تعيش خريطة الاستثمار الأجنبي المباشر مرحلة إعادة تشكيل واضحة، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير أولويات المستثمرين عالميًا، حيث لم تعد قرارات ضخ رؤوس الأموال تعتمد فقط على العائد، بل باتت ترتبط بشكل وثيق بعوامل الاستقرار، ومرونة السياسات الاقتصادية، وقدرة الأسواق على امتصاص الصدمات.
ويبرز السوق المصرى كنموذج لسوق ناشئة تحاول الموازنة بين ضغوط خارجية متزايدة، وفرص داخلية مدعومة بإصلاحات اقتصادية وهيكلية، ما يجعلها في موقع تنافسي لاستقطاب استثمارات تبحث عن بدائل أكثر استقرارًا داخل المنطقة.
حامد: استمرار جاذبية السوق رغم توقعات تباطؤ وتيرة التدفقات
قالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن السوق المصرية مازالت تحتفظ بجاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر، رغم التوترات المحيطة، مستبعدة حدوث تراجع حاد في الاستثمارات الخليجية خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت أن تأثير التوترات على مصر كان أقل مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية، مشيرة إلى أن توقف أو تباطؤ بعض المشروعات في دول مجاورة قد يفتح المجال أمام مصر لاستقطاب استثمارات بديلة، خاصة في ظل جاهزية البنية التحتية واستمرار تنفيذ المشروعات القومية.
وأضافت أن المخاوف كانت تتمحور حول احتمالية إعادة توجيه الاستثمارات الخليجية نحو الداخل، إلا أن الفرص المتاحة في السوق المصرية تقلل من هذا الأثر، رغم توقعاتها بتباطؤ نسبي في وتيرة الاستثمارات مقارنة بالعامين الماضيين، اللذين شهدا صفقات استثنائية مثل «رأس الحكمة» و«علم الروم».
وأشارت إلى أن تلك الصفقات الكبرى يصعب تكرارها بنفس الزخم على المدى القصير، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن السوق المصرية مدعومة بأداء قوي، خاصة مع ارتفاع البورصة بنحو 20% منذ بداية العام، مقارنة بأسواق أخرى سجلت تراجعات.
وأوضحت أن الاستثمارات خلال الفترة المقبلة ستتجه بشكل أكبر نحو قطاعات محددة، تشمل الطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية، والمشروبات، إلى جانب قطاعي الرعاية الصحية والأدوية، رغم بعض التحديات التنظيمية.
وبلغت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر خلال النصف الأول من العام المالي الحالي نحو 9.3 مليار دولار، مدعومة بشكل رئيسي بتدفقات الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025، في إطار تنفيذ صفقة «علم الروم» بقيمة 3.5 مليار دولار.
أبوهند: التوترات الجيوسياسية تضغط على معدلات الاستثمار في المنطقة
من جانبه، قال أيمن أبو هند، الرئيس الاستثماري لشركة «سيجينفيكا فينشرز»، إن التوترات الجيوسياسية أثرت بشكل واضح على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن حالة الترقب تسيطر على المستثمرين في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي.
وأوضح أن هذا التأثير لا يقتصر على مصر، بل يمتد إلى مختلف الأسواق، حيث يتجه المستثمرون إلى تأجيل قراراتهم لحين اتضاح الرؤية، خاصة مع توقعات تباطؤ النمو العالمي، لافتًا إلى أن النصف الثاني من العام يشهد عادة تراجعًا في تدفقات الاستثمار المباشر.
وأشار إلى أن أي تعافٍ محتمل سيكون محدودًا، حتى مع تحسن الأوضاع، مؤكدًا أن تقلبات سعر الصرف تمثل أحد أبرز التحديات أمام المستثمرين، خاصة في المشروعات طويلة الأجل.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد من حالة عدم اليقين، ما يدفع المستثمرين للتريث، موضحًا أن الأنشطة التصديرية تظل الأكثر جذبًا للاستثمار، نظرًا لاعتمادها على العملة الأجنبية.
وأكد أن تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية يمثل عاملًا حاسمًا في استعادة الثقة، مشيرًا إلى أن المستثمرين يفضلون رؤية خطوات تنفيذية واضحة قبل اتخاذ قرارات ضخ استثمارات جديدة، مع توقع تأخر التدفقات إلى ما بعد تقييم نتائج الطروحات.
طه: الطاقة المتجددة واللوجستيات تتصدران خريطة الفرص
من جانبها، قالت سلمى طه، مدير إدارة البحوث بشركة النعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن التوترات الجيوسياسية تزيد من حالة عدم اليقين وترفع تكلفة التمويل، ما يدفع المستثمرين لإعادة ترتيب أولوياتهم الاستثمارية.
وأضافت أن مصر قد تستفيد من التذبذب في بعض الأسواق المنافسة، ما يتيح لها جذب استثمارات تبحث عن بيئة أكثر استقرارًا، مشيرة إلى أن الموقع الجغرافي، والحوافز الاستثمارية مثل الرخصة الذهبية، يعززان من جاذبية السوق.
وأكدت أن قطاع الطاقة المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر، يأتي في صدارة القطاعات الجاذبة، في ظل خطط طموحة لإنتاج 10 ملايين طن سنويًا بحلول 2030، مع استهداف حصة 5% من السوق العالمية، كما أشارت إلى أن مصر تستهدف توليد 42% من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2035، مدعومة بانخفاض تكلفة الإنتاج وقربها من الأسواق الأوروبية.
وأضافت أن قطاع اللوجستيات، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مرشح لتحقيق نمو قوي، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وخدمات التعهيد.
ولفتت إلى أن قطاع الرعاية الصحية والصناعات الدوائية يمثل فرصة استثمارية واعدة، مدعومًا بالنمو السكاني وزيادة الطلب على الخدمات الطبية.
وأكدت أن التوترات لن تؤدي إلى تراجع الاستثمارات بقدر ما ستعيد توجيهها نحو القطاعات الأكثر استقرارًا واستدامة.
وأظهرت بيانات استثمارات محفظة الأوراق المالية تسجيل صافي تدفقات للداخل بنحو 5 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام المالي، مقابل صافي خروج بلغ 3.2 مليار دولار.
جمال: مرونة سعر الصرف تحد من خروج الأجانب وتدعم لعودتهم
وقال أحمد جمال، رئيس قسم كبار العملاء بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن الأسواق شهدت تحركات ملحوظة في أدوات الدين والبورصة نتيجة التوترات، حيث سجل شهر مارس خروج نحو 4.5 إلى 5 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين.
وأشار إلى أن المؤسسات الأجنبية سجلت صافي بيع بنحو 7.25 مليار جنيه في البورصة خلال مارس، مقابل مشتريات محلية قوية بلغت 9.25 مليار جنيه، ما يعكس حالة عزوف مؤقتة.
وأوضح أن عودة الهدوء النسبي ساهمت في استعادة ثقة المستثمرين، حيث سجلت أدوات الدين مشتريات أجنبية بنحو 2.6 مليار دولار خلال ثلاث جلسات فقط.
وأكد أن مرونة سعر الصرف لعبت دورًا محوريًا في امتصاص الصدمات، حيث ساهمت في تقليل جاذبية التخارج، بل ودعمت عودة المستثمرين للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة.
وأشار إلى أن البورصة المصرية أظهرت تماسكًا ملحوظًا خلال الأزمة، مدعومة بمشتريات المؤسسات المحلية، دون الحاجة إلى تعليق التداول.








