يتزايد الانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن توقيت التحرك المقبل لأسعار الفائدة، مع استمرار التضخم فوق المستهدف للعام الخامس، في وقت يوازن فيه صناع السياسة بين مخاطر تشديد السياسة النقدية مبكرا و إضعاف سوق العمل، وبين الانتظار لفترة أطول؛ بما قد يسمح بترسخ ضغوط الأسعار.
وأبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي دون تغيير في اجتماعه الأخير، إلا أن تصريحات حديثة تشير إلى اتساع مجموعة المسؤولين الذين يرون مبررا لرفع الفائدة قريبا، وانضم عدد من الأعضاء غير المصوتين في لجنة السوق المفتوحة إلى ثلاثة مسؤولين فضلوا زيادة بمقدار ربع نقطة مئوية، بحسب تقرير لوكالة “بلومبرج” الإخبارية.
في المقابل، لا تزال غالبية المسؤولين ترى إمكانية تراجع التضخم تدريجيا مع انحسار بعض صدمات الأسعار، وإن كانت قدرتهم على الانتظار تتراجع في ظل محدودية التقدم نحو هدف التضخم البالغ 2%.
ولم يحسم تقرير الوظائف الأخير الجدل، بعدما أظهر انخفاضاً في التوظيف خلال يوليو ومراجعة بيانات الشهرين السابقين بالخفض، ما أعاد المخاوف بشأن ضعف محتمل في سوق العمل.
وقال جيمس إيجيلهوف، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في المجموعة البنكية الدولية «بي إن بي باريبا»، إن البيانات لا تزال تعطي إشارات متباينة، لكنه أشار إلى تزايد الضغوط على الفيدرالي للتحرك في ظل غياب تقدم ملموس في خفض التضخم.
وتتجه أنظار الأسواق الآن إلى بيانات التضخم المرتقبة قبل اجتماع سبتمبر، وفي مقدمتها تقرير أسعار المستهلكين. ويتوقع مسؤولو الفيدرالي عودة التضخم إلى هدف 2% بحلول 2028، لكن بقاء مؤشر أسعار المستهلكين عند 3.5% في يونيو، و التضخم الأساسي المفضل لدى البنك عند 3.3%، يزيد الشكوك بشأن سرعة تحقيق ذلك.
ومن المتوقع أن يحتدم النقاش قبل الندوة الاقتصادية السنوية الدولية للبنوك المركزية في جاكسون هول، حيث سيترقب المستثمرون خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بحثاً عن أية مؤشرات بشأن اتجاه السياسة النقدية.
وقد أبقى الفيدرالي الفائدة مستقرة هذا العام رغم ارتفاع تكاليف الواردات نتيجة تغيرات السياسة التجارية وصعود أسعار الطاقة بسبب الحرب في إيران.
ويرى بعض المسؤولين أن رفع الفائدة قد لا يكون الاستجابة المناسبة لصدمات أسعار مؤقتة، خصوصاً مع التأخر الزمني لتأثير السياسة النقدية على الاقتصاد.
وقالت عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك، إن التشديد المبكر قد يضر بسوق العمل، مشيرة إلى وجود عوامل قد تساعد على خفض التضخم، ومن بينها تراجع تأثير الرسوم الجمركية واحتمال انخفاض أسعار النفط وضغوط الأسعار المرتبطة باستثمارات الذكاء الاصطناعي.
كما قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، إنه لا يزال يتوقع عودة التضخم إلى المستهدف بحلول 2028.
وأدى ضعف بيانات الوظائف إلى انخفاض توقعات الأسواق لاحتمال رفع الفائدة في الاجتماع المقبل إلى نحو 40%، من أكثر من 50% قبل صدور التقرير.
لكن المسؤولين الثلاثة الذين فضلوا رفع الفائدة في يوليو ، وهم نيل كاشكاري ولوري لوغان وبيث هاماك ، حذروا من أن التأخير قد يفرض تشديداً أكبر لاحقاً. كما يرى مسؤولون آخرون أن قوة الطلب والإنفاق الاستهلاكي والاستثمار وتيسير الأوضاع المالية تشير إلى أن السياسة الحالية ليست مقيدة بما يكفي.
وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيف شميد، إنه لا يعتبر الموقف الحالي للسياسة النقدية مقيداً، مؤكداً تأييده لمزيد من التشديد لكبح التضخم.
وأصبحت مصداقية الفيدرالي جزءاً من النقاش، مع امتناع وارش حتى الآن عن تقديم توجيهات واضحة بشأن المسار المقبل للفائدة. وأعقبت تصريحاته بعد اجتماع يوليو عمليات بيع في سندات الخزانة طويلة الأجل وارتفاعاً في توقعات التضخم في الأسواق.
وقال تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «أبولو جلوبال مانجمنت» لإدارة الأسهم الخاصة، إن القضية لم تعد مرتبطة بالبيانات وحدها، بل بمصداقية البنك المركزي أيضا، بعدما ظل التضخم أعلى من المستهدف منذ 2021.
ومع استمرار الغموض بشأن اتجاه الفائدة، يتوقع مراقبون أن تشهد اجتماعات الفيدرالي المقبلة مزيداً من الانقسامات والاعتراضات داخل لجنة السوق المفتوحة.







