خلال حملته الانتخابية، أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تحول جذري مقارنة بتشجيع القادة السابقين للتجارة مع الصين، إذ حذّر قادة الأعمال من توسيع الاستثمارات هناك، ونبّه إلى عدم التعويل على دع ىم حكومي إذا سارت الأمور على نحو خاطئ.
غير أن الجاذبية الاقتصادية تثبت صعوبة الإفلات منها، بما يتناقض مع حديث برلين عن “تقليص المخاطر” في التعامل مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فقد بلغ الاستثمار الألماني في الصين أعلى مستوى له خلال أربع سنوات في 2025، كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى ألمانيا، في حين تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين.
هذا التنافر بين مواقف ميرتس المتشددة، ومتانة الروابط الاقتصادية الصينية-الألمانية، والاضطرابات الجيوسياسية، سيجعل أول زيارة حكومية له إلى الصين الأسبوع المقبل معادلة دقيقة: فالصين تُعد منافساً استراتيجياً وشريكاً تجارياً أساسياً في آن واحد. ورغم سعيه لبناء علاقة شخصية مع نظيره الصيني شي جين بينغ، فإن ميرتس أقل ميلاً للثقة ببكين، في وقت يبتعد فيه شريكه المفضل، الولايات المتحدة، عن أوروبا.
قال ميكو هووتاري، المدير التنفيذي لمركز الأبحاث المتخصص في شؤون الصين “ميركس”، في إحاطة مع الصحفيين: “ما نتجه إليه هو انكشاف أكثر منهجية على الصين في المرحلة المقبلة، وليس أجندة تقليص مخاطر بصورة منظمة. هناك بالتأكيد خطر إعادة تعميق المخاطر بدلاً من تقليصها”.
زيارة إلى واشنطن لتجنب الصدام
ومن المقرر أن يتوجه ميرتس إلى واشنطن بعد أربعة أيام فقط من عودته من بكين، في مسعى لتجنب صدام مع البيت الأبيض الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، والذي جعل العداء للاتحاد الأوروبي ركناً أساسياً في سياسته الخارجية. عندما زار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الصين في يناير، هدده دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إذا وقّع اتفاقاً تجارياً. كما وبّخ مسؤولون أميركيون نظراءهم الألمان على نحو غير علني لعدم تشددهم بما يكفي تجاه الصين.
“المستشار يدرك الأهمية السياسية والاستراتيجية لهذه الزيارة الأولى إلى بكين”، بحسب نيكولا تسّيبيليوس، عضو البرلمان عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميرتس. وأضاف أن “الهدف هو تعديل سياسة ألمانيا تجاه الصين بما يمكّن ألمانيا قوية من توجيه الدفة داخل أوروبا والدفاع عن المصالح المشتركة بشكل موحد”.
ويرى أشخاص ناقشوا الملف مع ميرتس أنه أكثر واقعية من أسلافه، في انعكاس لمخاوف أوسع بشأن علاقة تميل في اتجاه واحد. فالاقتصاد الألماني يفقد نحو 10 آلاف وظيفة صناعية شهرياً، ويواجه ما يسميه بعض الاقتصاديين “الصدمة الصينية الثانية”.
وقال ميرتس هذا الشهر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن: “الصين تستغل بشكل منهجي اعتماد الآخرين عليها. فالمواد الخام والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد تتحول إلى أدوات قوة في لعبة صفرية بين الكبار”.
القيود الصينية على المعادن الأرضية محل نقاش
ومن بين مصادر الإزعاج الخاصة التي يرجّح أن يناقشها ميرتس مع شي، القيود الصينية على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. فجزء بسيط فقط من الكميات التي تطلبها الشركات يُسلّم فعلياً من الموردين الصينيين، وذلك حتى بعد موافقة بكين على إصدار ما يُعرف بتراخيص عامة لتسهيل التجارة في تلك المواد، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
وسيكون المستشار مصحوباً بأحد أكبر الوفود التجارية التي سافرت على متن طائرة حكومية ألمانية، ويضم شركات السيارات الكبرى، إضافة إلى ممثلين عن شركات وقطاعات أخرى تعاني من المنافسة مع الصين.
وسعى مسؤولون صينيون إلى تمهيد الطريق للاجتماع الشخصي الأول بين المستشار المحافظ وشي. ففي مقال رأي بصحيفة “هاندلسبلات”، أشاد السفير الصيني لدى برلين دنغ هونغبو بالعلاقات التجارية، ودعا الحكومة الألمانية إلى إعادة النظر في استراتيجيتها.
وكتب هونغبو: “يدعو البعض إلى تقليص المخاطر وتقليل الاعتماد على الصين. المخاوف الأمنية مفهومة لكل دولة، لكن تعريف الأمن يحتاج أيضاً إلى حدود عقلانية”.
حرب أوكرانيا وتايوان قضايا خلافية بين برلين وبكين
وفي حين أوضح ميرتس داخلياً أنه سيتناول مع شي القضايا الخلافية، بما في ذلك دعم بكين العسكري لآلة الحرب الروسية، فإن حكومته شعرت بالفعل بتداعيات الاقتراب من أكثر الملفات حساسية لدى الصين: تايوان.
فقد أدت تصريحات وزير الخارجية يوهان فاديفول القوية دعماً لليابان وتايوان إلى إلغاء الجانب الصيني بعض الاجتماعات الرفيعة المخطط لها، وانتهى الأمر بتأجيل الزيارة إلى بكين من أكتوبر إلى ديسمبر.
وخلال فعالية انتخابية مساء الأربعاء في مدينة ترير بغرب ألمانيا، تطرق ميرتس بإيجاز إلى السلوك الصيني المتشدد في البحار.
وقال: “نرى فجأة أن الصين، وعلى غير ما كان عليه الحال خلال ثلاثة آلاف عام من تاريخها، توسّع قواعدها البحرية بشكل عدواني في بحر الصين الجنوبي، وتحاصر تايوان، وتعلن صراحة استعدادها لاستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر لتحقيق ما تسميه إعادة توحيد الصين. وفي قلب كل ذلك نقف نحن الأوروبيين، ونحن الألمان”.








