حذر كبار محافظي البنوك المركزية من أن اتفاق السلام المؤقت الذي توصل إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران لن يمنح الاقتصاد العالمي سوى قدر محدود من الارتياح، مؤكدين للمستثمرين أن معركة كبح التضخم لم تنته بعد.
ولا يزال صناع السياسة النقدية حول العالم في حالة تأهب، بعدما لم تتبدد مخاطر التضخم عقب الاتفاق الأولي بين واشنطن وطهران، في ظل بقاء أسعار الطاقة أعلى من مستويات ما قبل الحرب، وتزايد قوة الطلب داخل الولايات المتحدة.
وحذر أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، هذا الأسبوع من أن الضغوط التضخمية لا تزال “قيد التشكل”.
وأبقت لجنة السياسة النقدية في البنك أسعار الفائدة عند 3.75% يوم الخميس، غير أن بيلي أكد استعداده لرفعها مجدداً إذا اتخذ التضخم مساراً صعودياً، بحسب ما نقلته صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية.
صناع السياسة النقدية لا يزالون فى حالة تأهب
وقبل ذلك بيوم، أوضح كيفن وارش، الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن مكافحة التضخم تمثل أولويته الأولى، ما آثار تكهنات بأن زيادة أسعار الفائدة فوق نطاقها الحالي الذي يتراوح بين 3.5% و3.75% قد تأتي في أقرب وقت خلال الشهر المقبل.
ولا ينحصر تركيز مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أثر ارتفاع أسعار البنزين، بل يمتد إلى مشكلة تضخم أثبتت استمراراً مقلقاً منذ جائحة كوفيد-19.
قال لوك بارثولوميو، نائب كبير الاقتصاديين لدى مدير الأصول “أبردين”، إن “محافظي البنوك المركزية ليسوا مستعدين بعد إعلان زوال الخطر، هذا أمر مؤكد”.
وأضاف أن اتفاق إيران أزال “خطراً هائلاً” كان يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى 180 دولاراً للبرميل بسبب نقص الإمدادات، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني اختفاء مخاطر التضخم.
وتراجعت أسعار النفط إلى نحو 76 دولاراً للبرميل بعد الاتفاق، مع رهان المتداولين على تحسن التدفقات عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله عادة نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
إلا أن أسعار العقود الآجلة ظلت أعلى من مستوياتها قبل اندلاع الأعمال القتالية في 28 فبراير، وساهم الصراع في دفع أسعار سلع أولية أخرى إلى الصعود، من بينها الأسمدة والمعادن، بما انعكس على سلاسل الإمداد الأوسع.
ويتوقع محللون ارتفاع أسعار الغذاء في وقت لاحق من هذا العام نتيجة نقص الأسمدة، في وقت تضيف فيه ظاهرة “آل نينيو” المناخية مزيداً من المخاطر.
من جانبه، قال ديفيد ريس، رئيس الاقتصاد العالمي لدى “شرودرز”، إن “هناك إدراك متزايد بأن الضغوط التضخمية أوسع نطاقاً من مجرد أسعار الطاقة”.
بنك إنجلترا يؤكد استعداده لرفع الفائدة مجدداً
وحتى إذا صمد وقف إطلاق النار الحالي، يحذر محللون من أن استعادة حركة المرور عبر المضيق ستستغرق وقتاً، بينما ستؤخر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للنفط والغاز العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة للحرب، وهذا قد يضع أرضية مرتفعة لأسعار الطاقة، بما يبقي التضخم تحت الضغط.
وعلى الرغم من أن انخفاض أسعار النفط في الآونة الأخيرة يزيل أحد المحركات الرئيسية للتضخم العام، فإن ضغوط الأسعار الأساسية في الولايات المتحدة، التي تستبعد تقلبات الطاقة والغذاء، لاتزال مرتفعة.
وأوضحت “فاينانشال تايمز”، أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يعده بعض مسئولي الاحتياطي الفيدرالي أفضل مقياس لضغوط التضخم الأطول أجلاً، بلغت نسبته 3.3% في أبريل.
وأظهرت توقعات نُشرت يوم الأربعاء أن مسئولي بنك الاحتياطي الفيدرالي يتوقعون بقاء معدل التضخم الأساسي عند هذا المستوى حتى نهاية العام، أما مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي العام، الذي يستخدمه البنك لقياس هدفه البالغ 2%، فمن المتوقع أن ينهي العام عند 3.6%.
ويرى خبراء اقتصاد أنه إذا كان وارش جاداً، كما يقول، في إعادة التضخم إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، فلن تكفي التصريحات وحدها، بل ستحتاج تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة إلى مزيد من الارتفاع.
قال ديفيد ويلكوكس، المسئول السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي والزميل الأول حالياً في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: “إذا أراد خفض معدل التضخم، فالاحتمال الأكبر أنه سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة. لقد ظل التضخم فوق 2% لفترة طويلة، وهذه مشكلة تمتد عبر عدد من الفئات”.
وأضاف ويلكوكس، الذي يشغل أيضاً منصب مدير أبحاث الاقتصاد الأمريكي لدى “بلومبرج إيكونوميكس”: “طُرحت حجة معقولة مفادها أنه إذا انخفضت أسعار النفط، وإذا انتقل أثر الرسوم الجمركية عبر الاقتصاد، فإن مشكلة التضخم ستتلاشى، لكن الحقيقة أننا نكرر هذه الرواية منذ فترة طويلة، ولم تتحقق”.
وأكد بنك إنجلترا يوم الخميس، أنه لا يرى أن مخاطر التضخم قد انحسرت، رغم أن غالبية أعضاء لجنته المعنية بتحديد أسعار الفائدة اختاروا إبقاء تكاليف الاقتراض دون تغيير.
محللون يحذرون من تأخر تعافى إنتاج النفط والغاز لما قبل الحرب
ولا يزال المستثمرون يسعرون احتمال زيادة واحدة على الأقل في أسعار الفائدة قبل نهاية العام، وتشدد بنوك مركزية أخرى بدورها على أنها لاتزال في حالة حذر.
فقد أبقى بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة ثابتة عند 4.35% يوم الثلاثاء، لكنه حذر من أن مشكلات إمدادات النفط العالمية ستحتاج إلى وقت حتى تُحل، كما رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى نحو 1%، مشيراً إلى أن مسار إعادة تكاليف الاقتراض إلى مستويات طبيعية لم يكتمل بعد.
وقبل إعلان أنباء الاتفاق المؤقت، رفع البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 2.25%.
وحتى في سيناريو أكثر اعتدالاً، تعود فيه أسعار النفط سريعاً إلى مستويات طبيعية، يتوقع البنك أن يقترب التضخم من 3% هذا العام، بما يتجاوز هدفه البالغ 2%.
وبحسب تحليل لصحيفة “فاينانشال تايمز”، انتقلت المخاوف من الآثار التضخمية غير المباشرة للصراع إلى صدارة رسائل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا في اجتماعاتهما الأخيرة، في مقابل تركيز الاحتياطي الفيدرالي بصورة أكبر على الضغوط المحلية.
وحذف البنك المركزي الأوروبي من بيانه التمهيدي في مؤتمره الصحفي في يونيو، الإشارة إلى أن توقعات التضخم طويلة الأجل “راسخة جيداً”، متخلياً عن صياغة دأب على استخدامها منذ اندلاع حرب إيران.
وفي محضر اجتماعه الأخير، أولى بنك إنجلترا اهتماماً لافتاً لخطر تحول صدمة الطاقة إلى عامل “راسخ” في مختلف أنحاء الاقتصاد، مع نحو عشرين إشارة إلى آثار الجولة الثانية، وتطور توقعات التضخم، والتأثير غير المباشر للصراع في التضخم.
كما برزت حالة عدم اليقين المتزايدة التي خلفها الصراع بصورة أوضح في رسائل البنك هذا الشهر، بعدما تضاعفت الإشارات إليها تقريباً منذ أول اجتماع له بعد اندلاع الصراع.







