يرى سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، أن إطلاق برنامج اقتصادى وطنى جديد يمثل فرصة لإعادة صياغة أولويات الاقتصاد المصرى على أسس أكثر استدامة، عبر التركيز على إدارة الدين العام، وتعميق التصنيع، وإصلاح المنظومة الضريبية، وتحسين بيئة الاستثمار، بما يضمن تحقيق معدلات نمو قادرة على خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.
وقال وزير المالية الأسبق فى حوار لـ «البورصة»، أن نجاح أى برنامج اقتصادى لن يرتبط بحجم مستهدفاته بقدر ارتباطه بقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات ومتابعة نتائجها، مشددًا على أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد يقوده الإنتاج والاستثمار.
أوضح رضوان إن إعداد برنامج اقتصادى وطنى جديد يعكس استجابة لتزايد المطالب بوجود رؤية اقتصادية طويلة الأجل تنطلق من الأولويات الوطنية، لافتًا إلى أن مصر ما زالت تمتلك فرصًا كبيرة لتحقيق انطلاقة جديدة رغم الضغوط التى فرضتها المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن البرنامج يجب أن يجمع بين إجراءات عاجلة تحقق نتائج يشعر بها المواطن خلال فترة قصيرة، وإصلاحات هيكلية تعيد تشكيل الاقتصاد على المدى الطويل، مؤكدًا أن نجاح أى برنامج يقاس فى النهاية بقدرته على تحسين حياة المواطنين وليس فقط بتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وأشار إلى أن إدارة الدين العام ينبغى أن تتصدر أولويات البرنامج، من خلال ترشيد الإنفاق العام، وإعادة تقييم المشروعات التى تعتمد على الاقتراض الخارجي، وتوجيه التمويل إلى المشروعات الأعلى عائدًا على الاقتصاد.
وأوضح أن استمرار الاعتماد على الاقتراض الخارجى لتمويل عجز الموازنة أو ميزان المدفوعات لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار، فى ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، وما تمثله من ضغوط على الموازنة العامة وقدرة الدولة على زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمارات العامة.
وأضاف أن وزارة المالية بدأت بالفعل فى تطوير سياسات إدارة الدين، مشددًا على أهمية استمرار هذا المسار بما يسهم فى تحسين هيكل الدين، وخفض المخاطر المالية، وإطالة متوسط آجال الاستحقاق.
وفى ملف السياسة الضريبية، دعا وزير المالية الأسبق إلى إعادة هيكلة النظام الضريبى بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة.
أوضح أن الإصلاح المطلوب لا يرتبط بفرض ضرائب جديدة، وإنما بتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي، بما يسمح بزيادة الإيرادات دون تحميل الملتزمين أعباء إضافية.
وأكد أن هيكل الضرائب الحالى لا يزال يفرض أعباءً أكبر على محدودى ومتوسطى الدخل، بينما تظل مساهمة ضرائب الثروة محدودة، وهو ما يستدعى مراجعة تحقق توازنًا أكبر بين مختلف الفئات.
واعتبر وزير المالية الأسبق أن التصنيع يمثل الركيزة الأساسية لأى برنامج اقتصادى يستهدف تحقيق نمو مستدام.
وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لتعميق الصناعة المحلية، والبدء بدراسة هيكل الواردات والعمل على تصنيع مستلزمات الإنتاج محليًا، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويرفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي.
وأضاف أن بناء قاعدة صناعية تعتمد على الإنتاج وليس التجميع سيؤدى إلى زيادة الصادرات وخلق فرص عمل جديدة، مستشهدًا بتجارب العديد من الاقتصادات الصاعدة التى اعتمدت على الصناعة لتحقيق معدلات نمو مرتفعة.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصرى يحتاج إلى تحقيق معدل نمو يقترب من 7% سنويًا حتى يتمكن من استيعاب الزيادة السكانية وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
لفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب التركيز على القطاعات القادرة على قيادة النمو، وفى مقدمتها الصناعة، إلى جانب الاستفادة من الإمكانات الكبيرة فى قطاعى السياحة والخدمات.
وأوضح أن قطاع السياحة لا يزال يمتلك فرصًا واسعة للنمو إذا استمرت جهود تطوير البنية الأساسية والخدمات، فيما تمثل الخدمات الطبية فرصة واعدة لزيادة موارد النقد الأجنبى عبر جذب المرضى من الأسواق العربية والأفريقية، وإنشاء مستشفيات متخصصة بالشراكة مع مؤسسات طبية عالمية، بما يؤهل مصر للتحول إلى مركز إقليمى للسياحة العلاجية.
وأكد رضوان أن العنصر البشرى يمثل أهم أصول الاقتصاد المصري، مشددًا على أن الميزة السكانية لن تتحول إلى ميزة تنافسية دون استثمارات أكبر فى التعليم والتدريب وتنمية المهارات، خاصة فى ظل التطورات المتسارعة فى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ودعا إلى تطوير منظومة التدريب لتصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات الصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي، بما يسهم فى إعداد كوادر قادرة على المنافسة فى سوق العمل محليًا ودوليًا.
وشدد على أن الإصلاح المؤسسى يمثل ركيزة أساسية لنجاح البرنامج الاقتصادي، مؤكدًا أن القضاء على البيروقراطية وتبسيط الإجراءات الحكومية أصبحا ضرورة لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، وأن إزالة المعوقات الإدارية لا تقل أهمية عن الإصلاحات المالية والاقتصادية.
أكد على أن نجاح البرنامج سيتوقف على قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات بكفاءة، ووضع آليات واضحة للمتابعة والمحاسبة، بما يضمن تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة تنعكس على معدلات النمو، وفرص العمل، ومستويات معيشة المواطنين.








