تشهد سوق الشركات الناشئة في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال عام 2026 تحولًا لافتًا في آليات التقييم المالي للشركات وقرارات الاستثمار، بعدما اتجهت صناديق رأس المال المخاطر إلى تبني معايير أكثر تحفظًا ودقة مقارنة بالسنوات السابقة، مدفوعة بالتقلبات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل وتغير أولويات المستثمرين.
وبات السؤال الأكثر حضورًا داخل أوساط الاستثمار الجريء خلال العام الحالي: هل اختلفت تقييمات الشركات الناشئة عما كانت عليه في السنوات الماضية؟
تشير آراء المستثمرين ومديري الصناديق إلى أن الإجابة هي :”نعم”، إذ لم يعد النمو السريع أو التوسع الجغرافي وحدهما كافيين للحصول على تقييمات مرتفعة أو جذب جولات تمويلية كبيرة، بل أصبحت الإيرادات الفعلية وكفاءة استخدام رأس المال والقدرة على تحقيق الربحية عناصر أساسية في تحديد قيمة الشركات الناشئة.
يأتي هذا التحول بعد سنوات من هيمنة فلسفة «النمو بأي ثمن» التي سادت خلال الفترة بين 2020 و2022، حين كانت رءوس الأموال تتدفق بوتيرة مرتفعة إلى الشركات القادرة على جذب المستخدمين والتوسع السريع، حتى وإن كانت تتكبد خسائر تشغيلية كبيرة أو تعتمد على حرق السيولة لتحقيق النمو.
وتظهر بيانات السوق استمرار جاذبية قطاع التكنولوجيا المالية، الذي استحوذ على نحو 49.5% من إجمالي تمويلات الشركات الناشئة في مصر، فيما سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمويلات بلغت 3.8 مليار دولار خلال عام 2025.
كما أظهرت بيانات منصة «ماغنيت»، تصدر مصر للأسواق الأفريقية من حيث عدد صفقات رأس المال المخاطر بواقع 69 صفقة وتمويلات وصلت إلى 304 ملايين دولار، رغم تراجعها بنسبة 11% على أساس سنوي.
وفي المقابل، كشفت بيانات «ومضة» عن غياب مصر عن صفقات التمويل المعلنة خلال مارس 2026، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على زيادة انتقائية المستثمرين وتركيز التمويلات في عدد أقل من الشركات الأكثر نضجًا وقدرة على تحقيق عوائد مستدامة.
في المجمل اتفقت آراء المستثمرين ومديري الصناديق على أن عام 2026 يمثل مرحلة إعادة ضبط شاملة لمنظومة الاستثمار في الشركات الناشئة، إذ انتقلت الأولوية من مطاردة النمو السريع إلى البحث عن نماذج أعمال أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق عوائد حقيقية.
وبينما تواصل التكنولوجيا المالية تصدرها للمشهد الاستثماري، تزداد جاذبية قطاعات الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والخدمات اللوجستية والبرمجيات، في وقت تتجه فيه رءوس الأموال بصورة متزايدة نحو الشركات القادرة على تقديم حلول عملية تعزز الكفاءة التشغيلية وتخفض التكاليف وتحقق نموًا مستدامًا مدعومًا بإيرادات حقيقية ومسار واضح نحو الربحية.
غنيمة: الاهتمام بقدرة الشركات على تحقيق إيرادات حقيقية .. العامل الأبرز
ويرى ماجد محمد غنيمة، المدير التنفيذي لمجموعة M Empire، أن التقييمات الحالية تختلف بصورة واضحة عن السنوات الماضية، موضحًا أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتمامًا بقدرة الشركات على تحقيق إيرادات حقيقية وتوليد تدفقات نقدية مستدامة بدلاً من التركيز فقط على معدلات النمو أو أعداد المستخدمين.
وبيّن أن القيمة السوقية للشركات الناشئة أصبحت ترتبط بشكل مباشر بحجم السوق الذي تعمل فيه وفرص النمو المستقبلية المتاحة أمامها، مشيرًا إلى أن الشركات التي تتمتع بإمكانات توسع إقليمي أو دولي تحظى بتقييمات أعلى مقارنة بالشركات التي تقتصر أعمالها على أسواق محدودة.
ولفت غنيمة، إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى حجم الإنفاق الرأسمالي أو الأصول المادية باعتبارها المحدد الرئيسي للقيمة، بل أصبحت المبيعات الحالية، ومعدلات الاحتفاظ بالعملاء، وقدرة الشركة على تحقيق نمو مستدام، هي العناصر الأكثر تأثيرًا في قرارات الاستثمار.
أضاف أن الأوضاع الاقتصادية في أي سوق تنعكس بصورة مباشرة على تقييم الشركات العاملة بها، فيما تتمتع الشركات القادرة على تنويع أسواقها والتوسع خارج الحدود المحلية بمرونة أكبر في مواجهة التقلبات الاقتصادية والحفاظ على قيمتها السوقية.
ورغم هذه التغيرات، اعتبر غنيمة أن التكنولوجيا المالية لا تزال تتصدر قائمة القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات خلال 2026، خاصة مع استمرار التحول الرقمي في الخدمات المالية وتوسع استخدام المدفوعات الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية.
وكشف عن أن حجم التمويلات التي تقدمها المجموعة يبدأ من 50 ألف دولار للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، فيما بلغ أكبر استثمار نفذته المجموعة نحو 4.5 مليون دولار، مؤكدًا أن الاستثمارات لا تقتصر على التكنولوجيا المالية فقط، بل تمتد إلى قطاعات متنوعة تمتلك فرص نمو واعدة.
عبد الحميد: الصناديق تمنح أهمية أكبر لجودة المؤسسين وحجم السوق المستهدف
ويرى محمد إيهاب عبدالحميد، مسؤول الاستثمار الأول في دار فنتشرز، أن عام 2026 يمثل نقطة تحول في طريقة تقييم الشركات الناشئة، إذ أصبحت الصناديق الاستثمارية تمنح أهمية أكبر لجودة الفريق المؤسس، وحجم السوق المستهدف، ووجود قاعدة عملاء حقيقية وإيرادات فعلية.
وأشار إلى أن المستثمرين أصبحوا يركزون بشكل أكبر على كفاءة استخدام رأس المال وقدرة الشركات على تحقيق نتائج ملموسة بأقل قدر من الإنفاق، وهو ما يعكس تغيرًا جذريًا مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2023 عندما كانت معدلات النمو السريعة كافية لجذب التمويلات.
أضاف عبدالحميد، أن الشركات التي تقدم حلولًا تساعد المؤسسات على خفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية تحظى باهتمام متزايد من المستثمرين، خاصة في ظل سعي الشركات حول العالم لرفع الإنتاجية وتقليل النفقات.
وتوقع استمرار جاذبية قطاعات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والصحة الرقمية وتكنولوجيا البناء والتشييد خلال المرحلة الحالية.
قال إن متوسط حجم الاستثمار في الشركة الواحدة لدى دار فنتشرز يتراوح بين 150 و250 ألف دولار، مع تركيز خاص على الشركات العاملة في قطاع تكنولوجيا البناء، نظرًا لما يوفره من فرص كبيرة لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف داخل القطاع العقاري والإنشائي.
واعتبر عبدالحميد، أن السوق لم يعد يكافئ الشركات التي تنفق بكثافة لتحقيق نمو سريع دون وجود خطة واضحة لتحقيق الربحية، بل أصبحت الاستدامة المالية شرطًا أساسيًا للحصول على التمويل.
وأرجع أبرز أسباب رفض التمويل خلال الفترة الحالية إلى ضعف الفريق المؤسس أو عدم اكتماله، واستهداف أسواق صغيرة، وغياب الطلب الحقيقي على المنتج أو الخدمة، فضلًا عن ارتفاع معدلات حرق النقد دون وجود نموذج أعمال قادر على تحقيق إيرادات مستدامة.
وتوقع استمرار تدفق التمويل إلى الشركات القوية خلال السنوات المقبلة، لكن بشروط أكثر صرامة وانتقائية، وهو ما يدفع رواد الأعمال إلى التركيز على بناء شركات أكثر كفاءة واستدامة منذ المراحل الأولى.
عباسي: الشركات التي تطور تقنياتها ومنتجاتها الخاصة قيمتها المالية أكبر
و يرى عمرو عباسي، المدير العام لشركة EdVentures، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار خلال عام 2026، موضحًا أن قدرة الشركات الناشئة على تطوير حلول تقنية مبتكرة تمنحها ميزة تنافسية واضحة في أعين المستثمرين.
وأشار إلى أن الشركة تركز على الاستثمار في قطاعات تكنولوجيا التعليم وتنمية رأس المال البشري والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي.
كشف عباسي، عن أن محفظة استثمارات الشركة تضم نحو 28 شركة منذ تأسيسها، فيما يتراوح متوسط الاستثمار بين 150 و200 ألف دولار للصفقة الواحدة، مع إمكانية زيادة التمويل في بعض الحالات وفقًا لجاذبية الفرصة الاستثمارية.
أضاف أن المستثمرين باتوا يفضلون الشركات التي تطور تقنياتها ومنتجاتها الخاصة، بدلاً من الشركات التي تعتمد فقط على استخدام أدوات أو تقنيات متاحة للجميع، لأن ذلك يمنحها قدرة أكبر على المنافسة وحماية حصتها السوقية.
وأكد عباسي، أن النمو لا يزال عنصرًا مهمًا في قرارات الاستثمار، لكنه لم يعد منفصلًا عن الربحية والاستدامة، موضحًا أن المستثمرين يبحثون اليوم عن شركات تستطيع الجمع بين التوسع السريع والانضباط المالي في الوقت نفسه.
ورجّح أن تشهد سوق رأس المال المخاطر في المنطقة تحسنًا تدريجيًا خلال النصف الثاني من 2026، مع إمكانية تسارع وتيرة التعافي خلال الربع الأخير من العام أو مطلع 2027.
بهجت: كفاءة رأس المال أصبحت من أهم المؤشرات المستخدمة في التقييم
واعتبر سيف بهجت، مدير الشراكات في «سند بارتنرز»، أن أكبر تغيير شهدته السوق خلال 2026 يتمثل في انتهاء مرحلة «النمو بأي ثمن» بصورة شبه كاملة.
وأشار إلى أن المستثمرين أصبحوا يركزون على مفهوم «النمو المربح»، وهو النمو القائم على تحقيق تدفقات نقدية إيجابية وعوائد اقتصادية مستدامة، بدلاً من الاعتماد على ضخ المزيد من الأموال لتحقيق توسع غير مدروس.
قال بهجت، إن الشركات التي تمتلك وحدات اقتصادية قوية وتستطيع تحقيق عوائد جيدة من كل عميل أو عملية بيع أصبحت تحظى باهتمام أكبر من الصناديق الاستثمارية، لافتا إلى أن كفاءة رأس المال أصبحت من أهم المؤشرات المستخدمة في تقييم الشركات الناشئة، إلى جانب مرونة فرق الإدارة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتشغيلية.
وأشار إلى أن المنطقة تمر حاليًا بمرحلة نضج حقيقية لمنظومة ريادة الأعمال، ما يسهم في بناء شركات أكثر قوة واستدامة وقادرة على جذب استثمارات طويلة الأجل.
واعتبر بهجت، أن مصر ما زالت من أهم الأسواق الجاذبة للشركات الناشئة في المنطقة، بفضل حجم السوق المحلي الكبير وتوافر الكفاءات البشرية القادرة على بناء شركات قابلة للتوسع إقليميًا ودوليًا.
في المقابل، قال أحمد الشريف، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Averroes Ventures، إن تقييم الشركات الناشئة لدى الصندوق يعتمد بصورة أساسية على جودة الفريق التنفيذي وقدرته على التنفيذ وتحقيق النمو والتوسع.
ولفت إلى أن الصندوق يركز على الشركات القابلة للتصدير والتوسع الجغرافي، مع منح أولوية خاصة للمشروعات المرتبطة بالاقتصاد الدائري وتحويل المخلفات إلى قيمة اقتصادية مضافة.
وحذّر الشريف، من أن التقييمات المبالغ فيها أصبحت تمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الشركات الناشئة في المراحل المبكرة، لأنها قد تعرقل حصولها على جولات تمويل مستقبلية أو تؤثر سلبًا على استدامة نموها.
وشدّد على أن الصندوق يفضل تحقيق توازن بين النمو والربحية عند تقييم الشركات، بدلاً من التركيز على أحد العنصرين دون الآخر.







