وصف جون د. روكفلر، عراب صناعة النفط الحديثة، تكتيكه المتمثل في خفض أسعار النفط عمداً ودفع أسهم منافسيه إلى الانهيار بأنه “جهد مضن“.
بعد ذلك بوقت قصير، كان يشتري الأسهم بأسعار زهيدة.
وعلى مدى القرن التالي، كانت إحدى الحقائق القليلة المؤكدة في الاستثمار في قطاع النفط، هي أن انخفاض أسعار النفط الخام يضر بشركات النفط الكبرى.
وظل هذا صحيحاً حتى العام الماضي، عندما ارتفعت أسهم شركات النفط بينما انخفض سعر برميل النفط الخام بحدة.
بالنسبة لبعض المستثمرين، مثّل ذلك بداية نموذج جديد.
لم أكن مقتنعاً تماماً بهذا الأمر، والآن بدأت تظهر بوادر الخلل: لا يبدو أن القطاع قادر على الحفاظ على تفوقه على سوق السلع.
ويرجح أن نشهد لحظة حاسمة في عام 2026.
العام الماضي، انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو المعيار الأمريكي لأسعار النفط، وخام “برنت” نظيره الأوروبي، بنحو الخمس.
لكن أسهم أكبر شركات النفط العالمية، ومنها ”إكسون موبيل“ و“شيفرون“ و“شل“ و“توتال إنيرجيز“ و“بي بي“، ارتفعت بنسب تتراوح بين 4% و18%.
يعزى هذا الأداء الاستثنائي إلى قطاع يدار، في نواح عديدة، على غرار شركة ”ستاندرد أويل“ التي كان يملكها روكفلر قبل قرن.
اشتهر قطب النفط الأمريكي بحرصه الشديد على ضبط التكاليف بدقة متناهية، حتى آخر سنت.
على سبيل المثال، كان موظفوه يستخدمون آلات تطبق 40 قطرة لحام لإغلاق أغطية عبوات الكيروسين سعة خمسة جالونات.
سأل روكفلر خلال جولة تفتيشية: “هل جربتم 38 قطرة؟“.
رغم أن العدد الذي اقترحه لم يكن كافياً – إذ كانت بعض العبوات تسرّب حتماً – إلا أن التجارب أثبتت أن 39 قطرة كانت كافية دائماً.
حققت تلك القطرة الواحدة من لحام القصدير وفورات في التكاليف بلغت 2500 دولار في السنة الأولى، أي ما يعادل حوالي 100 ألف دولار بأسعار اليوم.
خفض النفقات المتكررة عبر تسريح موظفين
يركز المسؤولون التنفيذيون في شركات النفط اليوم بشكل مماثل على توفير مليارات الدولارات من النفقات المتكررة، وذلك في بعض الحالات عن طريق تسريح عدد كبير من الموظفين.
في أبرز هذه الخطوات، أعلنت كل من ”شيفرون“ و“شل“ عن خطط لخفض عديد موظفيهما بنسبة واحد من كل خمسة.
عبر خفض الإنفاق على العمليات اليومية والمشاريع الجديدة، تمكنت الشركات من تعويض أثر انخفاض أسعار السلع.
كما أسهم ارتفاع الإنتاج في ذلك.
تشير البيانات بوضوح إلى أنه يُتوقع أن تحقق أكبر خمس شركات نفط عالمية تدفقات نقدية حرة – أي الفارق بين التدفقات النقدية والنفقات – تقارب 96 مليار دولار في عام 2025، عندما كان متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط أقل بقليل من 65 دولاراً للبرميل.
هذا الرقم يكاد يكون مماثلاً لما كان عليه في عام 2008، عندما تجاوز متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط 99 دولاراً خلال طفرة أسعار السلع.
مع ازدياد التدفقات النقدية الحرة، يتمكن المسؤولون التنفيذيون في شركات النفط من رفع توزيعات الأرباح ودعم برامج إعادة شراء الأسهم الضخمة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، حتى في ظل انخفاض أسعار السلع، كما هو الحال الآن.
ما هي النتيجة؟
يعيد المستثمرون تقييم أسهم شركات النفط الكبرى.
التوقيت مثالي: لم يعد الوقود الأحفوري مكروهاً اليوم كما كان قبل خمس سنوات، وهذا يعني أن مزيداً من المستثمرين مستعدون لشراء أسهم شركات النفط حتى في ظل انخفاض أسعار النفط الخام.
اقتراض لدعم توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم
يتمتع القطاع بدعم إضافي: ويأتي هذا التراجع الدوري بعد أن استغلت شركات النفط الكبرى المكاسب غير المتوقعة من أسعار السلع في الفترة من 2021 إلى 2023، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لخفض ديونها.
وباستثناء ”بريتيش بتروليوم“، تمكنت جميع شركات النفط الكبرى من إعادة الاقتراض لدعم توزيعات الأرباح وبرامج إعادة شراء الأسهم – إلى حد معين.
لكن الانضباط المالي وخفض الديون وحدهما لن يضمنا استدامة أسهمها إلى الأبد.
ما يزال الوقت مبكراً، لكن حتى الآن هذا العام، بلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط 58 دولاراً للبرميل، وهو أقل بكثير من حوالي 75 دولاراً للبرميل في الأسبوعين الأولين من عام 2025، ما يشير إلى مزيد من التراجع في التدفقات النقدية الحرة للقطاع.
تتفاقم المشكلة مع انخفاض أسعار الغاز الطبيعي في الوقت نفسه، بالإضافة إلى ضعف هوامش الربح في قطاعي التكرير والبتروكيماويات.
وبالنظر إلى كل هذه العوامل مجتمعة، يصعب تصور كيف يمكن لشركات النفط الكبرى الحفاظ على أدائها المتميز هذا العام إذا استمر ركود أسعار النفط، كما أتوقع.








