دفعت اضطرابات إمدادات الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز عدداً متزايداً من الاقتصادات الناشئة إلى تسريع خطط بناء احتياطيات استراتيجية من النفط والوقود، في محاولة لتعزيز أمنها الطاقي وتقليل تعرضها لصدمات الإمدادات، بعدما وجدت العديد من الدول نفسها مضطرة إلى تقنين استهلاك الوقود خلال الأزمة.
وتقود الهند وجنوب إفريقيا هذه التحركات، إلى جانب دول أخرى مثل باكستان وبنغلاديش والفلبين والمغرب، في وقت كشفت فيه الأزمة أهمية الاحتياطيات الضخمة التي تمتلكها اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة والصين في الحد من اضطرابات الأسواق العالمية.
وتعتزم جنوب إفريقيا تنفيذ أكبر برنامج لبناء مخزون استراتيجي من النفط منذ عقود، إذ اقترحت الحكومة رفع الاحتياطيات إلى ما يعادل 60 يوماً من الواردات، إضافة إلى إلزام شركات الوقود الخاصة بالاحتفاظ بمخزون يكفي لمدة 21 يوماً، في خطوة تستهدف تعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.
وبحسب الخطة، سترتفع المخزونات الحكومية إلى نحو 36 مليون برميل، مقارنة بنحو 8 ملايين برميل حالياً، وهو ما يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات.
إلا أن معظم هذه الاحتياطيات ستكون من النفط الخام، رغم تقلص طاقات التكرير في جنوب إفريقيا خلال السنوات الماضية، ما قد يحد من سرعة الاستفادة منها في حالات الطوارئ.
وفي الهند، وافقت شركة النفط والغاز الحكومية «أو إن جي سي» على إضافة نحو 1.75 مليون طن متري، بما يعادل قرابة 13 مليون برميل، إلى شبكة الاحتياطيات الاستراتيجية التي تبلغ سعتها الحالية نحو 40 مليون برميل، ضمن خطة حكومية أوسع لتعزيز أمن الإمدادات.
كما وقعت الحكومة الهندية في مايو الماضي اتفاقاً مع شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» لدراسة تخزين ما يصل إلى 30 مليون برميل داخل منشآت الاحتياطيات الهندية، في نموذج يجمع بين التخزين الاستراتيجي والاستخدام التجاري.
أزمة هرمز تعيد الاعتبار للمخزونات الاستراتيجية
ويرى محللون بحسب فاينانشال تايمز أن الخطط الهندية والجنوب إفريقية ستضيف معاً نحو 50 مليون برميل إلى الاحتياطيات العالمية، وهي كمية كبيرة بالنسبة للأسواق الناشئة، لكنها تبقى محدودة مقارنة بحجم الإمدادات التي تعطلت عبر مضيق هرمز، حيث كان يمر قبل الحرب نحو خمس تجارة النفط العالمية.
وقال نيل كروسبي، رئيس أبحاث النفط في «سبارتا كوموديتيز»، إن هذه الإضافات تعد مؤثرة إذا نُفذت بالكامل، لكنها لا تكفي لتعويض نقص يتراوح بين 10 و20 مليون برميل يومياً من الإمدادات، وهو ما يقلل تأثيرها المباشر في أسعار النفط.
وفي المقابل، استفادت الاقتصادات المتقدمة من احتياطياتها الضخمة لتهدئة الأسواق خلال العام الجاري، إذ جرى السحب من نحو 300 مليون برميل ضمن برنامج أطلقته وكالة الطاقة الدولية في مارس، بينما تلزم الوكالة الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات تكفي 90 يوماً من الواردات، وهو معيار يصعب على معظم الدول النامية تحقيقه.
وتلعب الصين أيضاً دوراً محورياً في استقرار السوق بفضل احتياطياتها التجارية والاستراتيجية المقدرة بنحو 1.3 مليار برميل، ما منحها مرونة كبيرة لخفض وارداتها النفطية إلى أدنى مستوى منذ عقد خلال العام الجاري.
ولا تقتصر التحركات على الهند وجنوب إفريقيا، إذ تخطط بنغلاديش لزيادة احتياطياتها من الوقود إلى ما يغطي 90 يوماً من الطلب خلال العام المقبل، بينما بدأت باكستان إعداد أول احتياطي نفطي استراتيجي في تاريخها، وتناقش الفلبين مشروعاً مماثلاً، في حين أعلنت المغرب خططاً لاستثمار مئات الملايين من الدولارات لزيادة قدرات تخزين الوقود بحلول نهاية العقد.
ويرى خبراء أن التوسع العالمي في الاحتياطيات الاستراتيجية قد يوفر دعماً لأسعار النفط خلال السنوات المقبلة مع إعادة ملء المخزونات، إلا أن تأثيره سيظل مرهوناً بتطورات الإمدادات في مضيق هرمز وأداء الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن أمن الطاقة العالمي.







