تراجع أثر قلة الإمدادات الفنزويلية نتيجة التوترات مع الولايات المتحدة على سوق النفط العالمية، بدعم الوفرة في المعروض مع نهاية العام، مع وجود إنتاج كافٍ لامتصاص أية اضطراب في الإمدادات القادمة من فنزويلا، أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات النفط الخام.
وأدت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب مصادرة ناقلة نفط وفرض عقوبات أمريكية إضافية على الرئيس نيكولاس مادورو وحلفائه، بما في ذلك الشركات المشغلة لناقلات النفط، إلى خفض إنتاج فنزويلا إلى أدنى مستوى له في 7 أشهر.
وقدّرت وكالة الطاقة الدولية إمدادات النفط الفنزويلية عند 860 ألف برميل يوميًا في نوفمبر، انخفاضًا من 1.01 مليون برميل يوميًا في أكتوبر، ومستويات تجاوزت مليون برميل يوميًا في سبتمبر، وهو الشهر الذي بلغ فيه إنتاج النفط الفنزويلي أعلى مستوى له منذ فبراير 2019، بحسب ما نقلته منصة “أويل برايس” المتخصصة في أخبار النفط.
ومن المتوقع تسجيل مزيد من التراجع في إمدادات النفط الفنزويلية خلال ديسمبر، في أعقاب التحركات الأمريكية في مياه البحر الكاريبي، نظرًا لأنه بعد مصادرة ناقلة تحمل نفطًا فنزويليًا في وقت سابق من الشهر الجاري، تستعد الولايات المتحدة لمصادرة ناقلات أخرى.
وبغض النظر عن السيناريو النهائي للتحركات الأمريكية تجاه فنزويلا، فإن تراجع إمدادات النفط من البلاد من غير المرجح أن يؤثر بشكل كبير على السوق العالمية، إذ إن فائض المعروض الحالي يوفر هامش أمان مريحًا قادرًا على امتصاص خروج بضع مئات الآلاف من البراميل يوميًا من السوق.
وفي أسوأ السيناريوهات لإمدادات النفط الفنزويلية، ومع فرض قيود إضافية ونقص المواد المخففة اللازمة لتدفق النفط الثقيل بغرض التصدير، قد تخسر فنزويلا ما يصل إلى 500 ألف برميل يوميًا من إنتاجها النفطي، وفق تقديرات نقلتها رويترز عن الكاتب رون بوسو.
وتُعد فنزويلا أحد العوامل غير المتوقعة في سوق النفط العالمية مع التوجه نحو عام 2026، في ظل حالة عدم اليقين المحيطة باحتمال تدخل أمريكي وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على الإنتاج.
ومن المحتمل أن يؤدي فقدان الإنتاج النفطي الفنزويلي في حال حدوث تدخل عسكري أمريكي إلى تأثير ملموس على الأسعار القياسية العالمية، إذ ستضطر السوق إلى تعويض النفط الفنزويلي الثقيل، الذي يشكل غالبية صادرات كراكاس النفطية، بحسب شركة “ريستاد إنرجي”.
وقالت “ريستاد إنرجي” إنه في حال تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى حد التدخل العسكري داخل الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية، فإن هذه الكميات من النفط ستكون عرضة للخطر، وذلك وفقًا لحجم النشاط العسكري المحتمل، مضيفة: “رغم أن هذه الكميات محدودة نسبيًا مقارنة بحجم التجارة العالمية، فإن جودتها فريدة، إذ إن أكثر من 67% من الإنتاج نفط ثقيل”.
ونتيجة لذلك، فإن تشديد سوق النفط الثقيل عالميًا من شأنه أن يدفع أسعار الخامات الثقيلة التي تستوردها الولايات المتحدة إلى الارتفاع، ولا سيما الخامات الكندية الثقيلة، كما يُتوقع أن يؤدي فقدان مؤقت للإنتاج الفنزويلي إلى رفع سعر خام دبي الحامضي مقارنة بخام برنت، مع سعي آسيا لتعويض البراميل الفنزويلية المفقودة، بحسب “ريستاد إنرجي”.
ويمكن أن تحل الخامات الكندية الثقيلة، وكذلك المنتجة في خليج المكسيك الأمريكي، إضافة إلى خامات كولومبيا مثل كاستيا وأبياي وماغدالينا ومارس، محل خسائر خام “ميريه” الفنزويلي الثقيل للغاية.
ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيسعى بالضرورة إلى تغيير النظام في فنزويلا أو تنفيذ تدخل عسكري، لكن المؤكد أن أي تغيير في نظام مادورو قد يشكل نقطة تحول لإنتاج النفط الفنزويلي، ووصول الولايات المتحدة إلى الخام الثقيل الفنزويلي الملائم لمصافي ساحل الخليج الأمريكي، ونفوذ واشنطن في نصف الكرة الغربي وأمريكا اللاتينية.
وقد يؤدي تصاعد التوترات إلى ضغوط قصيرة الأجل على إمدادات فنزويلا، لكن تغيير النظام بعيدًا عن مادورو قد يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات الأمريكية، وعودة الاستثمارات الأجنبية، وزيادة إنتاج النفط الفنزويلي.
وقالت شركة استشارات الطاقة العالمية “وود ماكنزي” في وقت سابق من الشهر الجاري: “ليس من الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدفع نحو تغيير النظام في فنزويلا، أو كيف يمكن أن تسير الأمور في حال حدوث ذلك”.
وأضاف محللو “وود ماكنزي” أنه في حال رفع العقوبات وتوافر الدعم التشغيلي والمالي الذي تحتاجه فنزويلا بشدة، فقد يكون لذلك تأثير كبير على إنتاج البلاد النفطي على المدىين القصير والطويل.
وقال أدريان لارا، المحلل الرئيسي لقطاع المنبع في أمريكا اللاتينية لدى “وود ماكنزي”، إن تحسين الإدارة التشغيلية يمكن أن يؤدي إلى زيادات سريعة في الإنتاج. وأضاف: “بافتراض أن هناك عددًا كبيرًا من الآبار التي تحتاج فقط إلى صيانة بسيطة، يمكن تعزيز الإنتاج من خلال النفقات التشغيلية دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة”.
وبحسب تقديرات “وود ماكنزي”، فإن توافر ظروف مواتية، إلى جانب تحسينات تشغيلية واستثمارات محدودة في حزام أورينوكو، قد يرفع إنتاج فنزويلا مجددًا إلى مستويات منتصف العقد الماضي عند نحو مليوني برميل يوميًا خلال عام إلى عامين.
وقبل حدوث أية زيادة محتملة، ستضطر فنزويلا، وسوق النفط العالمية، إلى التعامل مع انخفاض الإمدادات الفنزويلية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، وهو أمر لا يُعد بالضرورة سلبيًا في سوق يرى كثير من المحللين أنها تعاني فائضًا كبيرًا في المعروض، خاصة خلال الربع الأول من عام 2026.
وبسبب توقعات هذا الفائض الكبير، تتوقع معظم بنوك الاستثمار أن يبلغ متوسط أسعار خام برنت أقل من 60 دولارًا للبرميل العام المقبل، مع تسجيل أسعار خام غرب تكساس مستويات أقل من ذلك.








