تلقي العمليات العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بظلال ثقيلة على اقتصادات المنطقة، لا سيما الاقتصاد المصري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على موارد دولارية حساسة.
فمع كل تصعيد عسكري أو اضطراب جيوسياسي، تتعرض مصادر النقد الأجنبي في مصر لاختبارات قاسية، بدءًا من تراجع حركة السياحة، مرورًا بتأثر إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وصولًا إلى احتمالات تغير تدفقات تحويلات المصريين بالخارج، والضغوط على الصادرات في ظل بيئة دولية غير مستقرة.
هذه التطورات تضع الاقتصاد المصري أمام تحدٍ مزدوج، وهو الحفاظ على استقرار موارده الدولارية في ظل أزمات خارجية متلاحقة، وخلق بدائل أكثر استدامة لتقليل الاعتماد على مصادر شديدة التأثر بالتقلبات السياسية.
متولي: قطاع السياحة يسجل إلغاء حجوزات ورحلات من أوروبا وأمريكا
قال علي متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إحدى شركات الاستشارات في لندن، إنه رغم أن المجال الجوي لمصر يظل بمأمن من الحرب، فإن قطاع السياحة يسجل إلغاء حجوزات ورحلات جوية قادمة من أوروبا وأمريكا، ما يقلل أعداد الوافدين إلى مصر، وبالتالي تأثر إيرادات السياحة كمورد دولاري.
وقفزت إيرادات مصر السياحية إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق العام الماضي، إذ سجلت 24 مليار دولار، بمعدل نمو 57% عن 2024.
واستقبلت مصر خلال العام الماضي 19 مليون سائح، بحسب بيانات صادرة عن وزارة السياحة والاثار، في حين كانت تستهدف
مضاعفة الإيرادات إلى 40.5 مليار دولار بحلول 2030، ورفع متوسط الإنفاق اليومي للسائح بنسبة 45%.
أضاف متولي أن غلق المجال الجوي والمطارات في الدول المتأثرة مباشرة بالحرب والضربات الموجهة لبعض دول الخليج يُزيد من تداعيات الأزمة على القطاع السياحي في مصر، نظرًا لتوقف الرحلات المقبلة منها أو اعتبارها ترانزيت للوصول إلى مصر.
وتوقع أن يظهر انعكاس تأثر قطاع السياحة على الإيرادات خلال القراءات المرتقبة عن فترة الحرب، وقد يستمر ذلك حال استمرار الحرب فترة أطول.
وفيما يخص الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أكد متولي أن الحرب قد تعكس سلبياتها على القطاع، متوقعًا ثبات قيمة الاستثمارات لما حققه العام الماضي، أو أقل نسبيًا في أسوأ الظروف، نتيجة تعاظم تخوفات المستثمرين.
فيما استبعد حدوث تأثير كبير في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، مشيرًا إلى أن أغلب العاملين بدول الخليج يواصلون أعمالهم من المنازل دون اختلال، باستثناء المناطق التي أصابتها ضربات وقذائف، وسط استمرار التحويلات من أوروبا وأمريكا بمعدلها الطبيعي، مشيرًا إلى استمرار استقبال التحويلات عبر القنوات الرسمية ومواصلة اختفاء السوق الموازي.
وسجلت تحويلات المصريين في الخارج خلال يناير الماضي نحو 3.5 مليار دولار، مقارنة بـ 2.9 مليار دولار في يناير 2025، بمعدل نمو 21%.
وقفزت التحويلات إلى 25.6 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام المالي 2025/ 2026، مقابل 20 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بمعدل زيادة 28.4%، بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري.
أشار متولي، إلى أن الفاتورة النهائية لواردات مصر تشهد زيادة نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن والأسعار عالميًا، مؤكدًا أن الدولة يمكنها تذويب تلك الأزمة عبر قصر الاستيراد على السلع الاستراتيجية واستبعاد السلع غير الأساسية لحماية سعر الصرف من الانهيار وتوجيه السيولة الدولارية نحو الأولويات.
أكد متولي، أن قناة السويس تعد من أكثر من الموارد الدولارية تأثرًا خلال فترة الحرب، بسبب تهديدات الحوثيين والتصعيد العسكري بالمنطقة وتحجيم حركة السفن بمضيق باب المندب، مشيرًا إلى وجود توقف تام لبعض السفن بالمنطقة.
وعادت قناة السويس إلى تسجيل نمو سنوي في الإيرادات خلال عام 2025، بعدما بلغت 4.2 مليار دولار مقابل 4 مليارات دولار في 2024، بنمو نسبته 4%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
عبد الحكيم: تصاعد العمليات العسكرية يدفع الأموال الساخنة للتخارج
وقال محمد عبد الحكيم، العضو المنتدب بشركة إنسايت القابضة للاستثمارات المالية، إن تصاعد الحرب، دفع الأسواق إلى موجة تخارج واسعة للأموال الساخنة نحو الملاذات الآمنة، ما تسبب في ضغوط قوية على سعر الصرف.
أضاف أن الضغوط الارتفاعية في تكاليف الشحن وتوقف سلاسل الإمداد العالمية ستنعكس على معدلات التضخم خلال شهري مارس وأبريل، مرجحًا أن هذا المشهد سيدفع البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة، في محاولة للحد من الدولرة وتذويب تداعيات الحرب على وفرة الدولار بالسوق.
وأشار عبد الحكيم إلى أن موارد النقد الأجنبي تواجه عجزاً يتم تقديره بنسبة 25 و35%، متوقعا تراجعا حادا في إيرادات قناة السويس، نتيجة اضطراب الأوضاع بمنطقة البحر الأحمر من جهة، ومن أخرى الحرب الإقليمية الممتدة.
أضاف أن عوائد السياحة معرضة للانكماش بنحو 40%، وهو ما سينعكس على خفض توقعات النمو الاقتصادي المحلي إلى ما دون 3% خلال العام المالي الحالي.
ولفت عبدالحكيم، إلى أن قطاع الأدوية يعاني حالياً من ارتباك شديد نتيجة تعطّل الملاحة في مضيق هرمز والاعتماد على طرق أطول وأكثر تكلفة، مما ضاعف تكلفة المواد الخام المستوردة.
وأشار إلى أن البنك المركزي بدأ تنفيذ برنامج لشراء الدولار عبر آليات السوق، بهدف تعزيز الاحتياطي، لكن وتيرة نمو الاحتياطيات قد تتباطأ نتيجة الأولوية القصوى لتوفير السيولة لاستيراد السلع الاستراتيجية وسط تزايد الأسعار بقوة عالميًا.
شفيع: تحويلات المصريين بالخارج مهددة خاصة من دول الخليج
وقال مصطفى شفيع، محلل الاقتصاد الكلي، إن أي تصاعد إقليمي قد يؤثر على المصادر الدولارية لمصر بشكل كبير، موضحاً أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد تؤثر على حركة الملاحة بقناة السويس وإيرادات السياحة وأعداد الوافدين من الخارج، بعد التعافي الذي شهدته عام 2025.
وأشار إلى أن الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين تشهد تخارجًا عنيفًا في الوقت الحالي، نتيجة تزايد مخاوف المستثمرين العرب والأجانب من أي تداعيات مباشرة قد تطيح باستثماراتهم.
أضاف أن السوق المحلي يشهد ارتفاع الصادرات الصناعية، وفي المقابل ارتفاع أكبر في الواردات، مما يزيد الضغط على السيولة الدولارية.
ويرى شفيع، أن تحويلات المصريين بالخارج مهددة أيضًا، خاصة أن أغلب العاملين بالخارج يتمركزون بدول الخليج التي تعتبر قلب الأحداث والحرب، مضيفًا أن استقرار التحويلات يعد مرهونًا بتوقف تام للحرب.
وأوضح أن أي تدهور للوضع الإقليمي سينعكس على سعر الصرف بصورة مباشرة، متوقعًا استمرار التذبذب السعري.
أضاف شفيع أن انخفاض التدفقات الدولارية نتيجة تأثر أغلب القطاعات الاقتصادية سينعكس بشكل ملحوظ على معدلات النمو الاقتصادي.
وخفضت مؤسسة «إس آند بي جلوبال» توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.2% خلال العام المالي 2026 /2027، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 4.7%، مع الإبقاء على توقعاتها لمعدل النمو خلال العام المالي الحالي دون تغيير.








