في السنوات الأخيرة، وبينما تفوقت الأسهم الألمانية على المؤشرات الأوروبية الأوسع نطاقاً، ظل جزء كبير من السوق الألمانية متأخراً عن الركب. إلا أن هذا الوضع بدأ أخيراً يتغير.
باتت المؤشرات التي تتبع أسهم الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة تتفوق في عام 2026 على مؤشر “داكس” للأسهم القيادية، وكذلك على المؤشر الأوروبي الشامل “ستوكس 600″، ليوسع اتجاهاً بدأ يتشكل منذ العام الماضي.
من بين أفضل 10 أسهم أداءً في مؤشر “إم داكس” (MDAX) للشركات المتوسطة خلال الأشهر الـ12 الماضية، ارتفعت أسعار ثمانية أسهم بأكثر من الضعف. وقفز سهم مجموعة الهندسة “تيسينكروب” (Thyssenkrupp AG) بنسبة 235%، في حين ارتفع سهم شركة الصناعات الدفاعية “رينك غروب” (Renk Group AG) بنحو 180%.
ويمثل هذا الأداء تحولاً لافتاً مقارنة بالفترة التي أعقبت جائحة كورونا مباشرة، حين اندفع المستثمرون نحو أسهم الشركات الكبرى. فيما عانت أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة من أداء ضعيف إلى حد كبير بين عامي 2021 و2024، ولا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.
تحسن النشاط الاقتصادي في ألمانيا
ويعكس هذا التوجه الجديد تحسناً في النشاط الاقتصادي، إذ عاد الناتج المحلي الإجمالي للنمو في عام 2025 بعد عامين من الانكماش، إضافة إلى التوقعات بتدفق سيولة جديدة قادمة من خطط الحكومة للإنفاق الكبير على الدفاع والبنية التحتية.
توقع ماثيو راشر، رئيس استراتيجية الأسهم في “يوليوس باير”، أن تحظى أسهم الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة “باهتمام متزايد من المستثمرين هذا العام، مع اتساع أثر التحفيز المالي عبر سلاسل القيمة، بما يصب في مصلحة الشركات ذات التوجه المحلي”.
ورغم أن أسهم شركات الدفاع كانت في صدارة اهتمام المستثمرين، في ظل تسارع وتيرة الإنفاق العسكري في أوروبا لمواجهة روسيا، فإن موجة الصعود بدأت تتسع لتشمل قطاعات أخرى. ومن بين أكبر الرابحين خلال الأشهر الستة الماضية شركات مثل “فيربيو” (Verbio SE) المتخصصة في الوقود الحيوي، و”شافلر” (Schaeffler AG) لصناعة مكوّنات السيارات، و”هوختيف” (Hochtief AG) للبناء، إذ قفزت أسهمها جميعاً بأكثر من الضعف.
ويرى اقتصاديون أن النمو في ألمانيا مرشح للتسارع خلال العامين الجاري والمقبل، مع امتصاص الشركات لتأثير الرسوم الجمركية، ومع عودة النشاط في قطاعي البناء والتصنيع.
أثر حزم الإنفاق الحكومي
يضاف إلى ذلك تدفّق محتمل للسيولة من حزمة إنفاق على البنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو، إلى جانب زيادة النفقات العسكرية الرامية إلى ردع روسيا. وبحسب وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل، قد يصل إجمالي هذه الإجراءات مجتمعة إلى أكثر من تريليون يورو.
ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الشكوك بشأن مدى كفاءة إنفاق هذه الأموال. فبينما تعاني ألمانيا من مشكلات تتراوح بين جسور متهالكة وبطء شبكة الإنترنت، يخشى المستثمرون من أن يُستخدم جزء من هذه السيولة في سد فجوات الموازنة أو تقديم إعانات، بدلاً من توجيهها إلى مشاريع جديدة.
وحذّر توم أكيرمانز، مدير المحافظ الاستثمارية في “فيديلتي إنترناشيونال”، من أن موجة الصعود قد تتعرض للانكسار بفعل حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم.
أضاف أكيرمانز: “هناك نطاق واسع من السيناريوهات المحتملة لسوق الأسهم الألمانية في عام 2026″، منبهاً بأنه مع تصاعد مستويات عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، فإن هناك “تزداداً في احتمالات وقوع أحداث عالية المخاطر قد تؤثر في عوائد المستثمرين بدرجة تفوق المعتاد”.
رغم ذلك، وفي ضوء سوق صاعدة، تبقى المقومات مهيأة لتحقيق مزيد من التفوق لأسهم الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة.
استفادة أكبر للشركات الصغيرة من نمو اقتصاد ألمانيا
من المرجّح أن يفيد الإنفاق الحكومي الشركات الصغيرة بدرجة أكبر من الشركات الكبرى، إذ إن الشركات القيادية المدرجة في مؤشر “داكس” لا تحقق سوى نحو 20% من إيراداتها داخل السوق المحلية، مقارنة بنسبة 33% لشركات مؤشر “إم داكس”.
كما أن التقييمات الحالية قد لا تعكس بعد الحجم الكامل للإنفاق الموعود. فعلى سبيل المثال، يبلغ مكرر الربحية لمؤشر “إم داكس” مستويات قريبة من أدنى مستوياته منذ عام 2009 مقارنة بالمؤشر القيادي، ما يترك مجالاً واسعاً لمزيد من التفوق في الأداء. ويتوقع “دويتشه بنك” أن يحقق كلا المؤشرين نمواً في الأرباح برقم من خانتين.
وقال أولريش أوربان، رئيس استراتيجية الأصول المتعددة والبحوث في “بيرينبرغ”: “لا تزال الأسهم الألمانية جذابة من وجهة نظرنا، ويُعد مؤشر إم داكس الخيار الأفضل للتعرّض الاستثماري”.








