لم تعد أزمة التمويل المناخى تقتصر على عدم كفاية الموارد المالية لمواجهة تغير المناخ، بل أصبحت هناك أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل فى صعوبة وصول الدول النامية إلى التمويل المتاح بالفعل.
وبينما تتزايد التعهدات الدولية بمليارات الدولارات، لا تزال العديد من الدول والمؤسسات عاجزة عن تحويل احتياجاتها المناخية إلى مشروعات تحظى بموافقة الجهات التمويلية.
تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD) إلى أن التمويل المناخى الذى قدمته وحشدته الدول المتقدمة لصالح الدول النامية بلغ نحو 136.7 مليار دولار عام 2024، مقارنة بنحو 115.9 مليار دولار عام 2022.
ورغم تجاوز الهدف التاريخى البالغ 100 مليار دولار سنوياً، فإن هذه الأرقام تظل بعيدة عن الاحتياجات الفعلية.
وقد اتفقت الدول فى مؤتمر المناخ COP29 على هدف جديد لتعبئة 300 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035، إلى جانب الدعوة لزيادة التدفقات التمويلية إلى 1.3 تريليون دولار سنويًا من مختلف المصادر.
وتتضح الفجوة بصورة أكبر فى تمويل التكيف؛ إذ يقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات الدول النامية بما يتراوح بين 310 و365 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035، بينما لم تتجاوز التدفقات الدولية العامة المخصصة للتكيف 26 مليار دولار فى عام 2023، أى أن الاحتياجات تعادل نحو 12 إلى 14 ضعف التمويل المتاح.
لكن الأرقام تكشف مشكلة أخرى تتعلق بطبيعة التمويل نفسه، ففى عام 2024، جاء نحو 67% من التمويل المناخى العام المقدم للدول النامية فى صورة قروض، مقابل 29% فقط فى صورة منح، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة تحميل الدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ أعباء مديونية إضافية لمواجهة أزمة لم تكن المساهم الأكبر فى التسبب بها.والأهم أن توفير التمويل لا يعنى بالضرورة القدرة على الوصول إليه.
ويقدم صندوق المناخ الأخضر (GCF)، إحدى أهم الآليات المالية الدولية الداعمة للعمل المناخى فى الدول النامية، مثالًا واضحًا على حجم الفرص والتحديات.
فقد تجاوزت محفظة الصندوق 20 مليار دولار لتمويل أكثر من 350 مشروعًا وبرنامجًا فى الدول النامية.
ومع ذلك، تشير بيانات الصندوق إلى أن التمويل المصروف فعليًا بلغ نحو 7.4 مليار دولار، مقارنة بنحو 20.3 مليار دولار من التمويلات المعتمدة، مع ضرورة التمييز بين التمويلات المعتمدة والمبالغ التى لم يحن موعد صرفها وفق الجداول التنفيذية.
ولا تعكس هذه الفجوة نقصًا فى السيولة وحده، وإنما تبرز أهمية إجراءات الاعتماد المؤسسى، وإعداد دراسات الجدوى، واستيفاء المتطلبات البيئية والاجتماعية، والقدرة على تنفيذ المشروعات ومتابعتها.
وقد أطلق الصندوق برامج لدعم الجاهزية المؤسسية وإعداد المشروعات، بلغت قيمتها التراكمية نحو 830 مليون دولار حتى أكتوبر 2026، وهو اعتراف عملى بأن بناء القدرة على الوصول إلى التمويل لا يقل أهمية عن توفير التمويل نفسه.
وهنا ينبغى إعادة النظر فى مفهوم وسائل التنفيذ (Means of Implementation) الذى تقوم عليه منظومة العمل المناخى الدولية، والذى يشمل التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
فلا يمكن مطالبة الدول النامية بتنفيذ التزامات مناخية طموحة دون تمكين مؤسساتها من إعداد المشروعات، والتقدم بطلبات التمويل، واستيفاء متطلبات الجهات الممولة، والوصول إلى الموارد والتكنولوجيا اللازمة لتنفيذها.
وبالنسبة لمصر والدول الأفريقية، أرى أن الأولوية يجب أن تشمل تعزيز القدرات المؤسسية والفنية للتقدم بطلبات الحصول على التمويل المناخى والوصول الفعلى إلى الموارد المتاحة، من خلال إنشاء آليات وطنية لإعداد المشروعات المناخية القابلة للتمويل، وتطوير قدرات المؤسسات المحلية والبنوك التجارية على فهم متطلبات وإجراءات الجهات التمويلية الدولية، وإعداد طلبات التمويل واستيفاء اشتراطاتها، إلى جانب التوسع فى استخدام الضمانات والتمويل المختلط لتقليل المخاطر وجذب استثمارات القطاع الخاص.
كما ينبغى الانتقال من إعداد قوائم بالمشروعات ذات الأولوية إلى بناء محافظ استثمارية متكاملة، تتوافق منذ البداية مع متطلبات المؤسسات المالية الدولية، مع تخصيص موارد للمساعدة الفنية وإعداد دراسات الجدوى، وتعزيز الحوار المباشر مع الجهات التمويلية لفهم أولوياتها ومتطلباتها.
وهو ما يتيح برنامج دعم الجاهزية والتحضير (Readiness and Preparatory Support Programme) التابع لصندوق المناخ الأخضر (GCF)، الذى يوفر الدعم الفنى والمالى لتعزيز القدرات المؤسسية، وتطوير الاستراتيجيات وخطط الاستثمار المناخي، وإعداد محافظ ومقترحات المشروعات، بما يساعد الدول النامية على تحسين قدرتها على التقدم للحصول على التمويل المناخى والوصول الفعلى إليه.
إن نجاح منظومة التمويل المناخى لا ينبغى قياسه بحجم التعهدات المعلنة أو التمويلات المعتمدة فقط، وإنما بحجم الموارد التى تصل فعليًا إلى الدول النامية، وسرعة الوصول إليها، ومدى قدرة المؤسسات الوطنية على تحويلها إلى استثمارات تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا ملموسًا.
فأزمة المناخ لا تنتظر اكتمال الإجراءات التمويلية، والعدالة المناخية لا تتحقق فقط بتوفير الأموال، بل بضمان قدرة الدول الأكثر احتياجًا على الوصول إليها والاستفادة منها.
وإلا سنظل نتحدث عن مليارات الدولارات فى مؤتمرات المناخ، بينما تبقى المشروعات التى تحتاج إليها هذه الدول حبيسة الأوراق والإجراءات.








