شرعت صناعة الألومنيوم الصينية، الأكثر تلويثا للبيئة في البلاد، في المضي قدما في مسيرة بيئية خضراء طويلة حيث نقلت ملايين الأطنان من إنتاجها من مناطق الفحم الشمالية التي بقيت معقلا لها على مدار سبعة عقود إلى مناطق في جنوب وغرب البلاد غنية بالطاقة المتجددة.
وأبرزت صحيفة (فايننشال تايمز) البريطانية، في تقرير مفصل لها عن صناعة الألومنيوم في الصين، أن إنتاج البلاد من “الألومنيوم الإلكتروليتي”، وهو المنتج الرئيسي للقطاع، قد بلغ 43.8 مليون طن في عام 2024، ما يمثل حوالي 60% من إجمالي الإنتاج العالمي ، حسب أرقام الصناعة المحلية الصينية.
وأشارت إلى أنه مع ذلك وبعد موجة من عمليات النقل في السنوات الأخيرة، يأتي 13 مليون طن من هذه الطاقة الإنتاجية- أي حوالي 30%- الآن من مصاهر جديدة في مناطق تتمتع بالطاقة النظيفة وتكاليف تطوير منخفضة في مقاطعات يونان، وسيتشوان، وشينجيانغ، ومنغوليا الداخلية.
“الألومنيوم الإلكتروليتي”، هو ألومنيوم يُستخلص صناعياً من خلال التحليل الكهربي لأكسيد الألومنيوم (الألومينا) المذاب في كريوليت منصهر، لفصل الألومنيوم عن الأكسجين.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن المشروع الضخم لنقل إنتاج الألومنيوم، الذي استمر لسنوات وبلغت تكلفته مليارات الدولارات، يساعد على خفض انبعاثات الكربون في أحد أكثر الصناعات تلويثًا للبيئة في العالم.
ويعتقد المحللون أن نجاح قطاع الألمنيوم سيُشكل نموذجاً يحتذى به لبكين لتطبيق قيود إنتاج أكثر صرامة وتبادل القدرات الإنتاجية في قطاعات أخرى.
ونقلت “فايننشال تايمز” عن رئيسة قسم الصين في مركز أبحاث الطاقة “ترانزيشن آسيا” إيزادورا وانغ قولها: “في الصين، يُطبَق نظام تجريبي دائماً: تبدأ التجربة في مدينة أو مقاطعة، وإذا نجحت، تعمم على المستوى الوطني، وينطبق الأمر نفسه على القطاعات الأخرى”.
وأضافت: “كان قطاع الألمنيوم الأكثر نجاحاً في تطبيق سياسة تبادل القدرات الإنتاجية، ولكن إذا ثبتت جدواها وفعاليتها، فستستخدمها قطاعات أخرى ذات أوجه تشابه”.
وقد تسارعت وتيرة التغيير منذ عام 2017، عندما حددت الحكومة الصينية سقفاً سنوياً للإنتاج المحلي عند 45.5 مليون طن ، وفي العام التالي، حظرت بكين إنشاء طاقات صهر جديدة في أجزاء من البلاد تخضع بالفعل لإجراءات صارمة للحد من تلوث الهواء.
وفي عام 2020، حدد الرئيس الصيني شي جين بينج، هدفاً للصين يتمثل في بلوغ ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030، والوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2060.
وبالتالي، تعني هذه القواعد مجتمعةً أن الشركات التي تبني مصاهر جديدة في الجنوب والغرب باتت ملزمة أيضاً بإيقاف تشغيل طاقة مماثلة في مراكزها الشمالية التقليدية، حيث تعتمد على الكهرباء المولدة من الفحم.
واليوم، تحت سماء صافية في مقاطعة يونان جنوب غرب البلاد، يلوح في الأفق مستقبل صناعة لطالما أسهمت بنسبة 5% من انبعاثات الكربون في الصين.
يمتد المجمع الصناعي في مدينة ونتشان الصغيرة على مساحة عدة كيلومترات مربعة، ويضم مصاهر جديدة تستهلك كميات هائلة من الطاقة، وتنتج سبائك وقضبان بالغة الأهمية لكل شيء، من السفن والهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة.
وعلى مقربة من هذا المجمع، تمتد شبكة واسعة من خطوط نقل الطاقة عالية الجهد، تنقل الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية في المنطقة، كما تُغطى التلال المحيطة إما بألواح الطاقة الشمسية وإما تعلوها توربينات الرياح.
ويقول رئيس بلدية وِنشان لي جياوين، لأعضاء الصناعة المحليين في فعالية حضرتها صحيفة “فايننشال تايمز”: “تشهد صناعة الألمنيوم في الصين تحولاً عميقاً ومنهجياً”.
وأضاف: “تتحول المنافسة الصناعية من صراع على الحجم والتكلفة إلى منافسة شاملة على المزايا “الخضراء” و”منخفضة الكربون”.
وأفاد مسؤولون بأنه تم وضع خطط لإنشاء خط سكة حديد جديد بحلول عام 2030 تقريباً، يربط المنطقة الصناعية بالعملاء في الصين وفيتنام ولاوس المجاورتين.
وتتوقع شركة “تشاينا هونجتشياو”، أكبر مجموعة ألمنيوم خاصة في البلاد من حيث حجم الإنتاج، الانتهاء من مصهرها الثاني في وِنشان هذا العام، ولدى اكتماله، ستصل طاقة عملياتها في يونان إلى 4 ملايين طن سنوياً، أي ما يزيد قليلاً عن 60% من إجمالي إنتاجها، وهو ما يعادل إجمالي إنتاج الولايات المتحدة من الألمنيوم.
لم تُفصح شركة “هونجتشياو”، ومقرها شمال شرق شاندونج، عن أرقام استثمارية محددة لنقل عملياتها إلى يونان..ومع ذلك، ووفقا لبيانات الشركة، بلغت ميزانية مصهريها الجديدين 45.6 مليار يوان صيني (بما يعادل نحو 6.5 مليار دولار أمريكي).
وأشار عرض تقديمي للشركة إلى أن عملية النقل، إلى جانب الاستثمارات في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في شاندونج ويونان، ستُخفِض نحو ثلثي انبعاثات الكربون للشركة.
وقد جاءت دوافع إضافية لعمليات النقل من السياسات البيئية في بروكسل. إذ تعني آلية تعديل الكربون الحدودية للاتحاد الأوروبي أن الواردات المستقبلية من منتجات مثل الصلب، والألومنيوم، والأسمنت، والأسمدة، ستخضع لضريبة الكربون.
أما داخل الصين، فقد أثارت سياسة النقل تساؤلات حول جدوى المناطق الصناعية المتدهورة في الشمال، والتي تهدد بالتخلف عن ركب التحول الأخضر.
وقالت شركة “هونجتشياو” إن هذه الخطوة ستُعزز تطوير وإنتاج منتجات ذات قيمة أعلى وحجم إنتاج أقل في شاندونج.
ويتملك دعاة حماية البيئة القلق أيضاً من أن استثمارات بعض المجموعات الصينية في إندونيسيا لتأمين المواد الخام القائمة على “البوكسايت” – وهو مادة خام أساسية للألمنيوم تفتقر الصين إلى إمداداتها- تدعم نمو توليد الكهرباء بالفحم في هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا.
وقد أشار محللون من “بنك آي إن جي” الهولندي في ديسمبر إلى أن إنتاج الألومنيوم في الصين اقترب كثيراً من الحد الأقصى الذي فرضته بكين على نفسها، وهو 45 مليون طن، مما أبقى الأسعار العالمية مرتفعة ودفع الشركات الصينية إلى توسيع طاقتها الإنتاجية في الخارج.
كما سلطت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، ومقرها الولايات المتحدة، الضوء في تقرير لها عام 2024 على كيف أن زيادة نسبة إنتاج الألومنيوم في شينجيانج تزيد من خطر تورط سلاسل إمداد الشركات متعددة الجنسيات في حملة القمع التي تشنها بكين منذ فترة طويلة في المنطقة.
أدت استراتيجية خفض الانبعاثات الكربونية إلى منافسة حادة بين الحكومات المحلية الصينية التي تعاني ضائقة مالية، حيث تتنافس كل منها بشدة على جذب الاستثمارات.
تُظهر مواد ترويجية إعلامية رسمية من منغوليا الداخلية ويونان، التي راجعتها صحيفة “فايننشال تايمز”، عدداً من الحكومات وهي تقدم دعماً سياسياً يشمل إعفاءات ضريبية، ودعماً للبحث والتطوير، وتوفيراً للكهرباء والمياه والغاز والأراضي بأسعار زهيدة.
قالت شين شيني، رئيسة فريق الصين في “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف”، وهو مركز أبحاث أوروبي، إن انخفاض أسعار الطاقة يُعد “عاملاً مهماً” للشركات عند اختيار مواقع جديدة.
وفي عرضٍ قدّمه لأعضاء القطاع في ديسمبر، قال نائب سكرتير لجنة الحزب الشيوعي في “الجمعية الصينية لصناعة المعادن غير الحديدية”، فان شونكه، إن استراتيجية نقل المصانع ووضع حدود للإنتاج يعني أن انبعاثات صناعة الألومنيوم في الصين قد بلغت ذروتها في عام 2024.
وأشاد بأن الصين تفتخر الآن بامتلاكها النظام البيئي “المتكامل” الوحيد في العالم للألومنيوم.. مشيراً إلى أن هناك أكثر من 20 مجمعاً صناعياً على مستوى البلاد، لا تقتصر على مصاهر المعادن فحسب، بل تشمل أيضاً مرافق لإنتاج البوكسايت وأقطاب الكربون المعالجة حرارياً.
وقال فان: “الولايات المتحدة لا تمتلك هذا النظام، وأوروبا أقل قدرةً منه، والشرق الأوسط يسعى لبناء نظام مماثل”.








