يزداد المشككون فى طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تمسكاً بمواقفهم.
فقد حذر الملياردير راي داليو، الأسبوع الماضي، من أن الفقاعة باتت قريبة من الانفجار، فيما قرّب مايكل بوري الذي اشتهر بقصة “ذا بيج شورت”، الموعد المتوقع لتحقق توقعاته المتشائمة بشأن السوق.
ولن تؤدي محاولة ماسايوشي سون، مؤسس مجموعة “سوفت بنك”، إنشاء صندوق آخر لرأس المال الجريء بقيمة 100 مليار دولار يركز على الذكاء الاصطناعي، إلا إلى منح المشككين المزيد من الحجج التى تدعم موقفهم.
يسعى “سون” إلى جمع ما يصل إلى 100 مليار دولار من دول الخليج.
وذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز”، أنه يعتزم استخدام الأموال لإنشاء صندوق يستحوذ على شركات ويستخدم الذكاء الاصطناعي وتقنيات متقدمة أخرى لإحداث تحوّل في عملياتها التشغيلية.
صندوق رؤية
لن يكون إقناع المستثمرين بهذه الفكرة سهلاً، فالمستثمرين فى منطقة الخليج يعرفون جيداً سجل أداء “صندوق رؤية” الأول التابع لـ”سوفت بنك”، والبالغة قيمته 100 مليار دولار.
تأسس الصندوق في 2017 بدعم كبير من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة “مبادلة للاستثمار” الإماراتية.
وأعقب ذلك عدد من الإخفاقات البارزة، من بينها تعثر طرح شركة “وي ورك” للاكتتاب العام في 2019، وانهيار شركة “جرينسيل” الناشئة لتمويل التجارة في 2021.
ومنذ تأسيسه وحتى نهاية يونيو، حقق الصندوق مكاسب دفترية بلغت 26.6 مليار دولار، وهو عائد يصعب وصفه بالمتميز بعد ما يقرب من عقد من الاستثمار.
إن استعداد سون للعودة إلى الشرق الأوسط والمخاطرة بخوض مفاوضات صعبة، مع احتمال رفض طلبه، يسلط الضوء على مشكلة أكبر.
فحتى “سوفت بنك” التي تُعدّ من أشد المؤمنين بإمكانات الذكاء الاصطناعي، تواجه صعوبة في تحقيق عوائد نقدية من استثماراتها.
لم تعد أسواق الأسهم العامة مستعدة لقبول التقييمات المرتفعة للغاية.
ولن تطرح شركة “أوبن ايه أي” التي ضخ فيها سون 65 مليار دولار، أسهمها للاكتتاب العام خلال العام الجاري.
كما أجلت شركة “إس بي إنرجي”، التابعة للمجموعة والتي تعمل على مشروع في ولاية أوهايو لإنشاء ما سيكون أكبر مركز بيانات في العالم، طرح أسهمها للاكتتاب العام، بعدما رفض المستثمرون التقييم البالغ 50 مليار دولار الذي سعى إليه المصرفيون المكلفون بالطرح.
وباتت خيارات التخارج من هذه الشركات الناشئة العملاقة التي تتجاوز قيمة كل منها مليار دولار، أكثر محدودية.
مخاطر الذكاء الاصطناعى
في الوقت نفسه، ومع ارتفاع عوائد السندات العالمية، يعيد الدائنون تسعير المخاطر، لاسيما تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعى.
وتدفع “سوفت بنك” عوائد قياسية على سنداتها عالية المخاطر، كما وافقت على ضمان قرض بالهامش بقيمة 10 مليارات دولار، مدعوم بأسهم في “أوبن إيه آي”، وهي ميزة غير معتادة بالنظر إلى أن القرض مضمون بالفعل بأصول مرهونة.
ومع تعرض ميزانيتها العمومية لضغوط كبيرة، استنفدت “سوفت بنك” إلى حد بعيد إمكانات التمويل التقليدي، وباتت تلجأ بصورة متزايدة إلى خيارات التمويل المتبقية والأقل جاذبية.
وتمتد هذه المعضلة إلى ما هو أبعد بكثير من “سوفت بنك”، فأي استثمار يعتمد في نهاية المطاف على 3 عوامل تتمثل في العائد المتوقع وتكلفة رأس المال والمدة اللازمة لاسترداد الأموال المستثمرة.
وتتجه العوامل الثلاثة بصورة متزايدة إلى تقويض المبررات الداعية إلى ضخ مزيد من رؤوس الأموال في الذكاء الاصطناعي.
من المثير للاستغراب بالفعل أن المستثمرين في الشرق الأوسط يفكرون أصلاً في العروض التي يقدمها سون.
وأرجّح أن ذلك لا يعكس تساهلاً في معايير الاستثمار، بل احتمال الحصول على صفقة بسعر مغر. فقد سبق أن فعلت “سوفت بنك” ذلك، إذ نقلت أصولاً قائمة إلى “صندوق رؤية” المدعوم من السعودية بقيمتها الأصلية، ضمن مساهمتها في الصندوق، ويمكن لسون تكرار هذه الخطوة.
ولا شك أن أول 35 مليار دولار ضخها في “أوبن إيه آي” حققت مكاسب مجزية، وسيكون من المنطقي شراء حصة تتيح الاستفادة من تلك المكاسب بسعر جذاب.
لكن مثل هذه الصفقة ستكون أقرب إلى استثمار يستهدف الاستفادة من ظروف خاصة، منها إلى تصويت قوي بالثقة في الموجة المقبلة من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
فقاعة الذكاء الاصطناعى
وخلال حديثه في مؤتمر “فوربس” العالمي للرؤساء التنفيذيين في سنغافورة الأسبوع الماضي، أدلى داليو بملاحظة لافتة: “الجميع يقولون إن ثرواتهم تبلغ مليار دولار، لكن حسناً، حاول أن تنفق هذا المبلغ.. عليك أن تبيع أصولاً من ثروتك لتحصل على المال، ولهذا السبب تنفجر الفقاعة عادة”.
وبالفعل، جرّب أن تحول هذه المليارات من المكاسب الدفترية إلى أموال نقدية فعلية.
فقد يكون سعي سون المتزايد الصعوبة لجمع رؤوس أموال جديدة، في حد ذاته، مؤشراً على أن دورة الاستثمار فى الذكاء الاصطناعي تدخل مراحلها المتأخرة.








