يتطرق تقرير الطاقة لهذا الأسبوع إلى مؤشرات الطلب الفعلي على النفط في الصين، التي قد تكون أقوى من البيانات الرسمية بفعل تنامي مبيعات الوقود غير المرخص، في وقت تتراجع فيه واردات الخام ومعدلات تشغيل المصافي.
كما يرصد استمرار تراجع صادرات المنتجات النفطية الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ عقد، مقابل بقاء صادرات الخام مرتفعة، مع تحول روسيا نفسها إلى مستورد للوقود.
ويتناول التقرير أيضاً توجه سوريا إلى خفض وارداتها من النفط الروسي في محاولة لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، وما قد يترتب على ذلك من تحديات أمام تأمين بدائل للإمدادات.
كما يسلط الضوء على أزمة نهر الراين، التي تفاقمت هذا الأسبوع، حيث أدى انخفاض منسوبه إلى مستويات قياسية إلى تعطيل إمدادات الصناعات الكيماوية والطاقة في أوروبا ورفع تكاليف النقل، مع تزايد المخاطر على سلاسل الإمداد قبيل فصل الخريف.
الصين: مبيعات الوقود غير المرخص تربك تقديرات الطلب على النفط
أظهرت تقديرات محللي ومتعاملي السوق أن الطلب الفعلي على النفط في الصين قد يكون أقوى من الأرقام الرسمية، مع عودة مبيعات البنزين والديزل عبر قنوات غير مرخصة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ما يحجب جزءاً من الاستهلاك عن الإحصاءات الرسمية.
ولا تنشر بكين بيانات فعلية لاستهلاك النفط، لذلك تعتمد الأسواق على الطلب الظاهري، الذي يُحسب بإضافة إنتاج المصافي إلى صافي واردات المنتجات النفطية. ووفق هذه المنهجية، انخفض إجمالي الطلب الظاهري على النفط في الربع الثاني من 2026 بنسبة 12% على أساس سنوي إلى 153.47 مليون طن.
لكن الانخفاض في الاستهلاك الفعلي قد يكون أقل حدة. فقد قدر محللو S&P Global Energy CERA تراجع الطلب الأساسي على الديزل بنحو 8.2% في الربع الثاني، مقابل انخفاض الطلب الظاهري بنسبة 13.7% إلى 3.3 مليون برميل يومياً.
وتزامن ذلك مع تراجع حاد في نشاط المصافي؛ إذ هبطت واردات الصين من الخام في يونيو إلى 7.15 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في نحو عقد، بينما انخفضت معدلات تشغيل المصافي إلى 12.52 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في قرابة أربعة أعوام.
ويبدو أن ارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط دفع جزءاً من المستهلكين، خصوصاً شركات النقل ومشغلي معدات البناء، إلى اللجوء إلى سوق غير رسمية توفر الديزل والبنزين بأسعار تقل بنحو 1-2 يوان للتر عن أسعار محطات الوقود، عبر شاحنات متنقلة غير مرخصة.
وتحجب هذه القنوات جزءاً من الاستهلاك الحقيقي عن البيانات الرسمية، في وقت تتراجع فيه مبيعات الوقود لدى شركات التوزيع الكبرى. فقد انخفضت مبيعات المنتجات النفطية المحلية لدى سينوبك بنسبة 18.9% على أساس سنوي خلال أبريل-يونيو إلى 35.58 مليون طن.
لكن استمرار هذا السوق غير الرسمي قد يكون محدوداً بسبب تراجع مخزونات الخام لدى المصافي المستقلة، التي تمثل المصدر الرئيس لهذا الوقود وتتركز في مقاطعة شاندونغ. وتراجعت مخزونات الخام التجارية ومخزونات المصافي في المقاطعة إلى نحو 274.8 مليون برميل في يوليو، من 295 مليون برميل في أبريل.
وتحمل هذه التطورات دلالة مهمة للسوق العالمية: فإذا نفدت المخزونات التي تغذي سوق الوقود غير المرخص، ستحتاج الصين إلى استيراد مزيد من الخام لتعويض الإمدادات المفقودة، ما قد يدعم الأسعار العالمية. لكن ارتفاع أسعار الوقود مجدداً قد يؤدي في المقابل إلى تراجع الطلب، خصوصاً إذا أدت اضطرابات مضيق هرمز إلى ارتفاع إضافي في أسعار الخام والمنتجات النفطية.
صادرات روسيا النفطية تسجل أدنى مستوى منذ عقد
كشفت بيانات تتبع الشحنات أن صادرات روسيا البحرية من المنتجات النفطية هبطت في يوليو إلى أدنى مستوياتها منذ بدء تسجيل البيانات قبل 10 سنوات، في وقت أدت فيه الهجمات الأوكرانية إلى تعطيل جزء كبير من طاقة التكرير الروسية، ودفع نقص الوقود المحلي موسكو إلى تقييد الصادرات واللجوء إلى الاستيراد.
وتراجعت صادرات المنتجات المكررة إلى نحو 1.18 مليون برميل يومياً في يوليو، مقابل 1.51 مليون برميل يومياً في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ 2016، بحسب بيانات S&P Global Commodities at Sea. وانخفضت شحنات الديزل وزيت الغاز إلى الأسواق الخارجية إلى 157 ألف برميل يومياً من 471 ألفاً، فيما تراجعت صادرات النافثا بنسبة 9% إلى 290 ألف برميل يومياً.
ويعكس الانخفاض بصورة رئيسية الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير جراء الهجمات الأوكرانية، والتي أخرجت أكثر من ثلث طاقة التكرير الروسية من الخدمة، ما دفع معدلات تشغيل المصافي إلى أقل من 4 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين.
وأجبر نقص الوقود الناتج عن ذلك الحكومة الروسية على تمديد حظر صادرات الديزل حتى يناير 2027، مع السماح للمصافي باستئناف تصدير زيت الغاز اعتباراً من سبتمبر. وفي تحول لافت، بدأت روسيا نفسها باستيراد المنتجات النفطية من كازاخستان وبيلاروس، إلى جانب شحنات بنزين من الهند، لتعويض النقص في السوق المحلية.
في المقابل، لم يؤد تراجع نشاط المصافي إلى خفض صادرات الخام، بل زاد من توافر البراميل للتصدير. وبلغت شحنات الخام الروسي المنقولة بحراً 4.32 مليون برميل يومياً في يوليو، بانخفاض 7% عن يونيو، لكنها ارتفعت 26% على أساس سنوي وسجلت ثاني أعلى مستوى شهري في 2026.
وتغيرت خريطة المشترين أيضاً؛ إذ هبطت صادرات الخام إلى الهند بنسبة 58% على أساس شهري إلى 994 ألف برميل يومياً، بينما ارتفعت الشحنات إلى الصين بنسبة 18% إلى 1.02 مليون برميل يومياً. كما قفزت التدفقات إلى سنغافورة بنسبة 112% إلى 456 ألف برميل يومياً، مدفوعة جزئياً بزيادة عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في المياه الآسيوية.
وتشير هذه الأرقام إلى انقسام متزايد في سوق النفط الروسية: انخفاض حاد في المنتجات المكررة نتيجة تضرر المصافي والقيود الحكومية، مقابل استمرار تدفق الخام إلى الأسواق الخارجية. وفي الوقت نفسه، تؤدي العقوبات وتشديد الرقابة على عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى إلى زيادة اعتماد التجارة الروسية على أسطول الظل، الذي تُقدر حصته بنحو 22% من الأسطول العالمي.
سوريا تسعى لخفض واردات النفط الروسي رغبة في كسب ود الولايات المتحدة
تدرس سوريا تقليص وارداتها من النفط الروسي في خطوة قد تمثل أحد أبرز التحولات في علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، بالتزامن مع بحث الولايات المتحدة تخفيف بعض القيود المفروضة على دمشق.
وزادت شحنات النفط الروسية إلى سوريا بنحو 75% منذ بداية العام لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، ما جعل روسيا المورد الرئيسي للخام إلى البلاد. إلا أن دمشق أبدت استعدادها لخفض هذه الواردات، في مؤشر إلى استعدادها لتقديم تنازلات قد تدعم مسار تخفيف العقوبات الأمريكية.
وتعكس هذه الخطوة تقارباً في المصالح بين الطرفين، إذ يمنح تقليص الاعتماد على النفط الروسي واشنطن هامشاً أوسع للمضي في تخفيف العقوبات وتهيئة بيئة أكثر انفتاحاً أمام الشركات الغربية للاستثمار في قطاع الطاقة السوري.
ورغم ذلك، لا تزال دمشق تفتقر إلى مورد بديل مؤكد أو جدول زمني واضح لتنفيذ هذا التحول، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة البلاد على تعويض الإمدادات الروسية على المدى القريب.
ويرى مراقبون أن أي خفض سريع للواردات الروسية قد يزيد مخاطر نقص الوقود ويرفع تكاليف الاستيراد، في وقت لا يزال فيه قطاع الطاقة السوري يواجه تحديات كبيرة.
انخفاض قياسي في مستوى نهر الراين يفاقم اضطرابات الصناعة والطاقة في أوروبا
انخفض منسوب القياس الرئيسي في نهر الراين إلى 19 سنتيمتراً، مسجلاً أدنى مستوى له منذ ما لا يقل عن 36 عاماً، مع ترجيحات بأنه الأدنى منذ نحو 150 عاماً، رغم أن البيانات السابقة لعام 1990 أقل تفصيلاً. وأدى ذلك إلى تعطيل حركة الشحن النهري وأجبر شركات كيماويات كبرى على إعلان حالات قوة قاهرة، في حين أدى انخفاض مستويات المياه وارتفاع درجات الحرارة إلى تقليص إنتاج الطاقة النووية في عدد من الدول الأوروبية.
وانخفض منسوب المياه عند منطقة كاوب، إحدى أكثر نقاط نهر الراين ضحالة، إلى 19 سم في 5 أغسطس، مع توقعات بمزيد من التراجع، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ نحو 200 سم. وأجبر ذلك مشغلي الصنادل على خفض الحمولة إلى أقل من 20% من طاقتها المعتادة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وإبطاء تدفق المواد الخام والمنتجات النهائية إلى المجمعات الصناعية المنتشرة على ضفاف النهر.
وتكشف هذه التطورات هشاشة قطاع الكيماويات الأوروبي أمام اضطرابات البنية التحتية، إذ تعتمد العديد من أكبر المجمعات الصناعية في ألمانيا على النقل النهري كجزء أساسي من سلاسل الإمداد. وأعلنت شركات مثل باسف ولانكسيس حالات قوة قاهرة أو واجهت اضطرابات تشغيلية بسبب تعطل وصول المواد الأولية، بينما امتدت الضغوط إلى أسواق البوتادايين والميثانول والكحولات والبوليولات.
ولا تقتصر التداعيات على النقل، إذ إن التحول إلى الشاحنات والسكك الحديدية يواجه قيوداً مماثلة بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية وأعمال الصيانة ونقص السائقين خلال موسم العطلات، ما يرفع تكاليف الخدمات اللوجستية ويقلص مرونة سلاسل الإمداد في وقت يعاني فيه القطاع بالفعل من ضعف الطلب.
ويحذر مسؤولو القطاع من أن استمرار الجفاف حتى نهاية الصيف قد يفاقم الأزمة مع عودة النشاط الصناعي في سبتمبر، إذ إن أي نقص في مادة أولية داخل المجمعات الكيماوية المتكاملة قد يمتد سريعاً إلى عشرات المنتجات النهائية، نظراً لاعتماد هذه المجمعات على سلاسل إنتاج مترابطة.
وفي الوقت نفسه، امتدت آثار الجفاف إلى قطاع الطاقة، حيث أدى انخفاض مستويات الأنهار وارتفاع درجات الحرارة إلى خروج نحو 7 غيغاواط من القدرة النووية في فرنسا والمجر ورومانيا عن الخدمة مؤقتاً، أي ما يعادل نحو 10% من إجمالي القدرة النووية المركبة في الاتحاد الأوروبي. كما تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية، ما عزز الاعتماد على محطات الغاز في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة الأوروبية شديدة الحساسية لأي اضطرابات في الإمدادات.
وتبرز الأزمة الحالية أن تغير المناخ لم يعد يمثل خطراً طويل الأجل فحسب، بل أصبح عاملاً مباشراً يعيد تشكيل المخاطر التشغيلية للصناعة الأوروبية، ويضع أمن الطاقة وسلاسل الإمداد أمام اختبارات متكررة قد تتجاوز آثارها موسم الصيف الحالي.







