حاولت وول ستريت طوال أسابيع التأقلم مع موجة البيع الحادة التي اجتاحت سوق السندات. وحملت الجمعة بعض الارتياح، لكنه سرعان ما تبدد، فيما انكشف حجم الضرر الذي قد يلحق بمختلف استراتيجيات الاستثمار إذا ظلت العوائد مرتفعة بعناد.
منح تقرير الوظائف -الذي جاءت بياناته أضعف بكثير من المتوقع- الأسواق متنفساً قصيراً، فارتفعت الأسهم وتراجعت عوائد سندات الخزانة بعدما قلّص المتعاملون رهاناتهم على رفع جديد لأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي. لكن انتعاش السندات لم يدم طويلاً، ليجد المستثمرون أنفسهم أمام سؤال أقل إثارة، لكنه قد يكون أشد تأثيراً في عصر العوائد البالغة 5%: ماذا لو ظلت تكاليف الاقتراض مرتفعة؟
الذكاء الاصطناعي يحجب ضغوط الفائدة المرتفعة
هناك بالفعل الكثير من المؤشرات على ما يعنيه بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة. فسوق الإسكان لا تزال عالقة في حالة من الجمود، والائتمان الاستهلاكي بات أكثر كلفة، فيما يدفع المقترضون الأضعف مالياً ثمناً باهظاً للحصول على التمويل.
لكن يصعب تلمّس هذه الضغوط من أداء مؤشرات الأسهم الرئيسية، التي ظلت قرب مستويات قياسية بدعم من الأرباح القوية والإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.
وقال براد كونغر، كبير مسؤولي الاستثمار في “هيرتل آند كو” (Hirtle & Co): “هناك فجوة هائلة بين الاقتصاد الفعلي من جهة، والذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي من جهة أخرى”.
لكن صورة السوق الكامنة خلف المؤشرات تبدو أقرب إلى واقع الاقتصاد الذي يصفه كونغر.
فقد بات صعود الأسهم يتركز في عدد أقل من الشركات، بينما تراجعت أسهم البنوك والشركات الصناعية والمرافق، في وقت تواصل شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة دعم الجزء الأكبر من مكاسب السوق.
وبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات نحو 5.27% في أواخر تعاملات الجمعة. ورغم مكاسب الجلسة، أنهى مؤشر “إس آند بي 500” الأسبوع متراجعاً 0.3%، بينما ارتفع مؤشر “ناسداك 100″، الذي تهيمن عليه أسهم التكنولوجيا، 0.7%.
وقال كونغر: “لا أعتقد أن هناك نقطة فاصلة ينهار عندها كل شيء دفعة واحدة، لكننا وصلنا إلى مستويات بدأت عندها قطاعات بعينها تشعر بالضغط”، مشيراً إلى الإسكان والسيارات والإقراض الاستهلاكي وبطاقات الائتمان.
المستثمرون يتكيفون مع عصر العوائد المرتفعة
في المقابل، نانسي تنغلر من “لافر تنغلر إنفستمنتس” (Laffer Tengler Investments) متفائلة نسبياً.
وقالت: “أحياناً ترتفع العوائد للأسباب الصحيحة”، مضيفة أنه إذا كان بإمكان الشركات الاقتراض بفائدة 5% وتحقيق عوائد تتراوح بين 15% و20%، “فعليها أن تفعل ذلك طوال الوقت”. وعززت تنغلر استثماراتها في “إنفيديا” (Nvidia) و”مايكرون تكنولوجي” (Micron Technology) و”ميتا بلاتفورمز” (Meta Platforms)، إلى جانب “جي إي فيرنوفا” (GE Vernova) و”إيتون” (Eaton) و”كوانتا سيرفيسز” (Quanta Services).
وبدأت الأموال تتحرك. فقد استحوذت صناديق المؤشرات المتداولة للسندات على 42% من إجمالي التدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة في سبتمبر، في أعلى حصة منذ أكثر من عام، وفقاً لـ”بلومبرج إنتليجنس”.
وفي “بي إم أو ويلث مانجمنت” (BMO Wealth Management)، خفّضت كارول شلايف مؤخراً إلى النصف حجم مخصصاتها المنخفضة لسندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية، مع إبقاء مخصصاتها لأسهم النمو الأمريكية عالية الجودة فوق الوزن النسبي في المؤشر.
قال مايكل ألفارو الذي يدير “جالو بارتنرز” (Gallo Partners)، وهو صندوق تحوط يركز على قطاعي الطاقة والصناعة، إن المستثمرين يتجاوزون في نظرتهم مستويات الفائدة المرتفعة حالياً، ويركزون على احتمال أن يؤدي ضعف بيانات الوظائف وتراجع ضغوط الطاقة إلى تهدئة التضخم. وهذا ما يساعد في تفسير استمرار صعود الأسهم رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويشير ألفارو أيضاً إلى الوجه الآخر للاقتصاد ذي المسارين، حيث يشهد إنفاق القطاع الخاص على مراكز البيانات طفرة هائلة لا تظهر مؤشرات تُذكر على التباطؤ. ولا يزال متفائلاً حيال شركات مختارة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وصناعة الطيران والفضاء.
وبينما ينصب اهتمام مستثمري الأسهم عادة على سرعة ارتفاع العوائد، فإن ما يهم الاقتصاد في نهاية المطاف هو المستوى الذي تستقر عنده.
لماذا لم يظهر أثر العوائد المرتفعة بعد؟
قد تستغرق تداعيات ارتفاع العوائد بعض الوقت قبل أن تتضح بالكامل.
فمعظم أصحاب المنازل في الولايات المتحدة لديهم قروض عقارية بأسعار فائدة ثابتة يبلغ متوسطها نحو 4%، وفقاً لماكس غوخمان من “فرانكلين تمبلتون إنفستمنت سوليوشنز” (Franklin Templeton Investment Solutions)، ما يعزل المقترضين الحاليين عن القفزة في أسعار الفائدة على القروض العقارية الجديدة. كما أن الشركات لديها هامش من الوقت قبل أن تتأثر، إذ لا يحل أجل استحقاق سوى نحو 13% من ديون الشركات الأمريكية غير المالية في 2027، أو ما يقارب 570 مليار دولار.
وقال غوخمان: “لذلك، لن تبدأ العوائد المرتفعة بإحداث تأثير قوي إلا إذا استمرت عند هذه المستويات لفترة طويلة جداً”. ويفضّل غوخمان الرهانات على السندات الأطول أجلاً، فيما يبدي حماساً أقل تجاه الائتمان.
حتى موجة الاقتراض المرتقبة لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر قدرة من المعتاد على تحمّل أسعار الفائدة المرتفعة. ويتوقع غوخمان إصدارات ديون بنحو 300 مليار دولار من شركات الحوسبة السحابية العملاقة وغيرها من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن العديد منها يتمتع بتصنيف ائتماني من الدرجة الاستثمارية وقاعدة رأسمالية قوية، كما أنها أقل حساسية لتكلفة الاقتراض في خضم سباقها لتوسيع قدراتها.
تضخم مرتفع ونمو ضعيف.. السيناريو الأخطر
لذلك، تبقى المسألة الأساسية هي المدة التي ستظل فيها أسعار الفائدة عند هذه المستويات المرتفعة.
وقال غوخمان: “الفائدة عند 5% ليست القشة التي ستقصم ظهر البعير، لكنها عبء ثقيل آخر يُضاف إلى كاهله المنهك، وإذا لم تُخفف بعض هذه الأعباء، يصبح انهياره مجرد مسألة وقت”. وأضاف: “بدأنا نلمس بالفعل الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد في أحدث بيانات الوظائف ومؤشرات المعنويات”.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو أن يظل التضخم مرتفعاً بما يبقي العوائد عند مستويات عالية، بالتزامن مع بدء تباطؤ النمو. ويحذر غوخمان خصوصاً من أن تؤدي حرب إيران إلى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، ما دفعه وفريقه إلى زيادة مخصصات السلع في محافظهم للتحوط من هذا الاحتمال.
وقال: “عندها، قد تتعثر الأسهم وأدوات الدخل الثابت معاً، في سيناريو شبيه بما حدث في 2022، بينما تصبح السلع الملاذ الآمن الوحيد”.







