تواجه الأسواق الأفريقية، ومن بينها مصر، مرحلة جديدة من التشدد الرقابي في ملفات مكافحة غسل الأموال والفساد، في وقت تسعى فيه الحكومات إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتعزيز نشاط الدمج والاستحواذ وتمويل الشركات.
وبينما تعمل الحكومة المصرية على تحسين بيئة الأعمال وزيادة تدفقات رءوس الأموال عبر برنامج الطروحات الحكومية والإصلاحات الاقتصادية، تشير التطورات التنظيمية المتسارعة في القارة إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتماماً بملفات الامتثال والحوكمة والشفافية عند تقييم الفرص الاستثمارية.
وبحسب تقرير حديث صادر عن شركة “بيكر ماكينزي”، فإن مخاطر الجرائم المالية في أفريقيا دخلت مرحلة أكثر صرامة تعتمد على التطبيق والإنفاذ الفعلي للقوانين، بعدما كانت تركز سابقاً على استيفاء المتطلبات الشكلية والتشريعية فقط. وأوضح التقرير أن السلطات التنظيمية والمؤسسات المالية الدولية باتت تركز بصورة أكبر على نتائج التحقيقات والملاحقات القضائية وآليات الرقابة الفعلية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الصفقات ومدتها الزمنية وهيكلتها.
وأشار التقرير إلى أن قضايا مكافحة غسل الأموال ومكافحة الرشوة والفساد أصبحت تؤثر بشكل مباشر على قرارات المستثمرين والمؤسسات التمويلية عند دراسة الدخول إلى الأسواق الأفريقية أو تمويل المشروعات الكبرى، حيث لم تعد هذه الملفات مجرد إجراءات امتثال قانوني يتم التعامل معها في المراحل النهائية للصفقات، بل تحولت إلى عنصر أساسي في تقييم المخاطر منذ المراحل الأولى.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً كبيراً في نظرة المؤسسات المالية العالمية إلى القارة الأفريقية، مع تصاعد التدقيق على هياكل الملكية والمستفيد الحقيقي من الشركات، وزيادة متطلبات الإفصاح والشفافية، إلى جانب تشدد البنوك الدولية في إجراءات العناية الواجبة الخاصة بالصفقات العابرة للحدود.
ويرى التقرير أن هذه المتغيرات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأسواق التي تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ أصبحت المؤسسات الدولية تنظر إلى جودة أنظمة الحوكمة والرقابة باعتبارها عاملاً لا يقل أهمية عن مؤشرات النمو الاقتصادي أو حجم السوق.
وأكدت “بيكر ماكينزي” أن القوائم الرمادية الصادرة عن مجموعة العمل المالي الدولية “FATF”، لا تزال تلعب دوراً مؤثراً في تقييم المخاطر الاستثمارية داخل القارة. ورغم خروج بعض الدول من هذه القوائم بعد تنفيذ إصلاحات تنظيمية واسعة، فإن المؤسسات المالية والمستثمرين يواصلون تطبيق مستويات مرتفعة من التدقيق والرقابة لفترات طويلة بعد انتهاء تلك الإجراءات، ما يؤدي إلى زيادة متطلبات الفحص النافي للجهالة وإطالة فترات تنفيذ الصفقات.
وأضاف التقرير، أن تأثير هذه التطورات لا يقتصر على المؤسسات المالية فقط، بل يمتد إلى الشركات العاملة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقارات والتكنولوجيا والخدمات المالية، حيث أصبحت مطالبات الإفصاح عن هياكل الملكية ومصادر التمويل أكثر تعقيداً من السابق.
ولفت إلى أن مفهوم “الامتثال” نفسه يشهد تحولاً جوهرياً في أفريقيا، إذ لم يعد يقتصر على وجود سياسات مكتوبة أو إجراءات داخلية، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرة الشركات على إثبات فعالية هذه السياسات عملياً أمام الجهات الرقابية والممولين والمستثمرين.
كما أشار التقرير إلى تصاعد الاهتمام بمسئولية الشركات عن أفعال الأطراف المرتبطة بها، بما يشمل الوكلاء والموردين والمتعاقدين، وهو ما يدفع المؤسسات إلى تشديد إجراءات الرقابة على سلاسل التوريد والعلاقات التجارية المختلفة. وأصبح من المتوقع أن تقوم الشركات بإجراء مراجعات دورية للمخاطر المرتبطة بالشركاء التجاريين، مع الاحتفاظ بأدلة ومستندات تثبت سلامة إجراءاتها الرقابية.
وفي سياق متصل، أكد التقرير أن الشفافية المتعلقة بالمستفيد الحقيقي من الشركات أصبحت إحدى أهم القضايا التي تحظى باهتمام الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية حول العالم، حيث تتجه الحكومات إلى فرض متطلبات أكثر صرامة للإفصاح عن الملاك الفعليين والجهات المسيطرة على الكيانات الاقتصادية.
ويرى التقرير أن هذه التوجهات سيكون لها انعكاس مباشر على عمليات الدمج والاستحواذ داخل القارة، إذ أصبحت هياكل الملكية المعقدة أو غير الواضحة تمثل عاملاً قد يؤدي إلى تأخير الصفقات أو رفع تكلفتها أو حتى إعادة النظر فيها بالكامل.
وتوقف التقرير عند التطورات المرتبطة بالتكنولوجيا المالية والأصول الرقمية، موضحاً أن الجهات التنظيمية في أفريقيا بدأت تشدد رقابتها على الأنشطة المرتبطة بالعملات المشفرة ومنصات المدفوعات الرقمية العابرة للحدود، نظراً للمخاطر المحتملة المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. وأكد أن المؤسسات الاستثمارية أصبحت مطالبة بإدراج هذه المخاطر ضمن تقييماتها الرئيسية عند تنفيذ أي استثمار أو صفقة تتضمن مكونات رقمية أو تكنولوجية.
وأشار التقرير إلى أن تنامي استخدام التكنولوجيا المالية في أفريقيا يخلق فرصًا استثمارية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يفرض أعباء إضافية على الشركات فيما يتعلق بالامتثال والرقابة وإدارة المخاطر.
وأكدت “بيكر ماكينزي” أن الاتجاه العام في القارة يشير إلى انتقال أنظمة مكافحة الجرائم المالية إلى مرحلة تعتمد على النتائج الفعلية وليس مجرد الامتثال النظري، وهو ما يعني أن الشركات والمستثمرين سيواجهون مستويات أعلى من التدقيق خلال السنوات المقبلة.
وأضافت أن المؤسسات الأكثر قدرة على التكيف مع هذه البيئة الجديدة ستكون تلك التي تستثمر في تطوير أنظمة الحوكمة الداخلية، وتعزيز إجراءات العناية الواجبة، وتحسين قواعد الإفصاح والشفافية، إلى جانب توفير إشراف مباشر من مجالس الإدارات على ملفات الامتثال والمخاطر.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه التطورات تمثل تحدياً وفرصة في الوقت نفسه. فمن ناحية، ترتفع متطلبات المستثمرين والمؤسسات التمويلية فيما يتعلق بالحوكمة والامتثال، لكن من ناحية أخرى فإن نجاح الدولة في مواصلة الإصلاحات التنظيمية وتعزيز الشفافية قد يدعم قدرتها على جذب حصة أكبر من الاستثمارات التي تبحث عن أسواق تتمتع بأطر رقابية مستقرة وواضحة.







