أعادت الأعطال الفنية التي شهدتها بعض منصات وتطبيقات التداول خلال الأسابيع الأخيرة فتح ملف جاهزية البنية التكنولوجية لسوق المال المصري من خلال المنظمة متكاملة سواء على شركات السمسرة أو الشركات المرتبطة بالمنظومة، في وقت تشهد فيه السوق نموًا متسارعًا في أعداد المستثمرين وأحجام التداول، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على الأنظمة التشغيلية والبنية التحتية للأطراف المختلفة داخل المنظومة.
وتزايدت التساؤلات بين المتعاملين حول قدرة البنية التكنولوجية الحالية على استيعاب الطفرة التي تشهدها السوق، خاصة بعد ظهور مشكلات مرتبطة بتنفيذ بعض العمليات وتأخر تسويتها، لا سيما معاملات T+0 وT+1 وهو ما يضع تجربة المستثمر وثقته في المنصات الرقمية أمام اختبار مهم مع اتساع الاعتماد على التكنولوجيا المالية خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار تدفق المستثمرين الجدد إلى السوق، إذ شهدت البورصة المصرية انضمام نحو 380 ألف مستثمر جديد منذ بداية العام، ما انعكس على أحجام العمليات المنفذة يوميًا ومستويات النشاط داخل السوق.
استثمارات ضخمة لمواكبة النمو
وقالت شركة «ثاندر» لتداول الأوراق المالية، ردًا على استفسارات لجريدة «البورصة»، إن عدد العمليات المنفذة يوميًا عبر منصتها ارتفع من نحو 137 ألف عملية إلى أكثر من 320 ألف عملية خلال شهر واحد فقط، بالتزامن مع زيادة ملحوظة في نشاط المستثمرين الأفراد.
وأضافت الشركة أنها ضخت استثمارات تجاوزت 8 ملايين دولار في التكنولوجيا والبنية التحتية خلال السنوات الثلاث الماضية، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية للأنظمة ومواكبة النمو المتسارع في أحجام التداول.
وأوضحت أنها عززت أنظمة المراقبة والمتابعة واتخذت إجراءات إضافية للحد من تأثير أي تأخيرات محتملة، بالتوازي مع استمرار التنسيق مع كافة جهات منظومة سوق المال لتطوير البنية التحتية واستيعاب النمو المتزايد في أحجام التداول.
وقال أحمد حمودة، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ثاندر»، إن الشركة تدرك أهمية عامل الوقت بالنسبة للمستثمرين، وتعمل مع جميع الأطراف المعنية لمعالجة التحديات التقنية مع الاستمرار في الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية.
شركات السمسرة: الخلل خارج التطبيقات
من جانبه، قال هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، إن الشركة أجرت مراجعات فنية لأنظمتها وخطوط الربط، كما أرسلت تقارير تثبت وصول الرسائل عبر النظام الإلكتروني، لكنها لم تتلق ردًا يحدد بشكل واضح أسباب الأعطال.
وأكد حمدي أن تحميل تطبيقات الاستثمار وحدها مسئولية المشكلات الحالية لا يعكس الصورة الكاملة، موضحًا أن دورة تنفيذ الأمر واحدة سواء أدخل المستثمر العملية بنفسه عبر التطبيق أو من خلال شركة السمسرة.
ودعا الهيئة العامة للرقابة المالية إلى التدخل لحسم المسئوليات وتحديد أسباب الأعطال بشكل واضح، مشيرًا إلى أن استمرار تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة لن يسهم في حل الأزمة.
ورجح أن تكون الضغوط الناتجة عن ارتفاع أعداد المستثمرين وأحجام التداول أحد العوامل التي تستوجب فحص الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية للمنظومة بأكملها.
كما استبعد أن تدفع الأعطال الحالية المستثمرين إلى التخلي عن التطبيقات الرقمية والعودة إلى شركات السمسرة التقليدية، مؤكدًا أن المشكلة ستؤثر على جميع الأطراف بالقدر نفسه.
تطوير التكنولوجيا ضرورة مستمرة
وقال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن تطوير البنية التكنولوجية لشركات السمسرة أصبح ضرورة ملحة لمواكبة المتطلبات الجديدة للسوق، خاصة مع التوسع في الخدمات الإلكترونية وزيادة الاعتماد على الأنظمة الرقمية في إدارة وتنفيذ عمليات التداول.
وأضاف أن تطوير الأنظمة التكنولوجية لا يجب أن يقتصر على معالجة المشكلات القائمة فقط، بل ينبغي أن يكون عملية مستمرة تستهدف مواكبة التطورات المتسارعة في سوق المال واحتياجات المستثمرين المتغيرة.
وأكد المصري أهمية الاستفادة من خبرات المتخصصين في الجوانب التقنية عند وضع خطط التطوير، لضمان بناء أنظمة أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع النمو المستقبلي في أحجام العمليات.
المستثمر الكبير لا يكتفي بالتطبيق
وقالت رندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن الأعطال التي شهدتها بعض تطبيقات التداول قد تدفع شريحة من المستثمرين، خصوصًا أصحاب المحافظ الكبيرة، إلى إعادة تقييم الاعتماد الكامل على المنصات الرقمية.
وأضافت أن التكنولوجيا أصبحت عنصراً أساسيًا في تطوير سوق المال وتسهيل وصول المستثمرين إلى الخدمات الاستثمارية، لكنها لا تغني بشكل كامل عن العنصر البشري، خاصة في أوقات الأزمات أو عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات سريعة.
وأوضحت أن المستثمر الذي يدير محافظ بمئات الآلاف أو الملايين من الجنيهات يفضل في كثير من الأحيان وجود مسئول أو مدير استثمار يمكنه التواصل معه مباشرة وتقديم الدعم اللازم عند الحاجة.
وأشارت إلى أن المستثمر الكبير لا يبحث فقط عن تنفيذ الأوامر، بل يحتاج أيضًا إلى التحليل والرأي الاستثماري والمتابعة المستمرة، وهو ما يجعل الدمج بين التكنولوجيا والخدمة البشرية نموذجًا أكثر ملاءمة لهذه الفئة.
وأكدت أن تكرار الأعطال الفنية قد يؤثر على ثقة المستثمرين ويدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل توفر مستويات أعلى من الدعم المباشر وخدمة العملاء.
وأضافت أن شركات السمسرة التقليدية التي تمتلك تطبيقات إلكترونية متطورة إلى جانب خدمة عملاء فعالة قد تستفيد من هذه التطورات عبر استقطاب شريحة من المستثمرين الباحثين عن مزيج من التكنولوجيا والتواصل المباشر.
المنافسة على جودة البنية التكنولوجية
من جانبه، قال عمرو عبده، العضو المنتدب لشركة أسطول لتداول الأوراق المالية، إن الأعطال التقنية الأخيرة لن تدفع المستثمرين إلى التخلي عن الحلول الرقمية، لأن التحول التكنولوجي أصبح جزءًا أساسيًا من مستقبل سوق المال.
وأوضح أن النمو الكبير في أعداد العملاء وأحجام التداول خلال السنوات الأخيرة كان مدفوعًا بشكل رئيسي بالتكنولوجيا المالية وتطبيقات الاستثمار التي سهلت دخول شرائح جديدة من المستثمرين إلى السوق.
وأضاف أن الأعطال قد تدفع المستثمرين إلى تنويع قنوات تنفيذ استثماراتهم والبحث عن شركات تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والعنصر البشري، بما يوفر دعمًا فنيًا سريعًا وخدمة عملاء فعالة.
وأشار إلى أن الأعطال التقنية تحدث في مختلف الأسواق العالمية، والتحدي الحقيقي يتمثل في تقليل احتمالات حدوثها وسرعة التعامل معها عند وقوعها.
وأكد ضرورة زيادة استثمارات شركات السمسرة في البنية التكنولوجية ورفع كفاءة الخوادم والأنظمة التشغيلية، بما يسمح باستيعاب القفزات المفاجئة في أحجام التداول.
كما دعا إلى التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمشكلات الفنية قبل وقوعها، وإجراء اختبارات ضغط دورية للأنظمة، خاصة في ظل وصول متوسط التداولات اليومية بالسوق إلى مستويات مرتفعة خلال الفترة الأخيرة.
وشدد على أهمية وجود أنظمة فعالة للنسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث، إلى جانب المراقبة اللحظية للأداء وسرعة التعامل مع شكاوى العملاء.
وقال عبده إن المنافسة خلال السنوات المقبلة لن تكون بين شركات رقمية وأخرى تقليدية، وإنما بين شركات تمتلك بنية تكنولوجية قوية وتجربة عميل متكاملة وأخرى لا تستطيع مواكبة التطورات المتسارعة في السوق، مؤكدًا أن المستثمر سيظل يبحث عن مزيج يجمع بين سرعة التكنولوجيا وكفاءة العنصر البشري.







