيران والسياحة والاستهلاك التقديري الأكثر تعرضاً للضغوط، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وتذبذب حركة السفر وثقة المستهلكين.
هل الزخم مستدام؟
يتمثل السؤال الرئيسي للأسواق حالياً عمّا إذا كانت المكاسب الحالية دورة مؤقتة مرتبطة بالحرب، أم بداية لإعادة هيكلة طويلة الأجل للتجارة والطاقة في المنطقة؟
بنظر سالم فإن “جزءاً كبيراً من الزخم الحالي قابل للاستمرار؛ خصوصاً إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة وتواصلت الاستثمارات الخليجية في البنية التحتية والطاقة البديلة والخدمات اللوجستية”.
لكن المخاطر لا تزال قائمة. فالتوصل إلى اتفاق سياسي شامل قد يؤدي إلى تراجع أسعار النفط وانخفاض علاوات المخاطر، ما قد يضغط على أرباح شركات الطاقة والبنوك المرتبطة بزخم السيولة الحالي، كما تفيد محللة “الشرق”.
أيضاً؛ “فإن استمرار الحرب لفترة أطول يحمل مخاطر مختلفة، تشمل تباطؤ التجارة العالمية، وارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع شهية المستثمرين، فضلاً عن احتمال تعرض البنية التحتية الإقليمية لمزيد من الاضطرابات”.
مع ذلك، تبدو الرسالة الأساسية لموسم نتائج الربع الأول واضحة: شركات الخليج، خصوصاً في السعودية والإمارات، نجحت حتى الآن في تحويل جزء كبير من الصدمة الجيوسياسية إلى فرصة لتعزيز الإيرادات والسيولة والحصة السوقية، فهل تعزز تفوقها في الفصل الثاني؟







