أنفقت كبرى شركات الدفاع الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية على إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح أكثر من ضعف ما خصصته للإنفاق الرأسمالي، في اختلال أثار حفيظة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يطالب بإعادة توجيه هذا المسار.
بحسب بيانات “بلومبرج إنتليجنس”، أنفقت شركات “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس” (RTX)، و”بوينغ” و”نورثروب جرومان” (Northrop Grumman)، و”جنرال دايناميكس” (General Dynamics) مجتمعة أكثر من 110 مليارات دولار على إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح منذ عام 2020، مقابل نحو 45.5 مليار دولار فقط للإنفاق الرأسمالي خلال الفترة نفسها.
صرح ترامب الأربعاء، أن هذا الخلل يأتي “على حساب” الاستثمارات بتطوير المصانع والمنتجات، ويلحق الضرر بها، ولم يعد مقبولاً.
أنشطة عسكرية ومدنية متشابكة
غير أن مُجرد قلب هذه الأرقام للامتثال للأمر التنفيذي الجديد الصادر عن البيت الأبيض يتجاهل تعقيداً جوهرياً، فبعض هذه الشركات المعنية لديها أنشطة مدنية وعسكرية متشابكة إلى حد يستحيل فصلها ببساطة إرضاءً للرئيس. وهذا يعقّد أي محاولة لتقييد مكافآت المساهمين ويهدد أيضاً عملياتها، بحسب جورج فيرجسون، كبير محللي قطاع الطيران والدفاع في “بلومبرج إنتليجنس”.
أضاف فيرجسون:”إذا كنت “آر تي إكس”، فأنا أصنع محرك F135 لمقاتلة F-35 لكنني أنتج محركات الطائرات التجارية في عمليات (برات آند ويتني). فماذا سيحدث للتكامل بين هذه الأنشطة؟
قال ترامب الأربعاء إن على شركات الدفاع الكبرى المتعاقدة مع الحكومة وقف إعادة شراء الأسهم، وتعليق توزيعات الأرباح، ووضع سقف لرواتب كبار التنفيذيين عند 5 ملايين دولار سنوياً، إلى أن ترفع استثماراتها في المصانع والبحث والتطوير بهدف تسريع وتيرة الإنتاج. وأعقب ذلك إصدار أمر تنفيذي جديد.
توسيع الإنتاج مهمة معقدة
أظهرت بيانات “ستاندرد آند بورز جلوبال” أن قطاع الصناعات الذي يضم شركات دفاع رئيسية مثل “آر تي إكس” و”لوكهيد” و”نورثروب”، مثّل نحو 8% من إجمالي عمليات إعادة شراء الأسهم ضمن مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” خلال الربع الماضي، بما يعادل قرابة 20 مليار دولار، مقارنة بنحو 65 مليار دولار لدى الشركات المالية، وأكثر من 70 مليار دولار لدى شركات التكنولوجيا.
بحسب بيانات “ستاندرد آند بورز”، لم تدخل أي شركة دفاعية ضمن قائمة أكبر 20 شركة في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” من حيث حجم عمليات إعادة شراء الأسهم خلال الربع الثالث. وكانت “جنرال إلكتريك” الأقرب إلى هذه القائمة، بعدما أنفقت أقل من ملياري دولار خلال تلك الفترة، في حين أنفقت الشركة المصنّفة في المرتبة العشرين، “أميركان إكسبريس” نحو 2.35 مليار دولار.
أما “بوينغ” فلم تُنفّذ أي عمليات لإعادة شراء الأسهم خلال الفترة التي شملها التحليل، وكانت آخر توزيعات أرباح دفعتها في عام 2020، فيما كانت الشركة تواجه سلسلة من الأزمات العميقة التي استنزفت سيولتها.
أوضح لينوس تيرهرست، محلل قطاع الصناعات الدفاعية في “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” في لندن، أنه حتى في حال توفر سيولة إضافية، فإن توسيع الطاقة الإنتاجية ليس ببساطة الاستثمار في ذلك، إذ تتطلب الأسلحة المتطورة مثلاً مكونات لا يوجد كثير من المنتجين لها.
قال تيرهرست: “عملية الإنتاج أوسع بكثير من مجرد تطوير الأفكار أو إنشاء خط تصنيع. يجب احتساب ذلك على امتداد سلسلة التوريد كاملة، وفي هذا القطاع تحديداً، ومع طبيعة هذه المنتجات، تبقى سلسلة التوريد محدودة نسبياً”.
الشركات الصغيرة تموّل الابتكار ذاتياً
من جهتها، أشارت بيكا واسر، محللة شؤون الدفاع في “بلومبرغ إيكونوميكس”، إلى أن شركات أصغر مثل “جنرال أتوميكس” (General Atomics) و”أندوريل إندستريز” (Anduril Industries) غالباً ما تموّل البحث والتطوير من مواردها الخاصة، على أمل بيع المنتج النهائي للحكومة.
قد تنجح هذه المقاربة كما حدث مع طائرة “إم كيو-9 ريبر” (MQ-9 Reaper) من “جنرال أتوميكس”، التي أصبحت من أكثر الطائرات المسيّرة انتشاراً، غير أن مشاريع أخرى قد لا تجد من يشتريها.
في المقابل، تعتمد شركات الدفاع الكبرى عادة في تطوير تقنياتها الجديدة على متطلبات محددة يضعها البنتاغون، بحسب واسر.
في هذا السياق، أبرم البنتاغون هذا الأسبوع عقداً يمتد سبع سنوات مع “لوكهيد مارتن” لزيادة إنتاج صواريخ “باتريوت” إلى ثلاثة أضعاف.
يمنح هذا الاتفاق الشركة رؤية واضحة للطلب طويل الأجل، ما يسمح لها بتوسيع طاقتها الإنتاجية من نحو 600 صاروخ سنوياً إلى قرابة 2000 من النسخة الأكثر تطوراً.








