استثمارات الأصول الثابتة تنخفض 1.7%
يشير الانخفاض الحاد في حجم الاستثمارات المُعلَن عنها في الصين إلى أن حملة الرئيس شي جين بينج للحد من المنافسة الصناعية المفرطة بدأت تؤثر على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
يمثل الانخفاض المفاجئ في استثمارات الأصول الثابتة ثاني تراجع من نوعه منذ عقود، ويأتي عقب تحذيرات متكررة من الرئيس الصيني بشأن حروب الأسعار في قطاعات مثل التكنولوجيا المتقدمة والطاقة الخضراء، وهي مشكلة تُطلق عليها بكين اسم “نيجوان” أو “الانطواء الداخلي”، وترتبط على نطاق واسع بفائض الطاقة الإنتاجية.
وقال “شي” في مجموعة من الاقتباسات المنشورة هذا الشهر في مجلة “تشيوشي” التابعة للحزب الشيوعي حول أولويات التنمية الصناعية: “يجب أن نمنع الاندفاع نحو اقتصاد الفقاعة”.
رغم التشكيك في جودة بيانات استثمارات الأصول الثابتة، ورغم أن بعض المحللين يرون أن إحصاءات أكتوبر ربما تأثرت بشكل كبير بتغييرات تقنية، فإن الانخفاض الحاد يثير تساؤلات حول آفاق النمو في الصين.
قالت لين سونج، كبيرة الاقتصاديين للصين لدى بنك “إي إن جي”: “من خلال حديثنا مع عدد كبير من الشركات الصينية، نلمس قدراً كبيراً من الحذر في جانب الاستثمار. ومنذ أن بدأت بكين الحديث عن إجراءات مناهضة للانطواء الداخلي منتصف هذا العام، ربما أصبح هناك حذر أكبر داخل القطاع العام أيضاً”.
لطالما اعتمد الاقتصاد الصيني على الاستثمار لعقود، فيما روجت الحكومة خلال السنوات الأخيرة لتطوير الصناعات التحويلية المتقدمة، من السيارات الكهربائية إلى أشباه الموصلات.
ويتعين على المسؤولين تحقيق أهداف نمو الناتج المحلي الإجمالي، رغم تحديات التوتر التجاري مع الولايات المتحدة، وتباطؤ قطاع العقارات، وضعف ثقة المستهلك، وانكماش السعر.
أظهرت بيانات حكومية نُشرت هذا الشهر أن استثمارات الأصول الثابتة في الصين تراجعت بنسبة 1.7% خلال عام حتى أكتوبر، بعد تراجع بنسبة 0.5% في العام المنتهي بشهر سبتمبر.
ويعد ذلك من حالات الانخفاض النادرة في العقود الأخيرة، باستثناء المراحل الأولى من جائحة كوفيد-19 عام 2020.
ولا تُصدِر الصين بيانات مقارنة شهرية مستقلة لاستثمارات الأصول الثابتة، لكن وتيرة التراجع منذ بداية العام تشير إلى انخفاض مفاجئ بنسبة 11% خلال أكتوبر على أساس سنوي.
تُظهر تحليلات صادرة عن صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية لبيانات إقليمية أن الاستثمارات تراجعت في أكثر من ثلث المناطق الإدارية البالغ عددها 31 في بر الصين الرئيسي، مقارنة بثلاث مناطق فقط في مايو الماضي.
يسلط حجم التراجع، الضوء على صعوبة تقييم الصحة الاقتصادية لبلد تعاني إحصاءاته الرسمية كثيراً من الشكوك حول موثوقيتها.
قال آدم وولف، الاقتصادي لدى شركة “أبسولوت استراتيجي ريسيرش”: “إنه لغز حقيقي بالنسبة لي”، مضيفاً أن مثل هذا “التباطؤ الواسع” قد يتطلب ما هو أكثر من سياسات مكافحة الانطواء الداخلي.
وقدّر محللو “جولدمان ساكس” أن نحو 60% من تراجع استثمارات الأصول الثابتة يعود إلى “تصحيح إحصائي لبيانات كانت مُبالغاً في تقديرها سابقاً”.
في تقرير للمستثمرين، استند المحللون إلى مؤشرات السلع مثل إنتاج الأسمنت والطلب على الصلب للدلالة على أن المبالغة السابقة في البيانات تركت مساحة لهذا التراجع.
وكتبوا: “قد يكون الهبوط الأخير في استثمارات الأصول الثابتة مبالغاً في تقديره لتباطؤ الزخم الاستثماري الفعلي”.
لكنهم أكدوا أيضاً أن مزيجاً من سياسات بكين لمكافحة الانطواء الداخلي، وتباطؤ العقارات، وتراجع الإنفاق المالي المرتبط بالبنية التحتية، يفسر نحو 40% من التراجع.
وسيُضيف انخفاض الاستثمار ضغوطاً إضافية على الحكومات المحلية للبحث عن مصادر بديلة للنمو، خصوصاً في ظل انخفاض أسعار العقارات الذي تسارع الشهر الماضي، مع دخول أزمة العقارات عامها الخامس.
“جولدمان ساكس”: 60% من التراجع يعود لتصحيح إحصائي بعد مبالغة سابقة في البيانات
كما تظهر مؤشرات أخرى على التباطؤ. فقد شهدت صادرات الصين، بعد أشهر من الانخفاض إلى الولايات المتحدة، تراجعاً حاداً في أكتوبر بالدولار، وقالت “كابيتال إيكونوميكس” إن ذلك نتج عن “تباطؤ واسع في الشحنات إلى الأسواق غير الأمريكية”.
قالت زيكون هوانج، من “كابيتال إيكونوميكس”، إن الصادرات ستظل “محركاً مهماً للنمو”، لكن مساهمتها ستكون أقل مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.
من المستبعد أيضاً أن يساهم الاستهلاك المنزلي في التعافي، فقد أظهرت البيانات الرسمية ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 2.9% في أكتوبر، وهي أبطأ وتيرة منذ أكثر من عام.
وحاولت الحكومة تعزيز الاستهلاك عبر برنامج الاستبدال الذي يسمح للعائلات بشراء سلع مدعومة.
وأشار تينج لو، كبير الاقتصاديين للصين لدى “نومورا”، إلى “تباطؤ حتمي في مبيعات التجزئة نتيجة أثر الارتداد الناجم عن برنامج الاستبدال”، بوصفه أحد عدة عوامل ستفرض ضغوطاً على بكين لاتخاذ المزيد من إجراءات التحفيز.
يرى اقتصاديون أنه رغم قدرة بكين على تحقيق هدفها لنمو الناتج المحلي الإجمالي عند “نحو 5%” هذا العام، بعد نمو قوي في الربعين الأول والثاني، فإن السنوات المقبلة ستكون مليئة بالتحديات.
وخلال معرض تجاري في شنغهاي هذا الشهر، وضع رئيس الوزراء لي تشيانج هدفاً يتمثل في تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الوطني 170 تريليون يوان بحلول 2030. وكان الناتج نحو 135 تريليون يوان العام الماضي.
وقال اقتصاديون إن هدف لي، إلى جانب تصريح شي عام 2020 بأن الصين يمكن أن تضاعف حجم اقتصادها بحلول 2035، يشير إلى ضرورة تحقيق نمو حقيقي بنسبة 4% إلى 5% سنوياً خلال العقد المقبل.
وقال فريدريك نيومان، كبير اقتصاديي آسيا لدى “إتش إس بي سي”: “لا يبدو أن هناك تراجعاً كبيراً في طموحات الصين للنمو في المدى القريب”.
كما قالت هوي شان، كبيرة الاقتصاديين للصين لدى “جولدمان ساكس”، إنه بالنظر إلى التحديات المتوقعة العام المقبل، قد يخفض صناع السياسات هدف النمو لعام 2026 بشكل طفيف إلى “أعلى من 4.5%”.
لكنها رجّحت الإبقاء على الهدف عند “نحو 5%” مع اتخاذ قرار بشأن مزيد من التيسير الشهر المقبل خلال مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي.
وأضافت شان أن قطاع الخدمات في الصين يجب أن يكتسب دوراً أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة، “خصوصاً لأن هذه الصناعات كثيفة العمالة ويمكنها خلق وظائف أكثر”.
في الوقت نفسه، تشير حملة شي ضد الانطواء الداخلي إلى ضغوط إضافية على الاستثمارات الجديدة.
يعد أحدث القطاعات التي تتعرض للضغط هو قطاع مواد فوسفات الحديد والليثيوم المستخدم في صناعة البطاريات، إذ يعاني القطاع من معدلات استغلال للطاقة الإنتاجية لا تتجاوز 50%، وتكبد خسائر إجمالية على مدى 36 شهراً متتالية، بحسب تانج يان، نائب الأمين العام لرابطة مصادر الطاقة الكيميائية والفيزيائية الصينية.
وقال تانج هذا الشهر، وفقاً لوسائل إعلام حكومية، إن “المنافسة غير المنضبطة تقوّض باستمرار المزايا الصعبة التي حققتها البلاد في سلاسل الإمداد العالمية”.








