بدأت الوحدات المتعثرة تظهر كأحد المسارات الجديدة لإعادة تدوير السيولة في السوق العقارية، مع ارتفاع الالتزامات المالية وتراجع القدرة الشرائية لدى بعض العملاء.
وتعيد الشركات، بيع التعاقدات القديمة للعملاء غير القادرين على استكمال التزاماتهم، بدلًا من فسخها أو إعادتها إلى المطور، وذلك عبر منصات متخصصة منها منصة “عقار إكزت” المتخصصة في مساعدة المتعثرين العقاريين،
وحققت قيم الوحدات المعروضة على المنصة نحو 32 مليار جنيه، بالتزامن مع تسجيل أكثر من 5500 طلب شراء على نحو 1400 وحدة، في حين تجاوز عدد العملاء المسجلين على المنصة 15 ألف عميل، بينهم نحو 3400 متعثر، مقابل أكثر من 12 ألف عميل يرغبون في شراء وحدات. وتضم المنصة نحو 2500 وحدة مملوكة لعملاء يرغبون في التخارج.
ويرى خبراء ومتعاملون بالقطاع تحدثوا لـ«البورصة» ، أن إعادة تداول هذه الوحدات يمكن أن يمثل آلية لتحريك شريحة من التعاملات وخلق سوق ثانوية أكثر تنظيمًا، خاصة مع وجود وحدات تعاقد عليها أصحابها بأسعار أقل كثيرًا من مستويات الأسعار الحالية، إلا أن النموذج لا يخلو من مخاطر، أبرزها سلامة الموقف القانوني والتعاقدي للوحدة، وموافقة المطور على التنازل، ومدى حقيقة الخصم الذي يحصل عليه المشتري مقارنة بسعر السوق.
ويحذر خبراء آخرون من أن انتشار الحديث عن تعثر العملاء قد يرسخ صورة سلبية عن السوق، خاصة إذا جرى تقديم هذه المنصات باعتبارها وسيلة لإنقاذ المتعثرين، بدلًا من التعامل معها كقناة لإعادة بيع وحدات تتوافر فيها فرص استثمارية حقيقية.
سويدة: الآلية الجديدة تسهل التخارج وإعادة تدوير السيولة
قال وليد سويدة، رئيس لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن إعادة تداول الوحدات المتعثرة يمكن أن تعالج فجوة بين عميل لم يعد قادرًا على استكمال التزاماته ومشترٍ يبحث عن فرصة في السوق الثانوية.
وأوضح أن أهمية هذه الممارسة لا تقتصر على بيع الوحدة، وإنما تمتد إلى تسهيل التخارج من الالتزام وإعادة تدوير السيولة داخل السوق، بما قد يقلل من حالات فسخ التعاقد والنزاعات بين العميل والمطور.
أضاف سويدة، أن وصف تعثر العملاء بأنه أزمة عامة في السوق لا يزال مبكرًا، في ظل عدم وجود بيانات موحدة ومنشورة توضح حجم التعثر لدى شركات التطوير العقاري المختلفة.
وأشار إلى أن العقود القديمة قد تكون الأكثر جاذبية للمشتري، خاصة الوحدات التي تم التعاقد عليها قبل موجة الزيادات الكبيرة التي شهدها السوق، موضحًا أن الفارق بين سعر التعاقد القديم والقيمة الحالية قد يوفر فرصة استثمارية.
لكن هذه الميزة السعرية، بحسب سويدة، لا تكفي وحدها لاتخاذ قرار الشراء، إذ يجب فحص المشروع ونسبة التنفيذ والأقساط المتبقية وموقف الوحدة القانوني وشروط التنازل والمصروفات المرتبطة بنقل التعاقد.
وشدد على أن سلامة الموقف التعاقدي تأتي في مقدمة عناصر تقييم الصفقة، خاصة أن بعض العقود قد تفرض شروطًا أو رسومًا أو قيودًا على التنازل، ما يجعل الحصول على موافقة المطور والتحقق من الالتزامات القائمة أمرًا أساسيًا قبل إتمام عملية البيع.
ويرى سويدة، أن النموذج يمكن أن يتطور إلى سوق ثانوية أكثر تنظيمًا إذا تجاوز مجرد عرض الوحدات وربط البائع بالمشتري، ليشمل التحقق من البيانات والموقف القانوني والتعاقدي، إلى جانب وجود آلية واضحة للتعامل مع المطور.
خطاب: تباطؤ السوق يقلل رغبة المطورين في استرداد الوحدات المتعثرة
وقال محمد خطاب، استشاري التطوير العقاري، إن الوحدات التي تم التعاقد عليها حتى عام 2022 وحتى النصف الأول من 2023 تقريبًا تمثل إحدى أبرز الفرص أمام المشترين، بسبب الفارق بين أسعار التعاقد وقتها والأسعار الحالية.
وأوضح أن المشتري الجديد قد يستفيد من هذا الفارق إذا حصل على التعاقد القديم بسعر أقل بوضوح من تكلفة شراء وحدة مماثلة حاليًا، لكن هذه الميزة لا تنطبق بالدرجة نفسها على العقود الحديثة.
أشار خطاب إلى أن إعادة بيع الوحدة المتعثرة تمثل في الأساس وسيلة للتخارج من الالتزام بالنسبة للعميل، وليس بالضرورة فرصة لتحقيق مكسب، إذ قد يكون هدف العميل هو تقليل خسائره أو تجنب إجراءات فسخ التعاقد واسترداد مستحقاته وفقًا لشروط العقد.
وأضاف أن حسابات المطور تجاه الوحدات المتعثرة تغيرت خلال الفترة الأخيرة؛ فبينما كان استرداد الوحدة وإعادة طرحها بسعر أعلى أكثر جاذبية خلال فترات الصعود السعري، أصبح الاحتفاظ بالتدفقات النقدية وتقليل عمليات رد مستحقات العملاء أكثر أهمية مع تباطؤ السوق.
وأوضح خطاب ، أن المطور قد يستفيد من إعادة إحلال مشترٍ جديد محل العميل المتعثر، لأنه يحافظ على تدفق الأقساط دون الحاجة إلى إعادة طرح الوحدة وتحمل تبعات استردادها، لكن ذلك يتوقف في النهاية على شروط التعاقد وموافقة الشركة.
وأكد أن جاذبية إعادة بيع الوحدات المتعثرة ترتبط أساسًا بحجم الفارق بين السعر القديم والسعر الحالي، بينما تقل الفائدة كلما اقترب سعر التعاقد من مستويات السوق الحالية.
خليل: إعادة البيع تنتقل من “الوسطاء” إلى نموذج رقمي أكثر اتساعًا
وقال عبدالرحمن خليل، مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، إن إعادة بيع الوحدات المتعثرة ليست ممارسة جديدة في السوق العقارية، وإنما الجديد هو انتقالها من معاملات فردية تتم عبر الوسطاء أو مجموعات العملاء إلى نموذج رقمي أكثر اتساعًا.
فالعملاء كانوا يلجأون بالفعل إلى الوسطاء أو شبكات العلاقات الخاصة بالمشروعات للعثور على مشترٍ يحل محل العميل المتعثر، وفق الإجراءات التي يحددها المطور.
أضاف أن أهمية النموذج الجديد تتمثل في تنظيم هذه الممارسة وتوسيع نطاق الوصول إلى المشترين، محذرا من التعامل مع كل وحدة متعثرة باعتبارها فرصة استثمارية تلقائيًا.
وأشار خليل إلى أن جزءًا من المشكلة يرتبط بقرارات شراء اتخذها بعض العملاء على أساس توقعات بتحقيق مكاسب سريعة من إعادة البيع، وهي استراتيجية لا تصلح بالضرورة لجميع المشروعات أو المناطق.
وتابع : “بعض المشترين دخلوا في التزامات تتجاوز قدرتهم على السداد حتى موعد الاستلام، ومع تغير الظروف الاقتصادية وارتفاع الالتزامات وتراجع القدرة الشرائية، أصبح استكمال الأقساط أكثر صعوبة بالنسبة إلى شريحة من العملاء”.
ويرى خليل أن إعادة بيع الوحدة قد توفر مخرجًا للعميل غير القادر على الاستمرار، وفي الوقت نفسه تسمح بدخول مشترٍ جديد أكثر قدرة على السداد، بما يحافظ على التدفقات المالية المرتبطة بالمشروع.
لكنه حذر من مقارنة الوحدة المتعثرة بالوحدة الجديدة التي يطرحها المطور اعتمادًا على السعر فقط، موضحًا أن اختلاف مرحلة المشروع ونسبة التنفيذ ونظام السداد وتوقيت الطرح قد يجعل المقارنة المباشرة مضللة.
سامي: يجب الاستعانة بمحامٍ للتأكد من صحة الإجراءات قبل الشراء
وقال أيمن سامي، مدير مكتب جي إل إل للاستشارات العقارية، إن السوق العقارية تشهد بصورة مستمرة البحث عن أفكار وآليات جديدة لاستغلال الفرص المتاحة، سواء من خلال المنصات أو شركات الوساطة والسماسرة، موضحًا أن العميل الباحث عن فرصة شراء يمكنه الوصول إليها عبر أكثر من قناة.
وأضاف أن ظهور منصات متخصصة في إعادة بيع الوحدات العقارية المتعثرة يمثل فكرة جديدة في السوق، في ظل بحث المتعاملين بصورة مستمرة عن آليات وفرص مختلفة للتعامل مع التحديات القائمة.
وأوضح سامي، أن العميل الراغب في شراء وحدة متعثرة يجب عليه في المقام الأول مراعاة طبيعة الطرف الذي سيشتري منه، سواء كان مطورًا عقاريًا أو فردًا، مع ضرورة مراجعة جميع المستندات والتأكد من سلامة الموقف القانوني للوحدة قبل إتمام عملية الشراء.
وشدد على أهمية الاستعانة بمحامٍ لمراجعة الأوراق والتأكد من صحة الإجراءات، إلى جانب دراسة سابقة أعمال المطور، خاصة أن قرار الشراء لا يرتبط فقط بالحصول على الوحدة، وإنما يمتد إلى قدرة المطور على استكمال المشروع وتسليمه وفقًا للمستهدفات.
ولفت إلى أن تشغيل المشروع بعد التسليم يمثل عاملًا مهمًا في قرار الشراء، إذ إن قيمة الوحدة لا تتحدد فقط بمرحلة الاستلام، ولكن كذلك بمستوى التشغيل والخدمات داخل المشروع بعد بدء استخدامه.
وتابع:” من الصعب الجزم حاليًا بمدى ظهور منصات أخرى تعمل بالنموذج نفسه، إلا أن طبيعة السوق تدفع المتعاملين باستمرار إلى البحث عن طرق مختلفة وأفكار جديدة للتعامل مع الفرص المتاحة”.
كما أن نجاح أي نموذج جديد يظل في النهاية مرتبطًا بتفاعل العرض والطلب، ومدى قدرة المنصة على تقديم فرص حقيقية تلبي احتياجات المشترين وتتماشى مع ظروف السوق.
العادلي: اتساع قاعدة المنصات الالكترونية قد يؤثر على نظرة المستثمرين للسوق
وقال رياض العادلي، رئيس مجلس إدارة شركة نكست دور للتسويق العقاري، إن منصات إعادة بيع الوحدات العقارية الخاصة بالعملاء المتعثرين تمثل محاولة لتحريك السوق وتنشيط التعاملات على نوع معين من العقارات، لكنها في الوقت نفسه قد تعكس وجود تحديات تتعلق بالسيولة والقدرة على الاستمرار في السداد لدى بعض العملاء.
أضاف أن الجانب غير الإيجابي لهذه المنصات يتمثل في خروج عدد من العملاء من السوق بعد الدخول في عمليات شراء دون دراسة كافية أو تحقيق عوائد، ما قد يعمق الصورة السلبية بشأن وجود تحديات في السوق العقارية، مؤكدًا أن الترويج لهذه المنصات باعتبارها وسيلة لإنقاذ العميل ليس الطرح الأفضل للسوق.
وأشار العادلي، إلى أن الهدف الأساسي يجب أن يكون إتاحة فرصة استثمارية حقيقية للمشتري الجديد، وليس تقديم الأمر باعتباره إنقاذًا لعميل متعثر، لأن التركيز على هذه الجزئية قد يعطي انطباعًا بأن السوق تعاني من حالة تعثر واسعة، وهو ما لا يصب في مصلحة القطاع أو جاذبيته الاستثمارية.
ولفت إلى أن انتشار الحديث عن العملاء المتعثرين والمنصات المتخصصة في إعادة بيع وحداتهم قد يؤثر على نظرة بعض المستثمرين، خاصة المستثمر الأجنبي، موضحًا أن المستثمر قد يتساءل عن طبيعة المخاطر المرتبطة بالسوق وقدرته على التخارج في حال تغيرت ظروف الاستثمار.
وتابع: “هذه المنصات يمكن أن تؤدي دورًا إيجابيًا في تحريك شريحة محددة من العقارات، طالما تم التعامل معها باعتبارها آلية لإعادة البيع وإتاحة فرص استثمارية، وليس باعتبارها مؤشرًا على إنقاذ المتعثرين”.
وأوضح أن أول ما يجب على المشتري التأكد منه هو أن العقد الأصلي بين العميل والمطور لا يزال ساريًا ولم يتم فسخه، خاصة أن بعض حالات التعثر قد تكون وصلت إلى مرحلة فسخ التعاقد أو النزاع والتقاضي بين العميل والمطور.
أضاف أن شراء وحدة مرتبطة بعقد محل نزاع قد يضع المشتري الجديد أمام مشكلات قانونية يصعب التعامل معها لاحقًا، لذلك يجب التأكد من سلامة الموقف القانوني للوحدة والعقد قبل اتخاذ قرار الشراء.
وتوقع العادلي أن تحصل ظاهرة منصات إعادة بيع وحدات المتعثرين على زخم خلال الفترة الحالية، لكنها لن تستمر لفترات طويلة، مرجحًا تراجعها مع حدوث تصحيح في السوق وتحسن أوضاع السيولة.
أضاف أن العقار الجيد، عندما يكون سعره مناسبًا وتكون شروطه وموقفه القانوني واضحين، يستطيع جذب المشترين وتحقيق عائد لصاحبه، وبالتالي تقل احتمالات اضطراره للتخارج بسبب التعثر.
أكد العادلي، أن نجاح أي منصة لإعادة بيع الوحدات لا يرتبط فقط بقدرتها على توفير وحدات بأسعار أقل، وإنما بمدى قدرتها على تقديم فرص حقيقية للمشتري، مع ضمان وضوح الموقف القانوني للعقود والتأكد من أن السعر يعكس بالفعل ميزة استثمارية مقارنة بالشراء المباشر من المطور.
وفي النهاية، تبدو منصات إعادة بيع الوحدات المتعثرة أمام اختبار مزدوج؛ فهي من ناحية قد توفر قناة جديدة لإعادة تدوير السيولة والحفاظ على التدفقات المالية للمشروعات، ومن ناحية أخرى قد تنقل مخاطر التعثر من مشترٍ إلى آخر إذا لم تكن الفروق السعرية والمراكز القانونية والقدرة على السداد واضحة.
ومن ثم، فإن تحول هذه المنصات إلى سوق ثانوية حقيقية لن يتوقف فقط على زيادة عدد الوحدات المعروضة، وإنما على قدرتها على بناء آلية أكثر شفافية للتحقق من العقود والأسعار ونسب التنفيذ والتزامات المشترين، بما يحولها من مجرد منفذ للتخارج إلى قناة منظمة للتداول العقاري.







