أعادت حرائق عدد من المولات والمنشآت التجارية خلال الفترة الأخيرة، تسليط الضوء على أحد الجوانب الأقل وضوحًا في منظومة السلامة، وهو تصميم وتنفيذ الواجهات الخارجية، في ظل التوسع في استخدام خامات وأنظمة حديثة تجمع بين الشكل الجمالي وخفة الوزن وسرعة التنفيذ.
ولا تمثل الواجهة في حد ذاتها سببًا مباشرًا لاندلاع الحريق، إلا أن بعض الخامات أو أنظمة التركيب غير المطابقة للمواصفات، إلى جانب وجود تجاويف خلف الكسوة أو استبدال المواد أثناء التنفيذ، قد تسهم في تسريع انتشار النيران رأسيًا بين الأدوار.
سويدة: الفروق السعرية بين المنتجات قد تعكس اختلافات حقيقية في الجودة
قال وليد سويدة، رئيس لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن الواجهة المعمارية لا تقتصر على كونها عنصرًا جماليًا بالمبنى، وإنما تمثل نظامًا متكاملًا من الطبقات والمكونات، موضحًا أن اختيار أو تنفيذ نظام الواجهة بصورة غير سليمة قد يحولها إلى عامل يساعد على سرعة انتشار الحريق.
فبعض أنظمة الواجهات الحديثة، ومنها الواجهات التي تحتوي على تجاويف، قد تسمح بانتقال الحريق رأسيًا بين الأدوار حال عدم وجود حواجز حريق مناسبة داخل هذه الفراغات.
أضاف أن الفراغ الموجود خلف الكسوة يمكن أن يعمل كمسار رأسي للهواء الساخن واللهب، ما يؤكد أهمية استخدام حواجز الحريق والـ«Fire Stops» وفق التصميم المعتمد.
وأوضح سويدة، أن من بين الاختبارات المستخدمة دوليًا لتقييم أداء بعض أنظمة الحوائط الخارجية في مواجهة انتشار الحريق، اختبار NFPA 285، الذي يستهدف تقييم انتشار الحريق في تجميعات الحوائط الخارجية التي تتضمن مكونات قابلة للاحتراق.
ولفت إلى أن استخدام ألواح الألومنيوم المركب والمحشوة بطبقة عازلة من البولي إيثيلين، المعروفة بـ”الكلادينج” قد يكون مناسبًا من الناحية الفنية، لكن استخدامه مع عازل قابل للاحتراق أو وجود تجويف غير مقسم أو تنفيذ غير سليم للتفاصيل المحيطة بالنوافذ والأدوار قد يزيد من مخاطر انتشار الحريق.
وأشار سويدة إلى أن نتائج الاختبارات والدراسات التي أجريت عقب حريق «جرينفيل» في لندن أظهرت فروقًا جوهرية بين تركيبات وأنظمة الواجهات المختلفة، وأن أداء النظام يتأثر بنوع القلب الداخلي والعازل وطريقة تركيب الواجهة بالكامل.
أضاف أن مطابقة خامة الواجهة للمواصفات لا تعني تلقائيًا أن نظام الواجهة بالكامل آمن، موضحًا أن تفاصيل التثبيت والعزل والوصلات والتجاويف ومحيط الفتحات وحواجز الحريق والـ«Fire Stops» جميعها تؤثر على الأداء الفعلي للنظام أثناء الحريق.
وأكد أن اختبار الخامة منفردة يظل مهمًا، لكن اختبار النظام الكامل يصبح أكثر أهمية في المباني المرتفعة والمولات والمباني ذات الكثافة العالية من حيث الإشغال، إذ قد تنجح المادة عند اختبارها منفردة، بينما تتصرف توليفة المادة والعازل والتجويف وطريقة التثبيت بصورة مختلفة عند تعرضها للحريق.
وحذر سويدة، من التعامل مع الواجهة باعتبارها بندًا جماليًا يمكن خفض تكلفته دون النظر إلى مواصفات السلامة، موضحًا أن الفروق السعرية بين المنتجات قد تعكس اختلافات حقيقية في مواد القلب الداخلي أو العزل أو شهادات الاختبار.
وأوضح أن أي كود يحتاج إلى مراجعة دورية لمواكبة تطور المواد والأنظمة المستخدمة في المباني، مشيرًا إلى أن الاتجاه العالمي بعد عدد من حرائق الواجهات الكبرى أصبح أكثر تركيزًا على تقييم منظومة الواجهة بالكامل، وليس تصنيف المواد منفردة، خصوصًا في الأبراج والمباني عالية الكثافة والإشغال.
وشدد على أن التطبيق والرقابة والفحص أثناء التنفيذ لا تقل أهمية عن نصوص الكود نفسها، مؤكدًا أهمية التأكد من تنفيذ النظام المعتمد فعليًا وعدم استبدال الخامات أو تغيير تفاصيل التركيب دون مراجعة واعتماد فني.
واقترح أن يكون من أهم الإجراءات في المباني المرتفعة والمولات، اشتراط اختبار واعتماد نظام الواجهة بالكامل وفق صورته النهائية التي سيتم تنفيذها فعليًا، مع منع أي استبدال للخامات أو تغيير في تفاصيل التركيب دون إعادة المراجعة والاعتماد الفني.
كما دعا إلى توثيق تنفيذ الـ«Fire Stops» وحواجز التجاويف «Cavity Barriers» خلال مراحل التنفيذ بالصور، وإجراء الفحوص اللازمة قبل إغلاق الواجهة، بما يضمن مطابقة التنفيذ للنظام المعتمد.
أبوالعزم: بعض أنظمة الواجهات المعمارية قد تتحول إلى عامل مساعد للحريق
وقال فهد أبوالعزم، نائب رئيس مجلس إدارة «الدولية للاستشارات الهندسية»، إن بعض أنظمة الواجهات المعمارية قد تتحول من عنصر جمالي إلى عامل مساعد على انتشار الحريق حال استخدام خامات غير مطابقة للمواصفات أو منخفضة الجودة.
وأوضح أن جانبًا من الواجهات الحديثة يعتمد على ألواح الألومنيوم المركبة (ACM)، التي تختلف درجة مقاومتها للحريق بحسب تركيبها ومواصفاتها.
وبعض المطورين قد يتجهون إلى استخدام خامات أقل تكلفة نظرًا لانخفاض أسعارها مقارنة ببدائل أخرى، إلى جانب الشكل الجمالي وسهولة التنفيذ، إلا أن استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات أو منخفضة الجودة قد يزيد من مخاطر الاشتعال وسرعة انتشار الحريق.
ولفت أبوالعزم، إلى أن بعض أنظمة الواجهات التقليدية قد تكون أقل قابلية للمساهمة في انتشار الحريق مقارنة ببعض الأنظمة الحديثة حال تنفيذها وفق المواصفات، إلا أن مستوى الأمان يرتبط في الأساس بنوع النظام المستخدم ومواصفاته وطريقة تنفيذه.
وأشار إلى أن اشتراطات الكود المصري للحريق المتعلقة بالواجهات تحتاج إلى مزيد من التطوير لمواكبة تطور تصميمات المباني والخامات المستخدمة، مطالبًا بإجراء عمليات اختيار واختبار للخامات والأنظمة الحديثة قبل السماح باستخدامها في المشروعات العقارية.
وطالب أبوالعزم ، بتوفير أنظمة مكافحة حريق مناسبة للمباني، بما في ذلك أنظمة الإطفاء والرشاشات «Sprinklers»، بما يتيح التدخل السريع حال نشوب حريق.
وكشف أن الفارق بين تكلفة خامات الواجهات الجيدة والأخرى منخفضة الجودة يتراوح بين 35% و45%، موضحًا أن هذا الفارق يظهر بشكل خاص في تكلفة استخدام ألواح الألومنيوم المركبة.
وحذر من أن السعي إلى خفض تكلفة الواجهة من خلال اختيار خامات أقل جودة قد يترتب عليه مخاطر أكبر على سلامة المبنى، مؤكدًا أن السلامة يجب أن تكون أحد المعايير الأساسية عند اختيار خامات الواجهات، وليس السعر والشكل الجمالي فقط.
القاضي: نحتاج إلزامًا قانونيًا وليس الاعتماد على قرارات المالك فقط
وقال محمد القاضي، عضو لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن بعض مخاطر الواجهات لا ترتبط بالكسوة الخارجية فقط، وإنما قد تنتج أيضًا عن استبدال الخامات الموصى بها أثناء التنفيذ ببدائل أقل تكلفة.
أضاف أن الاستشاريين يحرصون في التصميمات على وصف خامات ذات مواصفات مناسبة لمقاومة الحريق، إلا أن المشكلة قد تظهر خلال التنفيذ نتيجة استبدالها بخامات أخرى بهدف تقليل التكلفة، مؤكدًا أن الخامة المستخدمة في الواجهة تمثل أحد عوامل السلامة المهمة في مواجهة الحرائق.
وأوضح القاضي، أن مخاطر الحرائق في الواجهات قد ترتبط أيضًا بالتوصيلات الكهربائية والإضاءة الخارجية والكابلات المستخدمة في الواجهات، خاصة في حال استخدام كابلات غير مطابقة للمواصفات أو أقل من الأحمال المطلوبة.
وأكد أن خامات “الكلادينج” ليست على درجة واحدة من الأمان، إذ تختلف وفقًا للمواصفات ودرجة مقاومتها للحريق، مشددًا على ضرورة الالتزام بالخامات المطابقة للمواصفات وعدم استبدالها بمنتجات أقل تكلفة على حساب السلامة.
ولفت القاضي، إلى أن المنظومة الداخلية للحماية من الحريق تخضع لاشتراطات ورقابة، إلا أن هناك حاجة إلى مزيد من التشديد على الواجهات الخارجية، خاصة فيما يتعلق بنوعية الخامات والتوصيلات الكهربائية والإضاءة الخارجية.
وطالب بتشديد الاشتراطات الخاصة بالواجهات بحيث تنص بصورة واضحة على استخدام مواد ذات مواصفات مناسبة لمقاومة الحريق، إلى جانب وضع مواصفات محددة للكابلات والإضاءة الخارجية المستخدمة في الواجهات، والتأكد من الالتزام بها من خلال التفتيش.
وأكد أن معالجة مخاطر الواجهات تحتاج إلى إلزام قانوني ورقابة فعلية، وليس الاعتماد على قرارات المالك أو المطور فقط، لأن خفض تكلفة بعض الخامات قد يبدو محدودًا مقارنة بإجمالي تكلفة المشروع، لكنه قد يؤدي إلى خسائر كبيرة حال تسبب في انتشار الحريق.







