دعا رئيس وزراء لاتفيا أندريس كولبيرغز دول الاتحاد الأوروبي إلى وقف إصدار التأشيرات السياحية للمواطنين الروس، مع تصاعد المخاوف من الهجمات والتهديدات الهجينة التي تستهدف دول التكتل، معتبراً أن السماح بدخول الروس إلى أوروبا يترك ثغرات أمنية يمكن استغلالها.
وتأتي الدعوة في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على الحكومات الأوروبية لتشديد القيود على السفر من روسيا، بعدما شهدت دول أوروبية حوادث أمنية يُشتبه في ارتباط بعضها بموسكو، فيما يناقش قادة الاتحاد الأوروبي إمكانية تقليص التأشيرات الممنوحة للمواطنين الروس، بما يشمل الزيارات الشخصية ورحلات الأعمال.
وقال كولبيرغز، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز»، إن لاتفيا تواجه تهديدات هجينة من روسيا بصورة يومية، داعياً الأوروبيين إلى عدم السماح للروس بالسفر إلى أوروبا، معتبراً أن استمرار إصدار التأشيرات بدافع تحقيق عائدات السياحة يتجاهل المخاطر الأمنية المحتملة.
وانتُخب كولبيرغز رئيساً للوزراء هذا الشهر بعد توليه المنصب مؤقتاً في مايو، إثر انهيار الحكومة السابقة.
ويقود توجهاً مؤيداً للاتحاد الأوروبي، مع التعهد بإعادة تنشيط النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن في لاتفيا، التي تشترك في الحدود مع روسيا وبيلاروسيا، بينما لا يزال يعمل على تشكيل ائتلاف حكومي بعد عدم حصوله على أغلبية مطلقة.
حوادث أمنية تعيد ملف التأشيرات إلى الواجهة
تستند الدعوات إلى تشديد قيود السفر إلى مخاوف من استخدام التنقل عبر الحدود في أنشطة تهدد أمن الدول الأوروبية.
ففي أغسطس، شهد مطار لايبزيغ في ألمانيا حادثة تتعلق بطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات، ألقت السلطات الألمانية باللوم فيها على موسكو، وفتحت تحقيقاً بشأن مواطن بيلاروسي كان يحمل تأشيرة سياحية صادرة عن إيطاليا.
وأدى الحادث إلى تجدد الدعوات الألمانية وغيرها لمنع إصدار التأشيرات السياحية للروس.
كما أثار هجوم بطائرات مسيّرة على سفن بلغارية الأسبوع الماضي، أسفر عن فقدان 11 بحاراً، مخاوف إضافية، بعدما قالت صوفيا إن الهجوم ربما يكون مرتبطاً بروسيا.
وتشمل التهديدات الهجينة، وفق الاستخدام الأمني الأوروبي للمصطلح، أنشطة تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية، مثل التخريب والهجمات السيبرانية والتضليل واستغلال الهجرة أو وسائل مدنية لتحقيق أهداف أمنية وسياسية.
وتقول لاتفيا إن موقعها الجغرافي يجعلها معرضة بصورة خاصة لهذه المخاطر.
وحذّر كولبيرغز من أن غياب الرقابة المشددة على الحدود قد يتيح تكرار حوادث تسميم استهدفت شخصيات روسية معارضة أو مرتبطة بأجهزة الاستخبارات، من بينها الهجوم بغاز «نوفيتشوك» على العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا، وكذلك الحادثة التي استهدفت المعارض الروسي الراحل أليكسي نافالني.
انقسام أوروبي بشأن وقف التأشيرات الروسية
لا تزال الدول الأوروبية منقسمة بشأن فرض حظر شامل على التأشيرات السياحية الروسية، في ظل مخاوف بعض الحكومات من الخسائر الاقتصادية التي قد تلحق بقطاع السياحة.وتُعد فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من أكبر الدول المصدرة لتأشيرات «شنغن» للمواطنين الروس.
ووفقاً للمفوضية الأوروبية، أصدرت هذه الدول مجتمعة أكثر من 70% من إجمالي التأشيرات التي مُنحت للروس خلال عام 2025، والبالغ عددها أكثر من 600 ألف تأشيرة.
لكن النقاش بدأ يتحرك نحو تشديد القيود، فقد أعلنت فرنسا هذا الأسبوع أنها ستقيد إمكانية حصول جنود روس سابقين على التأشيرات، فيما أشار دبلوماسي أوروبي إلى أن باريس تعتزم تقليص إصدار التأشيرات للمواطنين الروس بصورة كبيرة.
أما إيطاليا، فأبدت استعدادها للحوار بشأن المسألة.وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الجمعة، إن قادة الاتحاد الأوروبي ناقشوا تقليص عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين الروس خلال اجتماعهم في بروكسل، مشيراً إلى أن هناك مجالاً لاتخاذ إجراءات إضافية لتقييد الزيارات الشخصية ورحلات الأعمال، ومؤكداً أن روسيا يجب أن تدرك أن أوروبا لن تترك مثل هذه الحوادث دون رد.
ولا يعني هذا النقاش أن الاتحاد الأوروبي أقر حظراً شاملاً؛ إذ لا تزال المسألة قيد البحث بين الدول الأعضاء، مع اختلاف تقديراتها للمخاطر الأمنية والتكاليف الاقتصادية المحتملة.
لاتفيا تطالب بتمويل إضافي لتأمين الحدود الشرقية
لا تقتصر مطالب لاتفيا على تشديد التأشيرات، بل تمتد إلى زيادة الموارد الأوروبية المخصصة للدول الواقعة على الحدود الشرقية للاتحاد، لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.وخلال مناقشات ميزانية الاتحاد الأوروبي المشتركة للفترة التي تبدأ في عام 2028، دعا كولبيرغز إلى توجيه مزيد من التمويل والموارد إلى دول البلطيق وفنلندا وبولندا ورومانيا، معتبراً أن تأمين هذه الحدود ضروري لتعزيز أمن أوروبا ككل.
وقال إن لاتفيا تتوقع هذا العام تسجيل أكبر عدد من المهاجرين الذين يحاولون عبور حدودها خلال خمس سنوات، واصفاً ذلك بأنه اختبار لقدرات حلف شمال الأطلسي «الناتو» ولمرونة البلاد في مواجهة الضغوط.
وفي المقابل، تواجه لاتفيا تداعيات اقتصادية مرتبطة بموقعها الجغرافي. فوفقاً لكولبيرغز، قد تخسر البلاد نحو 500 مليون يورو من دعم الزراعة والتمويل الإقليمي بموجب مقترح ميزانية الاتحاد الأوروبي الجديدة، مقارنة بما تحصل عليه حالياً.
وتطالب ريغا بتعويضات تبلغ 7 مليارات يورو، معتبرة أن قربها من روسيا وبيلاروسيا يضعف الاستثمار والسياحة وثقة الشركات، ويؤثر سلباً في النمو الاقتصادي. وقدّر كولبيرغز أن هذه الظروف تخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.9 نقطة مئوية.
العقوبات على روسيا تشمل صادرات الحبوب
على صعيد آخر، تدفع دول البلطيق باتجاه منع مرور صادرات الحبوب الروسية عبر أراضيها، لكن تطبيق هذا المقترح يواجه عقبات قانونية، إذ لا تستطيع هذه الدول فرض حظر وطني من دون المخاطرة بالتعرض لإجراءات قانونية، فيما قد تحد الالتزامات المتعلقة بضمان تدفق الغذاء للأغراض الإنسانية الدولية من فرص إقرار الحظر.
وشدد كولبيرغز على ضرورة تنفيذ العقوبات الأوروبية بصورة أكثر صرامة، معتبراً أن هدفها ينبغي أن يكون الحد من قدرة روسيا على تمويل قوتها العسكرية.
وتواجه لاتفيا، في الوقت نفسه، انتقادات بسبب إدراج أكثر من 150 مواطناً روسياً على قائمة الأشخاص غير المرغوب فيهم، وكان من بينهم مؤخراً الصحفي ليونيد راغوزين.
وتعكس مواقف رئيس الوزراء اللاتفي اتجاهاً يرى أن التهديدات الأمنية المرتبطة بروسيا تستدعي تغييراً في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه السفر والحدود والعقوبات، بينما تظل المفاضلة بين متطلبات الأمن ومصالح السياحة والتجارة والالتزامات القانونية أحد أبرز التحديات أمام التكتل.







