أتاح قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء العديد من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب قدراً من الارتياح للمكسيك وكندا، غير أن مخاطر أوسع نطاقاً لا تزال تُلقي بظلالها على العلاقة التجارية التي تربط الدول الثلاث.
قال الرئيس الأمريكي في فترة بعد الظهر إن بلاده ستفرض رسماً نسبته 10% على البضائع الأجنبية بموجب قانون آخر، قبل أن يستغرق البيت الأبيض عدة ساعات لتوضيح أنه سيُبقي إعفاءً سارياً على العديد من البضائع المشحونة بموجب اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
هذا الاستثناء يعني تراجع المعدل الفعلي للرسوم الجمركية المفروضة على كندا والمكسيك. وحتى صدور قرار المحكمة، كانت السلع التي لا تستوفى شروط الإعفاء بموجب اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تخضع لرسوم قدرها 35% إذا كانت واردة من كندا، و25% إذا كانت قادمة من المكسيك.
أهمية اتفاق التجارة بين المكسيك وكندا وأمريكا
بالنسبة إلى المكسيك وكندا، قدمت التطورات الأخيرة دليلاً إضافياً على أهمية الاتفاق التجاري الثلاثي الذي وُقع خلال الولاية الأولى لترمب. غير أن امتعاض الرئيس من قرار المحكمة يرفع من احتمالات سعيه إلى إدخال تعديلات جذرية على الاتفاقية التجارية أو حتى إلغائها بالكامل، في إطار مساعيه للحصول على عائدات الرسوم الجمركية.
يتيح الاستثناء المنصوص عليه في اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لواشنطن مواصلة استيراد النفط وموارد أخرى من كندا والمكسيك دون فرض رسوم جمركية، كما يحد من اضطرابات أوسع في تجارة مدخلات التصنيع الأساسية، مثل قطع غيار السيارات.
وعندما سُئل الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير عن الإعفاءات القائمة، أوضح أن البيت الأبيض يسعى إلى “استمرارية” تطبيق نظام الرسوم الجمركية الجديد، المقرر دخوله حيز التنفيذ في 24 فبراير، بالتزامن مع خطاب حالة الاتحاد الذي يلقيه ترمب أمام الكونغرس.
ردود فعل حذرة على قرار العليا الأمريكية
اتسم رد فعل البلدين بالحذر إزاء قرار المحكمة العليا الأمريكية. فقد قال وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إبرارد إنه يعتزم التواصل مع نظرائه في واشنطن، إلى جانب التوجه إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل لبحث القضايا التجارية.
وفي كندا، أوضح وزير التجارة المسؤول عن الملف الأمريكي دومينيك لوبلان أن قرار القضاة عزز موقف بلاده الذي يرى أن الرسوم المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية الأمريكي كانت “غير مبررة”. ولم تُدلِ حكومة أوتاوا بتصريحات أخرى.
أدوات ضغط بديلة ضد المكسيك وكندا
لا تزال الرسوم الجمركية العقابية سارية على الصلب والألمنيوم والسيارات وفئات أخرى. ويُدرك المسؤولون في المكسيك وكندا أنه حتى مع استبعاد اللجوء إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، فإن إدارة ترمب مستعدة لاستخدام أدوات أخرى لتحقيق أفضلية عليهم.
في هذا السياق، قال باري أبلتون، محامي التجارة الذي قدم استشارات لحكومات، من بينها مقاطعتا أونتاريو وكولومبيا البريطانية في كندا، إن “الرئيس لم يفقد نفوذه، بل فقد أداة واحدة فقط”.
وأضاف أبلتون: “سنشهد تسليح مجموعة متنوعة من الأدوات التي لم يُتصوَّر يوماً استخدامها بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، لأن الرئيس لا يريد اللجوء إلى الكونجرس”.
ترسانة الرسوم الجمركية
قبل تطورات يوم الجمعة، كان المعدل الفعلي للرسوم الأمريكية المفروضة على السلع الكندية يناهز 3.7%، وفق تقديرات الخبير الاقتصادي رويس مينديز من شركة “ديجاردان” (Desjardins). أما المنتجات المكسيكية، فبلغ المعدل الفعلي نحو 4.4%، بحسب مجموعة “غروبو فينانسيرو باسي” (Grupo Financiero Base). ومن المتوقع أن ينخفض المعدل قليلاً لكلا البلدين.
لكن ترامب لطالما فضل فرض رسوم جمركية، لأسباب اقتصادية وسياسية خارجية، ولا تظهر مؤشرات على أنه يعتزم التراجع عن هذا النهج.
بهذا الصدد، قال دييغو ماروكين، الزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies) بواشنطن، إن “إدارة ترامب تمتلك ترسانة واسعة من أدوات السياسة التجارية، لكن ما لا نعرفه هو ما الذي سيحدث مع المكسيك وكندا”.
وأضاف ماروكين أن “الإدارة قد تلجأ إلى توسيع نطاق تطبيق المادة 232، ما سيؤدي إلى إخضاع عدد أكبر من الصادرات المكسيكية والكندية لرسوم جمركية إضافية”. علماً بأن هذه المادة هي نفسها من قانون التجارة الأمريكي الذي يُستند إليه حالياً في فرض الرسوم الجمركية على المعادن وصناعة السيارات.
وخلال مؤتمر صحفي، أشار ترامب إلى فقدان وظائف في قطاع السيارات كأحد المبررات الرئيسية لنهجه الجمركي، قائلاً: “كنا نصنع السيارات، كنا نصنع كل السيارات، ثم جاءت المكسيك، وجاءت كندا، ثم اليابان وألمانيا”.
مستقبل اتفاقية التجارة بين أمريكا والمكسيك وكندا
قال ماروكين إن تمديد اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا قد يصبح أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الدول الثلاث، في وقت يخضع فيه الاتفاق للمراجعة هذا العام، وسط إشارات واضحة من البيت الأبيض إلى رغبته في إدخال تعديلات عليه. وذكرت “بلومبرغ” أن ترمب سأل مساعديه بشكل سري عن جدوى الاستمرار في الاتفاق.
وأضاف ماروكين أن “الأمر أشبه بإلقاء المزيد من الحطب على النار، فهو يجعل التجارة مع الولايات المتحدة أكثر إيلاماً بالنسبة إلى المكسيك وكندا حتى لو التزمتا ببنود الاتفاقية التجارية”.
وسيؤدي إنهاء الاتفاقية إلى توجيه ضربة قاصمة لاقتصادي المكسيك وكندا، اللذين يعتمدان بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في الصادرات والواردات على حد سواء.
وفي موازاة ذلك، وجه ترمب مكتب غرير لبدء تحقيقات استناداً إلى سلطته بموجب المادة 301، وفق ورقة حقائق صادرة عن البيت الأبيض. وتتطلب الرسوم المفروضة بموجب هذه المادة إجراء تحقيقات منفصلة لكل دولة، تشمل جلسات استماع وإتاحة المجال أمام الشركات أو الدول المتضررة لتقديم ملاحظاتها.








