تقلّص بعض أكبر شركات النفط الأمريكية إنفاقها الرأسمالي في أحواض النفط الصخري بالبلاد، مستفيدة من المكاسب الاستثنائية التي حققها ارتفاع أسعار الخام لتقليص الديون وتعزيز عوائد المساهمين، بدلاً من تسريع وتيرة نمو الإنتاج.
خفضت “شيفرون” (Chevron) و”كونوكو فيليبس” (ConocoPhillips) الإنفاق الرأسمالي في الولايات الأمريكية الـ48 المتجاورة بنسبة 10% خلال الأشهر الستة الأولى من العام، فيما قلّصت “أوكسيدنتال بتروليوم” (Occidental Petroleum) إنفاقها في حوض برميان بنسبة 20% خلال الفترة نفسها، وفقاً لتقارير الأرباح. كذلك تتجه “إيه بي إيه” (APA) و”ماتادور ريسورسز” (Matador Resources) و”هاي بيك إنرجي” (HighPeak Energy) إلى إنفاق مبالغ أقل بكثير على أعمال الحفر والتكسير الهيدروليكي في الولايات المتحدة مقارنة بالعام الماضي.
ولا يعني انخفاض الإنفاق بالضرورة تراجع الإنتاج، إذ أتاحت التطورات في تقنيات الحفر والتكسير الهيدروليكي لمعظم المشغلين إنتاج كميات أكبر من النفط مقابل كل دولار ينفقونه. وفي الوقت نفسه، باتت شركات أكثر قادرة على الحفاظ على استقرار الإنتاج أو زيادته بالاعتماد على مكاسب الكفاءة، بدلاً من ضخ استثمارات إضافية.
كبح نمو إمدادات الخام الأمريكية
يسهم هذا التوجه في كبح نمو إمدادات الخام الأمريكية، في وقت يوجّه فيه الرئيس دونالد ترامب انتقادات حادة إلى القطاع لعدم خفض أسعار البنزين في محطات الوقود بالسرعة الكافية.
سترفع الولايات المتحدة إنتاجها النفطي بنحو 200 ألف برميل يومياً هذا العام، ليصل إلى 13.8 مليون برميل يومياً، وفقاً لتوقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. إلا أن المشغلين لا يحفرون بالوتيرة المحمومة نفسها التي اتبعوها خلال موجات ارتفاع أسعار النفط السابقة. فبعدما أدى غزو روسيا لأوكرانيا في 2022 إلى قفزة حادة في الأسعار، أضافت الولايات المتحدة نحو 1.1 مليون برميل يومياً إلى إنتاجها في 2023، أي ما يقارب خمسة أمثال الزيادة المتوقعة هذا العام.
ومع ذلك، يتركز معظم نمو إنتاج النفط الصخري عادةً في النصف الثاني من العام، حين يكون المشغلون أقل تأثراً بالطقس ويركزون على تجاوز أهدافهم السنوية. كذلك دفعت الأسعار السلبية للغاز، الذي يُنتج كمنتج ثانوي لاستخراج النفط في حوض برميان خلال الربع الأخير، بعض الشركات إلى حجب جزء من إنتاجها إلى حين دخول خطوط أنابيب جديدة حيز التشغيل.
في المقابل، لا تتجه جميع الشركات إلى تقليص الإنفاق. إذ تخطط “دايموندباك إنرجي” (Diamondback Energy) لرفع إنفاقها الرأسمالي إلى الحد الأعلى من نطاق توقعاتها بهدف زيادة الإنتاج، بعدما أدت حرب إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، في إشارة وصفها الرئيس التنفيذي كايس فان هوف بأنها “ضوء أخضر” للنمو.
كما رفعت “إكسون موبيل” (ExxonMobil)، أكبر منتج للنفط الصخري بفارق كبير، إنتاجها بنسبة 12.5% إلى 1.8 مليون برميل يومياً في الربع الثاني، وتخطط لزيادته بنسبة إضافية تبلغ 40% بحلول 2030.
استراتيجية استقرار الإنتاج
تُعد “شيفرون” أكبر شركة نفط أميركية كبرى تتبنى استراتيجية “استقرار الإنتاج”، إذ ظل إنتاجها في حوض برميان بغرب تكساس ونيو مكسيكو يحوم حول مليون برميل من المكافئ النفطي يومياً خلال الأرباع الخمسة الماضية، فيما استقر عند نحو 400 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً في حوض دي جي بولاية كولورادو خلال الأرباع العشرة الماضية.
ومن المتوقع أن تولّد أحواض النفط الصخري في برميان ودي جي وباكن تدفقات نقدية حرة لا تقل عن 7 مليارات دولار سنوياً حتى 2030، وهو مبلغ يكفي لتمويل نصف توزيعات الأرباح السنوية لـ”شيفرون”، التي تحتل حالياً المرتبة الخامسة بين الشركات الأعلى في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” من حيث توزيعات الأرباح. ويختلف نموذج الأعمال هذا جذرياً عن النهج الذي ساد قطاع النفط الصخري الأميركي قبل جائحة كوفيد، حين استنزف القطاع نحو 350 مليار دولار في ظل تركيزه على نمو الإنتاج على حساب الأرباح.
وقالت المديرة المالية إيمير بونر، خلال مكالمة مع المحللين، في إشارة إلى فريق “شيفرون” في حوض برميان: “إنهم يحققون مكاسب هائلة في الكفاءة بفضل هذا التركيز على تعظيم الاستفادة من الأصول”. وأضافت: “لا نسعى إلى زيادة الإنتاج، بل إلى زيادة التدفقات النقدية الحرة”.
تجسّد منشأة ويندوم المركزية التابعة لـ”شيفرون”، الواقعة على بُعد نحو ساعة بالسيارة شمال دنفر، كيفية تطبيق الشركة استراتيجيتها الجديدة. فوسط حقول الذرة عند سفوح جبال روكي، كانت شبكة من الأنابيب والأسطوانات الفولاذية ذات اللون الكاكي والمراوح الصناعية تُصدر أزيزاً تحت سماء كولورادو الملبدة بالدخان، في إحدى أمسيات أوائل أغسطس.
عشرات المواقع المنفصلة
صُممت المنشأة من دون خزانات تخزين، بما يسمح بتدفق النفط والغاز عبرها باستمرار، في نموذج يعطي الأولوية لاستقرار الإنتاج بدلاً من النمو المنفلت الذي عُرف به قطاع النفط الصخري الأميركي في الماضي. وتخطط “شيفرون” لتمرير 50 ألف برميل يومياً من 72 بئراً عبر هذه المنشأة وحدها، حيث تُنفذ خطوة أولى وحاسمة تتمثل في فصل النفط عن الغاز والمياه، قبل أن يبدأ النفط رحلة تمتد 1200 ميل عبر خزانات في كوشينغ بولاية أوكلاهوما، وصولاً إلى مصافي ساحل الخليج.
في السابق، كان الوصول إلى هذا الحجم من الإنتاج يتطلب عشرات المواقع المنفصلة، يضم كل منها خزانات تخزين وضواغط غاز وغيرها من المعدات الثقيلة. أما منشأة المعالجة الجديدة، فتعمل من دون موظفين في الموقع، وتُراقب عن بُعد من مركز تحكم يقع على مسافة نحو أربعة أميال. ووفقاً لنيك غونزاليس، مشرف العمليات في “شيفرون” ، تتميز المنشأة بمستويات أعلى من الأمان، وسهولة أكبر في المراقبة، وانبعاثات أقل مقارنة بالتصميمات السابقة.
وتتمتع المنشأة بميزة إضافية تتمثل في انخفاض تكاليفها بنسبة 20%.
وقال غونزاليس: “بدلاً من الاستثمار لتلبية ذروة الإنتاج في كل موقع على حدة، تشتري الشركة أسطولاً من المعدات وتعيد نشره حسب الحاجة”.
ورغم أن النمو في خليج المكسيك ومناطق أخرى دفع إنتاج “شيفرون” في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي خلال الربع الثاني، فإن نموذج استقرار الإنتاج يُعد أحد الأسباب الرئيسية وراء توقع المسؤولين التنفيذيين أن يأتي الإنفاق عند الحد الأدنى من نطاقه السنوي هذا العام. ومن المرتقب أن يقل إنفاق الشركة في حوض برميان بنحو 30% مقارنة بمستواه قبل عامين.
انخفاض الإنفاق الرأسمالي لدى “أوكسيدنتال”
تحذو شركات أخرى حذو “شيفرون”. فانخفاض الإنفاق الرأسمالي لدى “أوكسيدنتال” يعني أن الشركة ستحفر عدداً أقل من الآبار في حوض برميان هذا العام، لكنها لا تزال في طريقها لزيادة إنتاجها من المكافئ النفطي بنسبة 3%، مدفوعة بمكاسب الكفاءة. وقال المدير المالي سونيل ماثيو إن على المستثمرين توقع إنتاج “مستقر نسبياً” على مستوى الشركة في 2027، بافتراض ميزانية رأسمالية مماثلة لميزانية العام الجاري.
وفي “كونوكو فيليبس”، ظل الإنتاج في الولايات الأميركية الـ48 المتجاورة يحوم حول 1.5 مليون برميل يومياً خلال الأرباع الستة الماضية، إذ عوّض نمو الإنتاج في برميان التراجعات المسجلة في إيغل فورد وباكن، وهما من أحواض النفط الصخري الأقدم. وقال الرئيس التنفيذي القادم آندي أوبراين، خلال مكالمة مع المحللين، إن الاستثمارات المستقبلية ستستهدف تحقيق “نمو متواضع”.
وأضاف: “لا يمكنني التشديد بما يكفي على أن ذلك سيتم بمعدل إعادة استثمار أقل هيكلياً من المستوى الذي نحن عليه اليوم”.








