قفزت مبيعات الأسهم في هونج كونج إلى أعلى مستوى لها في خمس سنوات خلال النصف الأول من عام 2026، مع تغلّب حماس المستثمرين لطفرة الذكاء الاصطناعي على تأثيرات ضعف سوق الأسهم والعقبات التنظيمية.
وأظهرت بيانات جمعتها “بلومبرج” أن الاكتتابات العامة الأولية، وعمليات الطرح الخاصة، والصفقات ذات الأحجام الكبيرة جمعت ما يقرب من 44 مليار دولار في هونج كونج، بزيادة 29% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وقادت شركات صينية عملاقة، من بينها “كونتمبوراري أمبيريكس تكنولوجي” (Contemporary Amperex Technology Co. Ltd) و”فيكتوري جاينت تكنولوجي هويتشو” (Victory Giant Technology Huizhou Co)، هذا النشاط عبر طروحات بمليارات الدولارات. واستحوذت هونج كونج على الحصة الأكبر من إجمالي 122 مليار دولار جُمعت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وجاءت هذه الصفقات رغم تراجع مؤشر “هانغ سنغ” بنحو 12% هذا العام، وإطلاق بكين إجراءات قد تبطئ وتيرة الإدراجات الجديدة، فضلاً عن الحرب في الشرق الأوسط التي أججت المخاوف التضخمية. ومع ذلك، برزت هونغ كونغ كمركز رئيسي للشركات الصينية العاملة ضمن سلسلة إمدادات الذكاء الاصطناعي لجمع التمويل في ظل سباق توسيع القدرات الإنتاجية لمنافسة الشركات الأميركية. ولا تزال المعنويات إيجابية بقوة، مع استعداد المزيد من الشركات لإبرام صفقات جديدة.
وقال جيمس وانغ، رئيس أسواق رأس المال للأسهم في آسيا باستثناء اليابان لدى “غولدمان ساكس”: “نتوقع تسارع النشاط في الصين الكبرى خلال النصف الثاني من العام”. وأضاف “لا يزال النظام المحيط بالذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات تكوين رأس المال”.
طروحات جديدة في الطريق لهونج كونج
ومن بين الشركات التي تستعد للإدراج شركة “لوكسشير بريسيجن إندستري” (Luxshare Precision Industry) لصناعة الإلكترونيات، والتي تجهز لطرح بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، إلى جانب شركة “تشونغجي إنولايت” (Zhongji Innolight) المصنعة لأجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية، ووحدة رقائق الذكاء الاصطناعي “كونلونشين” التابعة لشركة “بايدو”.
كما أن الشركات التي أُدرجت حديثاً لم تتأخر في العودة إلى السوق لجمع تمويل إضافي. فقد جمعت شركة البطاريات الصينية “كاتل” (CATL) خمسة مليارات دولار من خلال طرح خاص بعد إدراج مماثل الحجم في هونغ كونغ العام الماضي، فيما تخطط شركة “تشيبو” (Zhipu) المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي، والتي أدرجت أسهمها في يناير، لجمع عدة مليارات من الدولارات اعتباراً من الشهر المقبل، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
وساعد هذا النشاط المحموم في الحفاظ على زخم تعافي هونغ كونغ من سنوات من الركود في سوق الصفقات، والذي ألقى بظلاله على مكانتها كمركز مالي عالمي.
وقال بيهاو هوانغ، رئيس أسواق رأس المال للأسهم في آسيا والمحيط الهادئ لدى “جيه بي مورغان”: “في العام الماضي، أعيد فتح سوق الاكتتابات العامة في هونغ كونغ خلال الربع الثاني بعد عدد محدود من الصفقات الكبيرة والناجحة. أما الآن فقد أثبت السوق مراراً قدرته على استيعاب طروحات بمليارات الدولارات”.
الذكاء الاصطناعي يقود النشاط
يعزز الذكاء الاصطناعي أنشطة إبرام الصفقات في معظم أسواق آسيا والمحيط الهادئ، خصوصاً في كوريا الجنوبية وتايوان والصين. فقد تقدمت شركة “إس كيه هاينكس” الكورية لصناعة رقائق الذاكرة بطلب إدراج في الولايات المتحدة بقيمة 29 مليار دولار، ما يضعها على الطريق نحو واحدة من أكبر عمليات بيع الأسهم في التاريخ.
وتأتي هذه الصفقات بعد تنفيذ “سبيس إكس” أكبر طرح عام أولي في التاريخ خلال الشهر الجاري، كما تمثل اختباراً إضافياً لشهية المستثمرين تجاه شركات الذكاء الاصطناعي، في وقت تستعد فيه شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة مثل “ألفابت” لجمع عشرات المليارات من الدولارات لتمويل استثماراتها في هذا المجال. ويحدث ذلك في ظل مخاوف المتداولين من أن موجة الصعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ربما تجاوزت حدودها.
طفرة تمويلية في تايوان والصين
وفي تايوان، شهدت عمليات التمويل خارج الاكتتابات العامة طفرة كبيرة مع سعي شركات التكنولوجيا إلى مواكبة الطلب المتزايد. وجمعت الشركات 4.8 مليار دولار عبر السندات القابلة للتحويل هذا العام، وهو رقم قياسي تجاوز بالفعل إجمالي أي عام كامل سابق، فيما يُتوقع تدفق مليارات إضافية عبر شهادات الإيداع العالمية.
أما في البر الرئيسي الصيني، فتخطط شركتا “تشانغشين ميموري تكنولوجيز” (ChangXin Memory Technologies) و”يانغتسي ميموري تكنولوجيز” (Yangtze Memory Technologies) المتخصصتان في رقائق الذاكرة لتنفيذ طروحات بمليارات الدولارات.
الهند تفقد الزخم
أما الهند فكانت السوق الوحيد الذي أظهر أداء أقل من حجمه في آسيا، إذ جمعت مبيعات الأسهم فيها ما يزيد قليلاً على 14 مليار دولار هذا العام، بانخفاض 32% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وأدت الحرب في الشرق الأوسط إلى صدمة للاقتصاد الهندي المعتمد على واردات النفط، فيما تعرضت الأسهم لضغوط قوية نتيجة ذلك.
وتراجع مؤشر “إن إس إي نيفتي 50” بنسبة 7.9% هذا العام، ما دفع العديد من الشركات إلى تقليص أحجام الطروحات أو تأجيلها. ومن بينها شركة “فون بي” (PhonePe) المدعومة من “وولمارت”، والتي أرجأت طرحاً كان يمكن أن يجمع ما يصل إلى 1.5 مليار دولار.
ومع ذلك، غالباً ما ينتعش سوق الاكتتابات الهندية في النصف الثاني من العام، مع وجود صفقات كبيرة مرتقبة. فقد تقدمت شركة “جيو بلاتفورمز” (Jio Platforms) التابعة للملياردير موكيش أمباني بطلب إدراج قد يصبح الأكبر في تاريخ الهند، كما قدمت “بورصة الهند الوطنية”، ، التي تدير أكثر أسواق المشتقات المالية ازدحاماً في العالم، مستندات إدراجها في طرح يتوقع أن تصل قيمته إلى عدة مليارات من الدولارات.
وقال سوراب دينكار، رئيس أسواق رأس المال العالمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى “مورجان ستانلي”: “التحدي في الهند لا يتعلق بالمعروض”. وأضاف “الأمر يتعلق بالطلب والتقييمات، لأن السوق شهدت بالفعل تصحيحاً كبيراً”.
كما تعاني الهند من غياب شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى القادرة على جذب اهتمام المستثمرين.
وقال إديسون تشو، رئيس أسواق رأس المال للأسهم في “تشاينا ميرشانتس بنك إنترناشونال” (China Merchants Bank International): “نشهد تحولاً واضحاً في السيولة القائمة، إذ تتدفق الأموال من الأسهم التقليدية في السوق الثانوية مباشرة نحو أسهم سلسلة إمدادات الذكاء الاصطناعي وسوق الاكتتابات التكنولوجية الأولية”.








