بعد أكثر من عقدين من العمل في قيادة عمليات التصنيع والسلع الاستهلاكية عبر أسواق متعددة داخل مصر وخارجها، أستطيع القول بثقة إن صناعة مستحضرات العناية الشخصية في مصر لم تعد قطاعًا تقليديًا قائمًا على تلبية الطلب المحلي فحسب، بل أصبحت مرشحة لتكون إحدى ركائز التحول الصناعي والتصديري في الاقتصاد المصري. ما نشهده اليوم هو انتقال حقيقي من مفهوم “الإنتاج منخفض التكلفة” إلى مفهوم “المنصة الصناعية المتكاملة القادرة على المنافسة عالميًا”.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن حجم سوق مستحضرات التجميل والعناية الشخصية في مصر بلغ نحو 1.3 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بتضاعف حجم السوق ليقترب من 3 مليارات دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بنمو الطلب المحلي، وتوسع التجارة الإلكترونية، وتغير أنماط الاستهلاك. وعلى مستوى أوسع، تشير بيانات السوق إلى أن إجمالي قطاع الجمال والعناية الشخصية في مصر قد يتجاوز 7.5 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعكس اتساع القاعدة الاستهلاكية وارتفاع الوعي بالمنتجات ذات الجودة الأعلى. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل دليل واضح على أن السوق المصرية أصبحت لاعبًا مهمًا في خريطة المنطقة.
تمتلك مصر مجموعة من المزايا التنافسية التي تؤهلها للعب دور أكبر في هذا القطاع. الموقع الجغرافي الاستراتيجي يمنح المصنعين قدرة على النفاذ السريع إلى أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط بتكاليف لوجستية تنافسية. كما أن القاعدة الصناعية المصرية شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومة ببنية تحتية أفضل ومناطق صناعية متطورة. إلى جانب ذلك، تتمتع مصر بقوة عمل شابة قادرة على التطور السريع والتكيف مع المعايير الدولية، وهو عنصر حاسم في صناعة تتطلب جودة عالية وانضباطًا تشغيليًا دقيقًا.
خلال مسيرتي المهنية، اعتمدت فلسفة تشغيلية أطلق عليها “من المنبع إلى البيع”، وهي رؤية ترتكز على إدارة سلسلة القيمة بالكامل بصورة مترابطة، بدءًا من تأمين المواد الخام، مرورًا بكفاءة العمليات الصناعية، وصولًا إلى التوزيع والتصدير. هذا النهج لا يركز فقط على زيادة المبيعات، بل على تحسين اقتصاديات الوحدة الإنتاجية وتعزيز الهوامش الربحية وبناء قدرة تصديرية مستدامة. في تجارب سابقة، أسهم هذا النموذج في تحقيق نمو مضاعف للشركات التي قدتها، مع توسع الصادرات إلى أكثر من 30 دولة في أوروبا وآسيا وأفريقيا ودول الخليج، ووصول نسبة التصدير في بعض الحالات إلى 80% من إجمالي الإنتاج، مع رفع نسبة المكون المحلي إلى نحو 65%.
السوق المحلية تمثل نقطة الانطلاق الأساسية لأي استراتيجية توسعية. فارتفاع الوعي لدى المستهلك المصري، وزيادة الطلب على منتجات آمنة وعالية الجودة، خلقا بيئة تنافسية تدفع الشركات إلى تحسين منتجاتها باستمرار. كما أن نمو التجارة الإلكترونية غيّر قواعد اللعبة، إذ بات بإمكان العلامات التجارية المصرية الوصول مباشرة إلى المستهلكين داخل مصر وخارجها، دون الاعتماد الكامل على القنوات التقليدية.
لكن الطريق نحو التحول الكامل إلى منصة تصديرية إقليمية لا يخلو من تحديات. ما زالت بعض المواد الخام الأساسية تعتمد على الاستيراد، ما يعرض الصناعة لتقلبات سعر الصرف وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن المنافسة مع العلامات التجارية متعددة الجنسيات تفرض ضرورة الاستثمار في البحث والتطوير وبناء علامات تجارية قوية ذات هوية واضحة. كذلك يتطلب التوسع الخارجي التزامًا صارمًا بالمعايير التنظيمية والصحية في الأسواق المستهدفة، وهو ما يفرض على الشركات المصرية تطوير أنظمة جودة متقدمة.
الاستدامة أصبحت عنصرًا جوهريًا في معادلة التنافس الدولي. الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية، لم تعد تكتفي بجودة المنتج فقط، بل تنظر أيضًا إلى طريقة تصنيعه، وكفاءة استخدام الطاقة، وأثره البيئي. لذلك فإن الاستثمار في التصنيع الموفّر للطاقة، وتقليل الانبعاثات، وتبني ممارسات توريد مسئولة، لم يعد خيارًا تجميليًا بل ضرورة اقتصادية تضمن استمرار النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
ويبقى العنصر البشري هو المحرك الأساسي لكل تحول صناعي حقيقي. تطوير المهارات الفنية، وإصلاح منظومة التعليم الفني والتدريب المهني، وبناء قيادات صناعية قادرة على إدارة النمو المعقد، تمثل جميعها عوامل حاسمة في مستقبل الصناعة. تجربتي كمدرب تنفيذي معتمد تؤكد أن التحول المؤسسي لا يبدأ بالآلات أو المصانع، بل يبدأ بالعقلية القيادية القادرة على وضع رؤية واضحة وتنفيذها بانضباط واستمرارية.
أؤمن بأن صناعة العناية الشخصية في مصر تقف اليوم أمام فرصة تاريخية. إذا نجحنا في تعميق التصنيع المحلي، وتعزيز التكامل بين سلاسل القيمة، والاستثمار في الكفاءات البشرية، يمكن لهذا القطاع أن يتحول إلى رافعة حقيقية للصادرات الصناعية، ومصدر مستدام للعملة الأجنبية، ومحرك رئيسي لخلق فرص العمل.
التحول الصناعي ليس سباقًا قصيرًا، بل هو ماراثون طويل يتطلب رؤية واستمرارية وانضباطًا. لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن مصر تمتلك كل المقومات اللازمة. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرتنا على تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة، تضع صناعة العناية الشخصية المصرية في موقع تنافسي متقدم على الخريطة الإقليمية والعالمية.







