%94 تراجعًا في حركة الحاويات مع بقاء 11 خدمة نشطة فقط من أصل 99
منذ أكثر من شهر، يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأكيده أن مضيق هرمز بات مفتوحاً، وأن الألغام أزيلت من مياهه، وأن الولايات المتحدة أصبحت “تسيطر” على هذا الممر البحري الحيوي، رغم استمرار الضربات المتبادلة مع إيران.
وأكدت إدارة ترامب، مراراً أن الولايات المتحدة تؤمّن عبور ناقلات محملة بملايين البراميل من النفط الخام عبر المضيق.
لكن تركيز ترامب على تدفقات النفط لا يعكس الصورة الكاملة، إذ لا يزال مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة العديد من السلع الأخرى.
ومنذ أشهر، تتحمل الشركات تكاليف باهظة بحثاً عن مسارات بديلة للالتفاف على المضيق، الذي تحول إلى ساحة رئيسية للمواجهة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
ولا تقتصر أهمية الخليج على كونه أحد أبرز مصادر النفط عالمياً، بل يمثل أيضاً مورداً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال والوقود المكرر والبتروكيماويات والمواد الأولية المستخدمة في صناعة الأسمدة والهيليوم.
ومنذ اندلاع الحرب، لم تتمكن قطر، ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلا من تصدير كميات ضئيلة من الغاز.
وفي الوقت الذي واصلت فيه بعض ناقلات النفط عبور مضيق هرمز ذهاباً وإياباً تحت غطاء جوي أمريكي، انكمشت حركة أنواع أخرى من السفن إلى مستويات متدنية للغاية، إذ لا تكفي العائدات التي تحققها، مقارنة بالأرباح الأعلى بكثير للناقلات، لتعويض مخاطر الإبحار عبر المضيق.
وفي بعض الرحلات من الشرق الأوسط، قفزت عائدات ناقلات النفط العملاقة إلى مستويات قياسية بلغت مليون دولار يومياً، بينما ظلت إيرادات سفن الشحن السائب عند عشرات الآلاف من الدولارات فقط.
وتتصدر سفن الحاويات قائمة السفن الأكثر تجنباً للمخاطر في ظل اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز.
فقد هبط عدد سفن الحاويات التي أبحرت إلى الخليج بين الأول من مارس و7 سبتمبر من العام الحالي إلى 240 سفينة فقط، بانخفاض يقارب 94% مقارنة مع 4198 سفينة خلال الفترة نفسها قبل عام، وفقاً لشركة تحليلات الشحن البحري “زينيتا”.
قبل اندلاع الأزمة، كانت 99 خدمة للحاويات تعمل داخل الخليج أو تعبر إلى موانئه، بما يعادل نحو 10% من أسطول الحاويات العالمي.
لكن هذا العدد تقلص بصورة حادة، إذ لم يتبقَ في الخدمة سوى 11 خطاً نشطاً، يعمل 10 منها بين موانئ داخل الخليج، فيما خُصص الخط الأخير للربط بين إيران والصين.
وامتد التراجع إلى صادرات السلع الحيوية عبر مضيق هرمز.
ففي يناير، عبر المضيق نحو 2.93 مليون طن من الحجر الجيري، إلى جانب 1.45 مليون طن من الكبريت، و1.1 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، و1.74 مليون طن من الذرة، بحسب بيانات منصة السلع “كبلر”.
وبحلول أغسطس، تلاشت شحنات الحجر الجيري تماماً، بينما انخفضت صادرات الكبريت إلى 120 ألف طن، والأسمدة النيتروجينية إلى 340 ألف طن، والذرة إلى 310 آلاف طن.
وتشمل هذه البيانات حركة سفن الشحن السائب الجاف المتجهة من إيران وإليها.
ورغم أن دول الخليج لم تشهد حتى الآن نقصاً حاداً في السلع، فإن آثار اضطرابات الشحن بدأت تظهر في الأسواق، مع اختفاء بعض العلامات التجارية من أرفف المتاجر.
فقد قال أحد متاجر المستلزمات الرياضية إن مخزونه من خوذات ركوب الدراجات للأطفال نفد، في حين واجه تجار السيارات صعوبات في إدخال الطرازات الجديدة، واختفت بعض أنواع المشروبات من المتاجر، بالتزامن مع ارتفاع التكاليف على الشركات والمستهلكين.
وقال مسؤول خليجي: “ما يفعله الأمريكيون الآن غير قابل للاستمرار على المدى الطويل .. التركيز ينصب فقط على إخراج النفط والغاز، وليس على إدخال الشحنات والسلع، وفي النهاية هناك حدود لما يمكن الاستمرار في تحمله”.
وأضاف: “نحن ندفع الآن ثلاثة أمثال سعر الأرز مقارنة بما قبل الحرب، لأننا نضطر إلى نقله براً. قد يكون ذلك مقبولاً في الوقت الراهن، لكنه ليس حلاً يمكن استدامته على المدى الطويل، لا بالنسبة للخليج ولا بالنسبة للأمريكيين”.
وقال جيسون توفي، خبير اقتصاد الشرق الأوسط لدى “كابيتال إيكونوميكس”، إن الضغوط المتزايدة على الإمدادات ستفرض عبئاً إضافياً على الموازنات العامة لدول الخليج، مضيفاً أن هذه الدول “قدمت بالفعل دعماً مالياً لتخفيف تداعيات اضطرابات الإمدادات، كما أبقت معظمها، باستثناء الإمارات، أسعار الوقود المحلية مستقرة”.
وتابع: “كل ذلك يأتي بتكلفة مالية، في وقت تتعرض فيه دول مثل قطر والكويت والبحرين لضربة كبيرة في إيراداتها”، مشيراً إلى أن السعودية ستحتاج على الأرجح إلى مواصلة تقليص الإنفاق.
تواجه شركات الشحن موجة جديدة من الاضطرابات، بعدما شدد الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن هذا الشهر قبضتهم على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة.
وتبرز أزمة ميناء جبل علي، الواقع على الساحل الشمالي لدبي، كإحدى أبرز تداعيات الوضع الراهن. فالميناء، الذي يُعد أكبر مركز للشحن في المنطقة بفارق كبير، أصبح فعلياً معزولاً عن البحر نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
وقبل اندلاع الحرب، كان جبل علي يتعامل مع نحو 40 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدماً يومياً، وفقاً لـ”لويدز ليست”، ما وضعه في المرتبة التاسعة بين أكثر موانئ العالم ازدحاماً.
وكانت السفن القادمة من الشرق والغرب ترسو في جبل علي، قبل أن تُعاد مناولة الشحنات المتجهة إلى الدول المجاورة للإمارات وتحميلها على سفن أصغر لاستكمال رحلتها.
لكن مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح ميناء خورفكان المنفذ الرئيسي في الإمارات للشحنات العابرة خارج المضيق، رغم أن قدراته التشغيلية تقل كثيراً عن جبل علي.
ويضم خورفكان ستة أرصفة و18 رافعة رصيف فقط، مقارنة بـ27 رصيفاً و120 رافعة في جبل علي.
وأدى تدفق الشحنات إلى خورفكان إلى ضغوط كبيرة على طاقته الاستيعابية، ما جعل الميناء يواجه صعوبة متزايدة في استيعاب الأحجام المحولة إليه.
وقال ديفيد: “كانت لدي حاويات تُركت في موندرا، واضطررت بعد ذلك إلى الانتظار على أمل الحصول على تأكيد بأنها ستُنقل على متن السفينة التالية. الأمر يتوقف ببساطة على توافر السعة”.
في المقابل، لجأت شركات أخرى إلى نقل البضائع براً بالشاحنات من الموانئ العمانية، أو من جدة، أو عبر ساحل البحر الأحمر في السعودية.
كما بدأت حكومات خليجية نقل السلع التي تعتبرها ذات أولوية جواً.
انعكست هذه التحولات إيجاباً على موانئ سلطنة عمان الواقعة خارج مضيق هرمز، إذ قفزت أحجام الشحنات عبرها 69% هذا العام.
كما ارتفعت حركة شاحنات العبور بنحو ثلاثة أمثال إلى 116 ألفاً و88 شاحنة حتى الآن في 2026، مقارنة بالعام السابق، بحسب بيانات رسمية عمانية.
أما الشركات العاملة في قطر والبحرين والكويت، فلا تملك سوى خيارات محدودة تتمثل في نقل البضائع بالشاحنات أو جواً، نظراً إلى وقوع موانئ هذه الدول داخل الخليج، على الجانب المعزول بسبب إغلاق مضيق هرمز.
من جانبه، قال فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن الدنماركية “ميرسك”: “في دول مثل قطر، تتمثل الطريقة التي نخدمها بها حالياً في نقل الشحنة إلى جدة، ثم شحنها براً إلى الدمام، وبعدها تحميلها على سفينة متجهة إلى قطر. وهذه أسرع وسيلة متاحة لإيصالها”.
وقالت شركة الشحن الألمانية “هاباج لويد” إن ما يُعرف باسم “الجسر البري” يضيف ما بين 7 و10 أيام إلى زمن الرحلة، فضلاً عن حاجته إلى “بنية تحتية إضافية كبيرة ومستوى أعلى من التنسيق”، مضيفة أن أزمة الخليج تكبدها تكاليف إضافية تصل إلى 50 مليون دولار أسبوعياً.
يمثل تعويض الكميات الضخمة التي تنقلها سفن الحاويات باستخدام الشاحنات والطائرات تحدياً لوجستياً بالغ الصعوبة.
وقال توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في “دي إتش إل جلوبال فورواردينج”، إن نقل حمولة تعادل سفينة واحدة تحمل 20 ألف حاوية بطول 20 قدماً يحتاج إلى نحو 10 آلاف شاحنة، مضيفاً أن طائرة “بوينج 777” تستطيع عادة نقل نحو 100 طن من البضائع، أي ما يعادل حمولة خمس حاويات فقط بطول 20 قدماً.
وتابع: “لذلك، إذا أردت تعويض سفينة واحدة تحمل 20 ألف حاوية بطول 20 قدماً، فستحتاج إلى 4 آلاف رحلة جوية. إنها ببساطة مسألة حسابية”.
لا تقتصر المشكلة على ارتفاع تكاليف النقل، إذ تفرض الرحلات الأطول تحديات إضافية على سلاسل الإمداد.
ويعتمد عملاء شركة “يوروباستري”، المتخصصة في إنتاج المخبوزات المجمدة، على مزيج من السفن والشاحنات لنقل منتجات الشركة من أوروبا إلى الإمارات.
وقالت دوفيلي فيلكيني، المديرة العامة للمجموعة في الشرق الأوسط، إن طرق التجارة البديلة أصبحت “مسارات راسخة حديثاً”، لكنها أشارت إلى أن فترات التسليم الطويلة تظل تحدياً رئيسياً.
وأوضحت أن “الرحلات تستغرق الآن ثلاثة أو أربعة أسابيع إضافية مقارنة بالسابق. كما نواجه مشكلات تتعلق بفترات صلاحية السلع عند وصولها، بسبب عدم القدرة على التحكم في المسارات والتأخيرات أثناء التفريغ. وفي الوقت نفسه، ترتفع تكاليف التصنيع والمواد الخام”.
وأضافت أن “العملاء هنا لا يرغبون في تحمل زيادات الأسعار”، في وقت تواجه فيه الشركات نفسها ارتفاعاً واسعاً في التكاليف بسبب الحرب.
كذلك، قال سكوت ليفرمور، كبير الاقتصاديين لدى “أكسفورد إيكونوميكس الشرق الأوسط”، إن الغذاء يقع في صميم التداعيات التضخمية للأزمة، موضحاً أن أسعار المواد الغذائية “شديدة الحساسية لاضطرابات التجارة، في وقت بدأ المنتجون بالفعل الإبلاغ عن ارتفاع تكاليف المدخلات”، مضيفاً أن هذا المسار يتأثر بصورة كبيرة بحركة الشحن البحري.
وفي محاولة لتقليص تعرض اقتصاد الإمارات لمخاطر مضيق هرمز، تخطط شركة “موانئ دبي العالمية”، المشغلة لميناء جبل علي، لإنشاء محطتين مينائيتين جديدتين في الفجيرة على ساحل خليج عمان.
ومن المقرر أن تستغرق أعمال إنشاء المحطتين نحو عامين، فيما ستبلغ طاقتهما الاستيعابية مجتمعة نحو نصف الطاقة الحالية لجبل علي في مناولة البضائع العامة.
وقال أحد رجال الأعمال البريطانين إن دبي لا تزال مركزه المفضل لممارسة الأعمال، معتبراً أن الموانئ الجديدة المخطط لها في الفجيرة يمكن أن تساعد في تخفيف اختناقات الشحن التي تواجهها الإمارات.
لكنه أضاف، أنه حتى تدخل هذه المشروعات الخدمة، وطالما ظلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز مقيدة، “فإننا سنمارس حتماً أعمالاً أقل هنا”.







