اتفقت “أرامكو” و”معادن” على تأسيس مشروع مشترك للتنقيب عن النحاس والمعادن المرتبطة بتحول الطاقة، في خطوة تنقل خبرة عملاق النفط في استكشاف باطن الأرض إلى قطاع التعدين، وتوسع رهان السعودية على قطاع التعدين لتنويع الاقتصاد.
ستمتلك “معادن” 51% من المشروع والباقي لـ”أرامكو”، على أن تتركز أعمال الاستكشاف في “المنطقة الرابعة” ضمن الرف العربي، على مساحة تقارب 182 ألف كيلومتر مربع، بما يعادل نحو عُشر مساحة السعودية.
يمثل الاتفاق انتقالاً من خطط أعلنتها الشركتان مطلع العام الماضي إلى مشروع أكثر وضوحاً من حيث الملكية والنطاق الجغرافي وأولويات الاستكشاف. وكانت الخطط الأولية تشمل الليثيوم ومعادن أخرى مرتبطة بتحول الطاقة.
لا يزال تأسيس المشروع خاضعاً للموافقات التنظيمية وشروط أخرى، بحسب بيان صادر عن الشركتين اليوم الثلاثاء.
من بيانات النفط إلى اكتشاف النحاس
القيمة الأهم في الشراكة قد لا تكون في مساحة الاستكشاف وحدها، وإنما في محاولة إعادة توظيف قاعدة البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية التي بنتها “أرامكو” على مدى أكثر من 90 عاماً من البحث عن النفط والغاز.
ونقل البيان عن صالح الصالح، نائب الرئيس للمعادن التحويلية في “أرامكو”، قوله إن الشركة جمعت على مدى عقود قاعدة ضخمة من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية عن الحوض، مضيفاً أن دمج هذه المعرفة مع خبرات “معادن” والحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرع اكتشاف المعادن بتكلفة أقل.
بالنسبة لـ”معادن”، يفتح الاتفاق نطاقاً جيولوجياً جديداً يتجاوز تركيز برنامجها الاستكشافي الكبير في الدرع العربي. وقال داريل كلارك، النائب التنفيذي للرئيس للاستكشاف، إن الجمع بين خبرة الشركة التعدينية ومعرفة “أرامكو” بالرف العربي يمنح الشريكين فرصة للاستكشاف “بوتيرة أسرع وبذكاء أكبر”.
لماذا النحاس؟
يضع المشروع النحاس في صدارة أهدافه، وهو اختيار يرتبط بتحول هيكلي في الطلب العالمي. فالمعدن يدخل بكثافة في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتقدر “أرامكو” سوق النحاس العالمية بنحو 250 مليار دولار حالياً، مع إمكانية تجاوزها 400 مليار دولار بحلول 2035. كما سيبحث المشروع عن الزنك والرصاص والعناصر الأرضية النادرة.
هذا التوجه يتسق مع مسعى سعودي أوسع للتحول من منتج رئيسي للهيدروكربونات إلى لاعب في المواد الأولية المطلوبة للنظام الطاقي الجديد.
التعدين ركيزة لتنويع الاقتصاد السعودي
تأتي الشراكة في وقت تسعى فيه السعودية إلى تحويل التعدين إلى ركيزة ثالثة للصناعة الوطنية إلى جانب النفط والبتروكيماويات. ورفعت المملكة تقديرات قيمة مواردها المعدنية غير المستغلة إلى نحو 2.5 تريليون دولار، من 1.3 تريليون دولار سابقاً، مدفوعة باكتشافات جديدة وارتفاع قيمة المعادن المرتبطة بتحول الطاقة.
وتستهدف الاستراتيجية السعودية بناء سلسلة قيمة تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والتصنيع وإعادة التدوير، مع اشتداد المنافسة العالمية على تأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية.
رهان طويل الأجل
مع ذلك، فإن الانتقال من الاستكشاف إلى إنتاج تجاري واسع ليس مضموناً. فالتعدين صناعة كثيفة رأس المال، وقد تستغرق تحويل الاكتشافات الجيولوجية إلى مناجم منتجة سنوات، فضلاً عن تقلب أسعار المعادن وتكلفة تطوير البنية التحتية.
لذلك، سيكون الأثر المباشر لاتفاق “أرامكو” و”معادن” في توسيع قاعدة الاستكشاف أكثر من إضافة إنتاج سريع. لكن نجاح المشروع في إثبات وجود احتياطيات تجارية من النحاس سيمنح السعودية أصلاً استراتيجياً في سوق يتزايد ارتباطه بأمن الطاقة والصناعة العالمية.
لا تراهن الشركتان على منجم بعينه حتى الآن بقدر ما تراهنان على معادلة مختلفة للاستكشاف، تتضمن بيانات تراكمت خلال عقود من البحث عن النفط، وقدرات رقمية وذكاء اصطناعي من “أرامكو”، مقابل خبرة التعدين والتطوير لدى “معادن”. وإذا أثبتت هذه المعادلة قدرتها على تحويل المساحات غير المستكشفة إلى احتياطيات تجارية، فقد تفتح أمام السعودية مساراً جديداً للاستفادة من ثروات باطن الأرض، هذه المرة خارج قطاع النفط.







