دخلت شهية المستثمرين الأجانب تجاه الأصول المصرية اختبارًا جديدًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، وسط مخاوف من ارتفاع علاوة المخاطر وتزايد الضغوط على سعر الصرف وتكلفة الاقتراض، بالتزامن مع موجة تراجعات حادة فى البورصة المصرية.
وتباينت تقديرات المحللين بشأن انعكاس التطورات الإقليمية على تدفقات الاستثمار الأجنبى فى الأسهم وأدوات الدين الحكومية؛ فبينما يرجح بعضهم استمرار الضغوط البيعية على الأسهم لحين اتضاح مسار الأحداث، يرى آخرون أن جاذبية العائد الحقيقى على أدوات الدين قد تحد من تأثرها الفوري، ما لم تتحول المخاطر الحالية إلى تهديدات مباشرة للاقتصاد المصري.
وتتداخل المخاوف الجيوسياسية مع ضغوط قائمة بالفعل على الأسواق الناشئة، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وقوة الدولار وتوقعات التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية، إلى جانب ضغوط محلية ناتجة عن مبيعات المؤسسات وقرارات المستثمرين الأفراد، ما يجعل اتجاهات رؤوس الأموال الأجنبية مرهونة بمدى استمرار حالة عدم اليقين وانعكاسها على الاقتصاد وأسواق المال.
أحمد: التصعيد يرفع علاوة المخاطر والجنيه يتحرك بين 52 و55 للدولار
قالت إسراء أحمد، الاقتصادى الأول بشركة «ثاندر» لتداول الأوراق المالية، إن التطورات الإقليمية قد تضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد المصرى فى الأجل القصير، عبر رفع علاوة المخاطر وتراجع شهية المستثمرين الأجانب تجاه الأسواق الناشئة، بما ينعكس على سعر الصرف وتكلفة الاقتراض الحكومي.
وأضافت أن حجم التأثير ومدته يرتبطان بطبيعة الدعم الدفاعى الذى ستقدمه مصر للسعودية ومدى الانخراط العسكرى المطلوب، لافتة إلى أن الصورة لاتزال غير واضحة، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى تسعير مخاطر إضافية لحين اتضاح نطاق التحركات وتداعياتها الاقتصادية.
وأوضحت أن رد الفعل الأولى قد يظهر فى ارتفاع تكلفة التأمين ضد مخاطر الائتمان السيادي، المعروفة اختصارًا بـ«CDS»، إلى جانب احتمالات تراجع سوق المال وخروج بعض الاستثمارات الأجنبية، دون أن يعنى ذلك بالضرورة موجة تخارج كبيرة أو ممتدة.
وأشارت إلى أن الضغوط العالمية، ومنها ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وقوة الدولار وتوقعات التضخم والفائدة الأمريكية، تزيد الضغوط على عملات الأسواق الناشئة، ومنها الجنيه المصري.
وتوقعت أن يتحرك الجنيه فى نطاق يتراوح بين 52 و55 جنيهًا للدولار فى ظل الظروف الحالية، معتبرة أن الضغوط العالمية والإقليمية لا توفر مبررات قوية لتوقع تراجع الدولار أمام العملة المحلية خلال الفترة القريبة.
ولفتت إلى أن استمرار ارتفاع أسعار السلع التى تستوردها مصر قد يضغط على الحساب الجارى وميزان المدفوعات، بالتزامن مع احتمالات تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبى إلى أدوات الدين، بما يزيد الضغوط على سوق الصرف.
أوضحت أحمد أن ارتفاع المخاطر لا يقتصر أثره على السندات الدولية، بل يمتد إلى العائد المطلوب على أذون وسندات الخزانة المحلية، إذ يعيد المستثمرون تقييم العائد الذى يطلبونه مقابل مخاطر التضخم واحتمالات تراجع العملة وارتفاع أسعار الفائدة مستقبلًا.
وأضافت أن ارتفاع عوائد أدوات الدين وتكلفة الاقتراض قد يأتى ضمن ضغوط متزامنة تشمل تراجع شهية المستثمرين للأصول مرتفعة المخاطر واحتمالات خروج تدفقات أجنبية، مع بقاء الأثر المحتمل مرهونًا بمدى استمرار حالة عدم اليقين.
ورجحت تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مع تراجع فرص الخفض فى ظل الضغوط على العملة وارتفاع المخاطر العالمية والإقليمية، رغم أن بعض مؤشرات التضخم قد توفر مساحة للخفض من الناحية النظرية.
وأوضحت أن تحركات الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى لا تفرض بالضرورة استجابة مماثلة من البنك المركزى المصري، إذ تتحدد قرارات السياسة النقدية وفقًا للظروف المحلية ومؤشرات التضخم وسوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي.
وأضافت أن تثبيت أسعار المحروقات خلال الربع الحالى قد يحد من الضغوط التضخمية على المدى القصير، إلا أن رفعها خلال الفترات المقبلة يظل احتمالًا قائمًا، بينما لا يمثل رفع أسعار الفائدة السيناريو الأساسى حاليًا، لكنه قد يصبح مطروحًا إذا تعرضت العملة لضغوط حادة ومستمرة بالتزامن مع خروج متواصل للاستثمارات الأجنبية أو ظهور مؤشرات على نقص السيولة الدولارية.
الشامى: ضبابية المشهد تمدد الضغوط البيعية على البورصة
قال عبدالرحمن الشامي، رئيس قسم البحوث بشركة «أسطول» لتداول الأوراق المالية، إن استمرار الضبابية بشأن التطورات الإقليمية قد يبقى الضغوط البيعية مسيطرة على أداء البورصة المصرية خلال الجلسات المقبلة، فى ظل صعوبة تقدير تداعيات التطورات السياسية والعسكرية على الاقتصاد والسوق.
وأضاف أن المؤسسات الأجنبية سجلت صافى بيع بنحو 5.6 مليار جنيه فى الأسهم خلال جلسة الأحد، موضحًا أن العملية ارتبطت بنقل ملكية الأسهم المطروحة ضمن طرح شركة «إم إن تى حالا»، بعدما باعت الشركة الأم «MNT Investments B.V.»، المسجلة فى هولندا، حصة تمثل 20% من رأسمال الشركة المصرية من خلال الطرح العام والخاص.
وحذر من استمرار الضغوط البيعية مع غياب الرؤية بشأن طبيعة الدعم المصرى للسعودية، وما إذا كان سيقتصر على أدوار دفاعية أم سيتطور إلى مستويات أخرى.
ولفت إلى أن موجات الذعر البيعى غالبًا ما تدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر دون التمييز بالقدر الكافى بين الشركات وفقًا لقوة مراكزها المالية، ما قد يضغط على أسهم الشركات الجيدة ماليًا إلى جانب الأسهم الأضعف.
وفى سوق الصرف، رجح تعرض الجنيه لضغوط إضافية حال تصاعد المبيعات، مشيرًا إلى أن الدولار قد يلامس مستوى 54 جنيهًا إذا اشتدت الضغوط.
وأضاف أنه لم يرصد خروجًا للأجانب من السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية حتى الآن، لكنه حذر من أن استمرار الضبابية قد يغير اتجاهات المستثمرين خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا امتدت التداعيات الإقليمية إلى الأسهم وأدوات الدين معًا.
وأبدى تحفظه على توقيت طرح بنك القاهرة فى ظل الضغوط التى تواجه السوق، موضحًا أن طرح شركات جديدة قد يزيد المنافسة على السيولة المتاحة، بالتزامن مع احتمالات استمرار تخارج بعض المستثمرين الأجانب.
وأكد أن السوق تحتاج إلى وضوح أكبر بشأن التطورات الإقليمية حتى تتمكن من استعادة ثقة المستثمرين والزخم الشرائي.
نجلة: عائد حقيقى يقترب من 5% يدعم جاذبية أدوات الدين
استبعد محمود نجلة، المدير التنفيذى لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة «الأهلى لإدارة الاستثمارات المالية»، حدوث تحول جوهرى فى نظرة المستثمرين الأجانب إلى السوق المصرية على خلفية التوترات الإقليمية الأخيرة.
ورجح أن تتضح الصورة تدريجيًا مع استيعاب الأسواق طبيعة التحركات المصرية فى المنطقة، والتى وصفها بأنها دفاعية ولا تعنى بالضرورة الانخراط فى حرب مباشرة.
وأضاف أن حدة التراجعات التى شهدتها البورصة قد تعكس، إلى جانب المخاوف الإقليمية، طبيعة هيكل المستثمرين فى السوق، فى ظل ارتفاع أعداد المستثمرين الأفراد وتأثر تحركاتهم أحيانًا بسلوك القطيع، ما يضخم التحركات السعرية صعودًا وهبوطًا.
وأشار إلى أن تسارع عمليات الشراء مع ارتفاع الأسهم والضغوط البيعية عند التراجع قد يؤدى إلى تحركات أكثر حدة من تلك التى تبررها المتغيرات الأساسية وحدها.
وقال إنه لا يتوقع أن تدفع التطورات الحالية المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم السوق المصرى باعتبارها مقبلة على الدخول فى حرب، سواء بالنسبة إلى الأسهم أو أدوات الدين الحكومية، لافتًا إلى أن اتضاح طبيعة التحركات المصرية وانعكاساتها على الأسواق العالمية قد يساعد على عودة التعاملات إلى مستويات أكثر استقرارًا.
وفيما يتعلق بأدوات الدين الحكومية، أوضح أن أسعار الفائدة الحالية فى مصر توفر عائدًا حقيقيًا موجبًا يقترب من 5%، وهو ما يدعم جاذبية هذه الأدوات ويمنحها قدرًا من الحماية فى مواجهة ارتفاع المخاطر الإقليمية.
وأضاف أن استمرار المخاطر عند مستوياتها الحالية قد لا يكون كافيًا لإحداث تغير جوهرى فى قرارات المستثمرين، لكن تحولها إلى تهديدات فعلية تتضمن دخول مصر طرفًا مباشرًا فى مواجهة عسكرية سيدفع المستثمرين إلى المطالبة بعلاوة مخاطر أعلى، تنعكس على تكلفة الاقتراض الحكومى وتزيد الضغوط على أدوات الدين المصرية رغم جاذبية عوائدها الحالية.
حجازى: الأسهم القوية ماليًا مرشحة لقيادة التعافى بعد انحسار الضغوط
قال رامى حجازي، خبير أسواق المال، إن مبيعات المستثمرين الأجانب تمثل أحد العوامل الضاغطة على أداء البورصة المصرية، لكنها ليست السبب الوحيد وراء التذبذبات العنيفة التى تشهدها السوق.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية وضبابية المشهد وتغير التحالفات الإقليمية دفعت بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم استثماراتهم وفقًا لمستويات المخاطر، ما أسهم فى خروج جانب من السيولة، بالتزامن مع مبيعات المؤسسات المحلية والبيع العشوائى من جانب الأفراد.
وأشار إلى أن ارتفاع نسب التمويل بالهامش مع هبوط الأسعار يفاقم الضغوط على الأسهم، إذ قد يؤدى تراجع قيم المحافظ إلى زيادة عمليات البيع، بما يخلق حلقة متتالية من الضغوط البيعية ويعمق خسائر السوق.
ولفت إلى أن حدة تراجع أسعار الأسهم تبدو مبالغًا فيها مقارنة بحجم السيولة المتداولة خلال الفترات الأخيرة، ما يعكس اتساع الفجوة بين حركة الأسعار والضغوط الفعلية على الشركات، ويربط جانبًا من الهبوط بحالة القلق وعدم اليقين.
وأوضح حجازى، أن اتساع نطاق التوترات الجيوسياسية قد يدفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الارتفاع، خاصة مع عودة أسعار النفط إلى الصعود، ما ينعكس على تكاليف الإنتاج والتشغيل ويضغط على هوامش ربحية عدد من الأنشطة الاقتصادية.
وقال إن قطاعات مواد البناء والصناعات، لاسيما الثقيلة، ستكون من الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب القطاع العقارى الذى يعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات البناء، ما قد يبطئ النشاط فى هذه القطاعات إذا استمرت الضغوط لفترة ممتدة.
فى المقابل، قد تستفيد قطاعات الأسمدة والبتروكيماويات والطاقة من ارتفاع الأسعار العالمية، بما يدعم أسعار بيع منتجاتها، بينما يحتفظ قطاع الأغذية بطبيعة دفاعية نسبيًا لاستمرار الطلب على منتجاته حتى فى أوقات التوترات، وإن كانت زيادة تكاليف الطاقة قد تضغط على هوامش الربحية.
وأضاف أن الأسهم منخفضة السيولة وذات الطابع المضاربى ستكون الأكثر عرضة للضغوط خلال فترات عدم اليقين، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر والتوجه نحو الشركات ذات المراكز المالية القوية والسيولة المرتفعة والقدرة على تحقيق نمو مستدام.
وتوقع استمرار التذبذبات المرتفعة والتحركات العرضية فى نطاق واسع على المدى القصير، لحين اتضاح مسار التوترات وظهور مؤشرات على تهدئة الأوضاع، بالتزامن مع انتهاء فترة الاكتتابات فى السوق.
وأضاف أن استقرار المشهد قد يساعد البورصة على استعادة تماسكها تدريجيًا، مع إمكانية بدء الأسهم القوية ماليًا وذات السيولة المرتفعة فى التعافي، خاصة إذا تراجعت الضغوط البيعية وتحسنت شهية المستثمرين للمخاطرة.
أكد حجازى أن النظرة طويلة الأجل للسوق المصرى لاتزال إيجابية، فى ظل وجود مستهدفات صعودية للعديد من الأسهم وتداول شركات عديدة دون قيمها العادلة رغم ما تتمتع به من فرص نمو.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب انتقائية أكبر فى اختيار الأسهم، مع التركيز على قوة المراكز المالية ومستويات السيولة واستدامة الأرباح، لافتًا إلى أن تهدئة التوترات واستقرار الأوضاع السياسية فى المنطقة يأتيان فى مقدمة العوامل القادرة على تحسين شهية المستثمرين تجاه الأسواق الإقليمية والحد من علاوة المخاطر.
وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية فى مصر والمضى قدمًا فى برنامج الطروحات الحكومية من شأنهما تعزيز جاذبية السوق، من خلال إتاحة فرص استثمارية جديدة أمام المستثمرين الأجانب وتوسيع قاعدة الشركات المتاحة للاستثمار.
وأضاف أن تطوير أدوات التداول وإدخال منتجات مالية جديدة، مثل البيع على المكشوف وتفعيل آليات المشتقات، يمكن أن يسهم فى زيادة كفاءة السوق وتنويع استراتيجيات المستثمرين، بما يدعم قدرتها على جذب تدفقات أجنبية جديدة على المدى المتوسط والطويل.








