عندما نتحدث عن الشركات الناشئة، يذهب التفكير غالبًا إلى قصص النجاح: “شركة بدأت من فكرة صغيرة ثم تحولت إلى اسم كبير، أو مؤسس بدأ من الصفر وانتهى بجولة استثمارية ضخمة أو تخارج لافت”.
لكن الحقيقة، أن الفشل في عالم الشركات الناشئة أكثر شيوعًا بكثير من النجاح، وهذا ليس أمرًا غريبًا، لأن هذا العالم بطبيعته قائم على التجربة والمخاطرة وعدم اليقين.
المشكلة ليست في أن بعض الشركات تفشل، بل في أن كثيرًا من حالات الفشل كان يمكن تقليلها أو حتى تجنبها لو تم فهم أسبابها مبكرًا.
من واقع خبرتي في الاستثمار والعمل مع مؤسسين وشركات في مراحل مختلفة، أرى أن فشل الشركات الناشئة نادرًا ما يكون بسبب عامل واحد فقط.
في العادة، يكون نتيجة مجموعة من الأخطاء أو الاختلالات التي تتراكم مع الوقت: منتج لا يحل مشكلة حقيقية .. سوق لم يتم فهمه جيدًا .. إنفاق أسرع من اللازم .. فريق غير متوازن .. خلافات بين المؤسسين.. أو توسع قبل الأوان.
ومع الوقت، تتحول هذه المشكلات من تفاصيل صغيرة إلى أزمة كبيرة يصعب احتواؤها.
أول وأهم سبب لفشل الشركات الناشئة هو غياب الحاجة الحقيقية في السوق، كثير من الشركات تبدأ بفكرة تبدو ذكية جدًا، وربما تكون مبنية على منتج جيد أو تقنية متقدمة، لكن السؤال الأهم ليس: هل الفكرة مبهرة؟ بل: هل هناك عميل يحتاجها فعلًا؟ وهل هذه المشكلة مؤلمة بالدرجة التي تدفع العميل لاستخدام الحل والدفع مقابله؟
هذه نقطة أراها كثيرًا، أحيانًا يكون المؤسس ذكيًا جدًا، والعرض التقديمي قويًا، والتنفيذ منظمًا، لكن عند التعمق نكتشف أن الطلب الحقيقي ما زال غير واضح.
المستخدم قد يعجب بالفكرة، لكنه لا يشعر أنها أولوية، أو قد يرى فيها قيمة، لكن ليس لدرجة أن يدفع، وهنا تبدأ المشكلة.
الشركة تواصل البناء والتطوير والإنفاق، بينما السوق لم يعطها بعد الإشارة الحقيقية بأنها تبني شيئًا مطلوبًا فعلًا.
كثير من المؤسسين يقعون في حب الفكرة قبل أن يتأكدوا أن السوق يحبها أيضًا.
يقضون وقتًا طويلًا في بناء المنتج، وتحسين الهوية، وتوسيع الفريق، بينما كان الأجدر أن يقضوا وقتًا أطول في اختبار الحاجة نفسها. فهم العميل في البداية أهم كثيرًا من بناء كل شيء بسرعة، لأن الخطأ في فهم السوق من البداية يجعل كل ما يأتي بعده قائمًا على أساس غير ثابت.
السبب الثاني هو سوء إدارة السيولة، هناك شركات لا تفشل لأن فكرتها ضعيفة، بل لأنها تنفد من الأموال قبل أن تصل إلى مرحلة الاستقرار.
في عالم الشركات الناشئة، الوقت عنصر حاسم، والشركة لا تحتاج فقط إلى المال من أجل النمو، بل تحتاج إليه أيضًا لتشتري وقتًا كافيًا للتجربة والتعلم والتعديل.
وإذا كانت تحرق النقد بسرعة دون انضباط، فقد تجد نفسها مضطرة للتوقف حتى لو كانت تقترب من نموذج ناجح.
ومن واقع ما نراه في السوق، فإن كثيرًا من الشركات تخلط بين النمو الحقيقي والنمو المدفوع بالإنفاق.
من السهل أن تبدو الأرقام جيدة لفترة قصيرة إذا كان هناك صرف قوي على التسويق أو خصومات كبيرة أو توظيف أسرع من اللازم.
لكن السؤال الأهم دائمًا: هل هذا النمو صحي؟ هل الإيرادات تتحسن بطريقة يمكن البناء عليها؟ هل العميل يعود مرة أخرى؟ هل تكلفة الوصول إليه منطقية؟ لأن النمو غير المنضبط قد يبدو جميلًا على الورق، لكنه قد يخفي تحت السطح أزمة حقيقية.
السبب الثالث يتعلق بالفريق المؤسس.. فالفكرة المتوسطة قد تنجح مع فريق ممتاز، لكن الفكرة الممتازة قد تفشل مع فريق غير مناسب.
بناء شركة ناشئة يحتاج أكثر من مجرد الحماس، يحتاج إلى تكامل في المهارات، ووضوح في الأدوار، وقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.
أحيانًا تجد مؤسسًا قويًا جدًا في المنتج، لكن لا يوجد من يفهم المبيعات، أو فريقًا تقنيًا مميزًا، لكن دون شخص يعرف كيف يحول هذا المنتج إلى شركة.
وأحيانًا يكون الجميع موهوبين، لكن لا أحد يريد تحمل المسؤولية التشغيلية اليومية.
وهنا نصل إلى سبب مهم جدًا لا يتم الحديث عنه بما يكفي: “الخلافات بين المؤسسين”.
هذا في رأيي من أكثر الأسباب الخطيرة لفشل الشركات الناشئة، لأنه يضرب الشركة من الداخل، في البداية، تكون العلاقة بين المؤسسين قائمة على الحماس والانسجام والرغبة في البناء.
لكن مع الوقت، ومع ضغط السوق والتمويل والتوظيف والقرارات الصعبة، تبدأ الأسئلة الحقيقية في الظهور: من صاحب القرار؟ من المسؤول عن المنتج؟ من يقود المبيعات؟ من يدير العمليات؟ من له الكلمة الأخيرة في التوظيف أو الاستراتيجية أو جمع التمويل؟
إذا لم تكن هذه الأمور واضحة من البداية، تتحول الخلافات بسرعة من اختلافات صحية إلى مصدر شلل حقيقي داخل الشركة.
ومن واقع خبرتي، من المهم جدًا ألا يختار المؤسس شريكه فقط لأنه صديق أو شخص يرتاح له، بل لأن بينهما تكامل حقيقي واتفاق واضح.
يجب أن تكون هناك مناقشات صريحة من البداية حول الأدوار والمسؤوليات، وتقسيم الملكية، وآلية اتخاذ القرار، والمراحل أو الـ” milestones “التي يسعى إليها كل طرف، وما الذي يحدث إذا تغيرت الظروف أو لم يلتزم أحد بدوره كما يجب.
كذلك من المهم جدًا معرفة أي القرارات يتخذها كل شخص وحده، وأي القرارات يجب أن تكون مشتركة.
كثير من الشركات لا تسقط لأن السوق سيئ أو لأن الفكرة ضعيفة، بل لأن العلاقة بين المؤسسين نفسها لم تُبنَ على وضوح كافٍ منذ اليوم الأول.
السبب الرابع هو التوسع المبكر.. فبعض الشركات تحقق إشارات أولية إيجابية، فتتصرف وكأنها وصلت بالفعل إلى ملاءمة قوية بين المنتج والسوق.
تبدأ في توظيف عدد كبير، أو دخول أسواق جديدة، أو إطلاق خطوط أعمال إضافية، بينما الأساس نفسه ما زال غير ثابت.
التوسع قبل الأوان من أخطر الأخطاء، لأنه يضاعف التعقيد والمصاريف في وقت تحتاج فيه الشركة أصلًا إلى التركيز والتبسيط.
في المراحل المبكرة، النجاح ليس في أن تفعل أشياء كثيرة، بل في أن تعرف ما الذي يجب أن تركز عليه فقط.
الشركة التي لم تثبت بعد من هو عميلها الحقيقي، ولماذا يشتري، وكيف تحتفظ به، لا يجب أن تنشغل بالتوسع السريع.
هذا التسرع يجعل الشركة تبدو أكبر مما هي عليه، لكنه يضعفها بدلًا من أن يقويها.
إذا انتقلنا إلى مصر، سنجد أن هذه الأسباب العامة كلها موجودة، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا بسبب ظروف السوق المحلي.
مصر سوق كبير جدًا، وفيه فرص حقيقية، ومشكلات كثيرة يمكن أن تتحول إلى شركات ناجحة.
لكن في الوقت نفسه، المؤسس في مصر يعمل في بيئة ليست سهلة، هناك ضغوط اقتصادية، وتغيرات في القوة الشرائية، وصعوبة أكبر أحيانًا في التخطيط طويل المدى.
لذلك، الشركة الناشئة في مصر لا تحتاج فقط إلى فكرة جيدة، بل تحتاج أيضًا إلى مرونة عالية جدًا.
في السوق المصري، قد تكون الشركة تبني منتجًا مهمًا فعلًا، لكن العميل نفسه أصبح أكثر حذرًا في الإنفاق.
وقد تكون الشركة تبيع إلى شركات أخرى، لكن دورات البيع تصبح أطول، والقرار أبطأ، والتحصيل أصعب.
وقد تعتمد الشركة على أدوات أو خدمات أو مكونات مستوردة، فتتأثر بسرعة بأي تغير اقتصادي. كل هذا يجعل إدارة الشركة أصعب، خاصة على المؤسسين في المراحل المبكرة.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا: ليس كل فشل في مصر معناه أن الفكرة سيئة .. فأحيانًا تكون الفكرة جيدة، لكن التوقيت صعب.
وأحيانًا يكون المنتج مناسبًا، لكن الشركة لم يكن لديها وقت كافٍ أو تمويل كافٍ لتتحمل الظروف.
وأحيانًا يكون السوق موجودًا، لكن المؤسس بالغ في تقدير سرعة النمو أو قدرة العميل على الدفع، لذلك، الحكم على الشركات الناشئة يجب أن يكون أعمق من مجرد القول إنها نجحت أو فشلت.
كذلك من الملاحظ في السوق المصري أن بعض المؤسسين يخلطون بين وجود مشكلة ووجود فرصة استثمارية.
نعم، هناك مشكلات متعددة في قطاعات مثل التعليم، والصحة، والعقارات، واللوجستيات، والخدمات المالية، وغيرها.
لكن ليست كل مشكلة يمكن تحويلها بسهولة إلى شركة قابلة للنمو والاستثمار، المستثمر لا يبحث فقط عن مشكلة موجودة، بل عن سوق واضح، وعميل مستعد للدفع، ونموذج عمل قابل للاستمرار، وفريق قادر على التنفيذ.
ومن واقع خبرتي، أرى أن الشركات التي تزيد فرص نجاحها في مصر هي الشركات التي تفهم السوق المحلي بعمق، وتتحرك بواقعية، وتعرف كيف تضبط إنفاقها، وتبني شيئًا يحتاجه العميل فعلًا، وليس شيئًا يبدو جيدًا فقط في العروض التقديمية.
كذلك، الشركات التي تنجح عادة هي التي تعرف أن بناء شركة حقيقية أصعب بكثير من جمع التمويل.
التمويل مهم بلا شك، لكنه ليس دليل النجاح النهائي، قد يمنح الشركة وقتًا ومساحة للتجربة، لكنه لا يصنع طلبًا من العدم، ولا يحل مشكلات الفريق، ولا يعوض غياب الانضباط.
إذًن، كيف يمكن للمؤسسين أن يقللوا احتمالات الفشل؟
ثمة خمسة محاور لتقليل احتمالات الفشل، أولها أن يقضوا وقتًا أطول في فهم العميل، ووقتًا أقل في الافتراضات.
وثانيًا، أن يتعاملوا مع السيولة باعتبارها أولوية يومية، لا مجرد ملف مالي جانبي.
اما ثالث المحارو، فهو أن يبنوا فريقًا متوازنًا، وأن يختاروا الشركاء بعناية شديدة.
ورابعًا، أن يحسموا منذ البداية من يفعل ماذا، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف يتم تقسيم الملكية بشكل عادل وواضح.
المحور الخامس والأخير، هو أن يقاوموا إغراء التوسع المبكر، وأن يركزوا أولًا على إثبات الأساس، وأخيرًا، أن يكونوا مستعدين للتعلم والتعديل وتغيير الاتجاه إذا لزم الأمر.
في النهاية، فشل الشركات الناشئة ليس لغزًا، الأسباب معروفة إلى حد كبير، لكن التحدي الحقيقي هو أن ينتبه لها المؤسس مبكرًا، لا بعد فوات الأوان.
وفي مصر تحديدًا، النجاح يحتاج إلى أكثر من فكرة جيدة، يحتاج إلى فهم عميق للسوق، وانضباط مالي، وفريق قوي، واتفاق واضح بين المؤسسين، ومرونة في التعامل مع واقع متغير.
من يملك هذه العناصر، تزيد فرصه، ومن يتجاهلها، قد يكتشف متأخرًا أن المشكلة لم تكن في الفكرة وحدها، بل في طريقة بناء الشركة من البداية.








