في ضوء انعقاد منتدى الأمم المتحدة السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF)، يعود سباق تحقيق أهداف التنمية المستدامة إلى الواجهة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الفجوة بين الطموحات التي أُعلنت في عام 2015 والنتائج التي تحققت على أرض الواقع.
ففي عام 2015، اتفقت دول العالم على أجندة طموحة لتحقيق 17 هدفًا للتنمية المستدامة بحلول عام 2030، تغطي قضايا الفقر والجوع والتعليم والصحة والمياه والطاقة والعمل المناخي والسلام والشراكات، بهدف تحويل الطموحات الكبرى إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس.
لكن بعد أكثر من عقد على اعتماد الأجندة، أصبح واضحًا أن العالم لا يتحرك بالسرعة الكافية.
فبحسب أحدث تقييم عالمي للأمم المتحدة، تسير 18% فقط من الأهداف الفرعية التفصيلية على المسار الصحيح لتحقيقها بحلول عام 2030، بينما تحقق 17% تقدمًا متوسطًا. في المقابل، يتحرك نحو 31% منها ببطء شديد، ولا تحقق 17% أي تقدم، في حين تراجعت 18% إلى ما دون مستويات عام 2015. وبمعنى أكثر وضوحًا، فإن نحو ثلثي الأهداف الفرعية القابلة للقياس ليست على المسار المطلوب.
وهذا يعني أن العالم لا يواجه مشكلة في هدف واحد أو قطاع واحد، بل فجوة تنموية شاملة تمتد من الفقر والجوع إلى التعليم والصحة، ومن المياه والطاقة إلى العمل المناخي وحماية البيئة.
ولا يعني ذلك أن العالم لم يحقق تقدمًا. فقد توسعت الحماية الاجتماعية، وتحسن الوصول إلى بعض الخدمات الأساسية، وتقدم استخدام الطاقة المتجددة في العديد من الدول. لكن هذا التقدم لا يزال أبطأ من حجم التحديات، وأكثر تفاوتًا وهشاشة من أن يقود العالم إلى تحقيق أهدافه في الموعد المحدد.
كما أصبحت فجوة التنمية فجوة تمويل. فالدول النامية تحتاج إلى نحو 4 تريليونات دولار إضافية سنويًا للاستثمار في أهداف التنمية المستدامة، في وقت تواجه فيه أعباء ديون متزايدة وتكاليف اقتراض مرتفعة. ويعيش نحو 3.3 مليار شخص في دول تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم.
لكن السؤال الأهم لم يعد: لماذا تأخر العالم؟ بل: كيف يمكنه اللحاق بالركب؟
جاء انعقاد منتدى الأمم المتحدة السياسي رفيع المستوى (HLPF) ليؤكد أهمية تسريع التنفيذ وتعزيز التكامل بين السياسات والقطاعات والشراكات. فلم يعد ممكنًا التعامل مع أهداف التنمية المستدامة باعتبارها 17 مسارًا منفصلًا.
فالفقر مرتبط بالتعليم، والتعليم مرتبط بالوظائف، والوظائف مرتبطة بالنمو والاستثمار، والنمو مرتبط بالطاقة والمياه والموارد الطبيعية، وكل ذلك أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بتغير المناخ.
فعندما تتراجع الموارد المائية، تتأثر الزراعة؛ وعندما تتأثر الزراعة، تتراجع الدخول وفرص العمل؛ وعندما تتعرض البنية التحتية للكوارث المناخية، تتراجع الاستثمارات وتتسع الفجوات الاجتماعية. إن أزمات التنمية أصبحت سلسلة واحدة مترابطة، ولا يمكن حل أي حلقة منها بمعزل عن الأخرى.
ومن هنا، فإن اللحاق بأهداف التنمية المستدامة يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير والتنفيذ. لم يعد التمويل العام وحده كافيًا، كما لم تعد الخطط والاستراتيجيات الوطنية وحدها كافية. المطلوب هو تحويل التنمية المستدامة إلى منظومة استثمارية قادرة على جذب رأس المال الخاص، من خلال مشروعات قابلة للتمويل، وبيانات موثوقة، وبيئة تنظيمية مستقرة، وأدوات مثل التمويل المختلط والضمانات والسندات الخضراء والمستدامة.
فالمشكلة ليست دائمًا غياب الأموال، بل غياب المشروعات القابلة للاستثمار. ولا يكفي أن تعلن الدول عن أهداف طموحة؛ المطلوب هو قياس النتائج: كم شخصًا خرج من الفقر؟ كم وظيفة تم خلقها؟ كم تحسن الوصول إلى المياه والطاقة؟ وكم أصبحت المجتمعات أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ؟
إن ما لا يتم قياسه لا يمكن إدارته، وما لا يتم تمويله لا يمكن تنفيذه.
ورغم التأخر، لا يزال تغيير المسار ممكنًا. لكن السنوات المتبقية حتى عام 2030 لم تعد تسمح بالعمل بالطريقة نفسها. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى تسريع التنفيذ، وتوجيه التمويل، وتحديد الأولويات، وتعزيز الشراكات، وقياس النتائج.
وبالنسبة إلى الدول النامية، ومنها مصر، لا ينبغي النظر إلى أهداف التنمية المستدامة باعتبارها التزامًا دوليًا فقط، بل باعتبارها إطارًا لتحسين جودة النمو نفسه. فالاستثمار في المياه والطاقة النظيفة والبنية التحتية المرنة والتعليم والوظائف الخضراء هو في الوقت نفسه استثمار في القدرة التنافسية والمرونة الاقتصادية.
لقد دخل العالم المرحلة الأكثر حساسية من سباق 2030. ولم يعد السؤال هو ما إذا كان العالم قد تأخر؛ فالأرقام تجيب بوضوح.
السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع العالم تحويل السنوات المتبقية من فترة لتعويض التأخر إلى مرحلة تسريع حقيقية للتنمية؟
الإجابة لن تحدد فقط مصير أهداف التنمية المستدامة، بل ستحدد شكل الاقتصاد والمجتمع والبيئة التي سنتركها للأجيال القادمة.








