كشف تقرير تحليلي صادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، عن صورة مزدوجة لأداء المناطق الحرة في مصر، تجمع بين تحقيق نتائج إيجابية على مستوى الصادرات والاستثمار، مقابل تحديات هيكلية لا تزال تحد من قدرتها، استنادا إلى تحليل أداء 9 مناطق حرة عامة ونحو 218 منطقة حرة خاصة.
وأظهرت النتائج، أن المناطق الحرة في مصر حققت أداء إيجابيا خلال العام الماضي، إذ أسهمت في دفع عجلة النشاط الاقتصادي من خلال تنمية الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
لكن استمرار اختلالات مؤسسية وتشريعية يحول دون الاستغلال الأمثل لطاقات هذه المناطق.
وتخلق هذه التحديات الهيكلية “مساحات رمادية” تفتح الباب أمام التقدير الشخصي لصانعي السياسات، وهو ما يؤدي بدوره إلى تباين في تطبيق القواعد وغياب الشفافية في آليات اتخاذ القرار.
وألقى التقييم الضوء على تحول واضح في النهج العالمي تجاه حوافز الاستثمار، حيث تتجه الدول بشكل متزايد بعيدا عن الإعفاءات الضريبية الثابتة نحو أنظمة حوافز مرتبطة بشكل مباشر بمؤشرات الأداء.
كما تبني نماذج للمناطق الحرة المتخصصة قطاعيا، حيث يتم تصميم المناطق الحرة لتتخصص في صناعات أو أنشطة اقتصادية محددة.
وذكر التقرير ، أن أهم المبادئ لإنشاء منظومة مناطق حرة مستدامة وعالية الكفاءة تتوافق مع المعايير الدولية، يجب معالجة الاختلالات في البنية التشريعية والمؤسسية لضمان استدامة الأعمال، وتحفيز التوسع، مع سد منافذ التقدير الشخصي للسياسات، أو إساءة الاستغلال، أو الاعتماد المفرط على المبيعات المحلية.
ولفت إلى أنه ينبغي ألا يسمح بالبيع المحلي إلا في أضيق الحدود كإجراء لدعم دورات الأعمال الموسمية وضمان استمرارية النشاط التصديري.
كما يجب أن تخضع المبيعات المحلية لضوابط صارمة ترتبط بطبيعة النشاط وموسميته، على أن تتحدد النسبة المسموح بها وفق معايير واضحة وقابلة للقياس تخضع للمراجعة الدورية، مع توفير آليات ميسرة لخروج الشركات المتعثرة في التصدير للخارج.
وأكد التقرير، أن خلق بيئة أعمال مواتية والحفاظ عليها هو المحرك الأساسي لجذب الاستثمارات، وهو عامل حاسم لنجاح المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة، في مصر وعلى المستوى العالمي.
ولفت إلى ضرورة النظر إلى الحوافز الممنوحة للمناطق الحرة كأداة حيوية لجذب الاستثمار الأجنبي وتنمية الصادرات، وليس كعبء على الخزانة العامة.
كما يجب تقنين هذه الحوافز ضمن إطار هيكلي منضبط، يحاكي نظام رد أعباء الصادرات، بحيث ترتبط بمؤشرات الأداء الفعلي للشركات.
وأشار التقرير، إلى أن هناك اختلافا جذريا بين طبيعة الاستثمار في المناطق الحرة والاستثمار الداخلي، ولا يجوز المقارنة بينهما غير في ظل رؤية متكاملة مدروسة للاستثمار في مصر ومؤشرات أداء تتناسب مع كل منهم.
ولفت إلى أهمية أن تواكب مصر الاتجاهات العالمية في تطبيق المناطق الحرة من خلال تبني نماذج متخصصة قطاعيا، بحيث يتم تصميم كل منطقة حرة لتتخصص في صناعات أو أنشطة اقتصادية محددة.
وتضم مصر 231 منطقة حرة عامة وخاصة قائمة وتحت الإنشاء، بإجمالى 1243 مشروعا بنهاية عام 2025، وفقًا لأحدث بيانات مجلس الوزراء.
وفي تقرير صادر عن وكالة “فيتش”، أشادت بامتلاك مصر إطارا قويا من الحوافز عبر أنظمة المناطق الحرة والاستثمارية، التي توفر إعفاءات جمركية وضريبية واسعة وضمانات، مما مكنها من احتلال المرتبة الثالثة إقليمياً والـ 27 عالمياً في مؤشر انفتاح الاستثمار.
وأوضح التقرير أن هذه المناطق، المدعومة بنظام “الشباك الواحد” والبنية التحتية المتكاملة، نجحت في تبسيط الإجراءات الإدارية وتخفيف الأعباء عن الدولة، مما عزز من جاذبية البلاد كوجهة تنافسية للاستثمار الأجنبي المباشر.
كما أكدت “فيتش” أن المناطق الاقتصادية الخاصة، وفي مقدمتها منطقتا “قناة السويس” و”المثلث الذهبي”، تمثل مراكز استراتيجية نجحت في استقطاب التزامات استثمارية دولية كبرى بفضل التسهيلات التنظيمية ومرونة الملكية الأجنبية.
هنو: قوائم الانتظار في الإسكندرية تعكس حجم الفرص الضائعة لزيادة الإنتاج
وقال محمد هنو، رئيس مجلس إدارة جمعية رجال أعمال إسكندرية، إن مساهمة المناطق الحرة في الصادرات المصرية لا تزال دون إمكانياتها الحقيقية، مرجعا ذلك إلى محدودية التوسع، والتي تمثل التحدي الرئيسي أمام تعظيم دورها.
أضاف، أن المنطقة الحرة في الإسكندرية تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية، في ظل وجود قوائم انتظار للمستثمرين الراغبين في الحصول على أراض أو مساحات جديدة، وهو ما يعكس حجم الطلب غير المستغل والفرص الضائعة ، والذي كان من شأنه تعزيز مساهمة هذه المناطق في الصادرات حال توفير مساحات إضافية.
وأوضح هنو ، أن التوسع في إنشاء مناطق حرة جديدة، لا سيما في المناطق التي تشهد طلبًا مرتفعًا مثل الإسكندرية، بات ضرورة ملحة لدعم تنافسية الاقتصاد.
وهذه المناطق تلعب دورًا مهمًا في تقليل الإجراءات البيروقراطية وخفض تكاليف التشغيل، بما يعزز قدرة الشركات على زيادة صادراتها.
أشار هنو، إلى أن ربط الحوافز بالأداء يعد توجها مناسبا حال تطبيقه على مستوى الشركات بشكل فردي، من خلال منح مزايا إضافية للكيانات الأكثر كفاءة أو تحقيقًا لمعدلات أداء مرتفعة، إلا أنه لا يفضل تعميمه على مستوى المنطقة الحرة ككل، نظرًا لتفاوت مستويات الأداء بين الشركات العاملة داخلها.
عيسى: تراجع الحوافز التصديرية يضغط على تنافسية الأسعار فى الخارج
وقال محمد عيسى، مدير إدارة سلاسل الإمداد بشركة لوتس تكس، إن المنظومة الحالية توفر حزمة من التسهيلات الجاذبة للاستثمار، لا سيما في ملف الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لدخول البضائع والمستلزمات، وهو ما يعزز من الملاءة التشغيلية للمصانع.
لكنه رهن الاستفادة الكاملة من هذه المزايا بضرورة تذليل العقبات اللوجستية التي لا تزال تعترض مسار العملية الإنتاجية.
وأضاف، أن هناك تحديات إجرائية تتعلق بالبيروقراطية الجمركية، خاصة في عمليات سحب وعينات المواد الخام وتحليلها.
فهذه الإجراءات قد تستغرق نحو أسبوعين بدلاً من أيام معدودة، مما يتسبب في ارتباك الجداول الزمنية للإنتاج وتعطيل دورة تدفق البضائع، وهو ما ينعكس سلباً على كفاءة المصانع وقدرتها على الوفاء بالتعاقدات.
وأشار عيسى، إلى أن تراجع مستويات الدعم والحوافز التصديرية الموجهة للمناطق الحرة، أثر بشكل مباشر على قدرة الشركات على تقديم أسعار تنافسية عالمياً.
وطالب بتبني سياسات مرنة تسمح بزيادة نسبة البيع للسوق المحلي كآلية تحوطية لمواجهة فترات الركود الاقتصادي العالمي، وبما يضمن استدامة النشاط وتغطية التكاليف التشغيلية للمصانع.
راشد: التوسع في المناطق الخاصة يعزز الصادرات ويزيد موارد النقد الأجنبي
وقال معتصم راشد، رئيس مجلس إدارة جمعية مستثمري المناطق الحرة الخاصة، إن مساهمة المناطق الحرة في الصادرات المصرية لا تزال دون إمكانياتها الحقيقية، مرجعًا ذلك إلى عدم التوسع الكافي في إنشاء مناطق جديدة، سواء العامة أو الخاصة، رغم وجود طلب قوي من المستثمرين.
أضاف أن التوسع في المناطق الحرة، والخاصة على وجه الخصوص، يمثل أداة فعالة لدعم الصادرات، باعتبارها تعتمد بالأساس على الإنتاج بغرض التصدير، ما يسهم في زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي.
أشار راشد، إلى أن المناطق الحرة الخاصة تتميز بعدم تحميل الدولة أعباء إنشاء البنية التحتية أو المرافق، حيث يتولى المستثمر تنفيذ المشروع بالكامل على نفقته.
وأوضح أن العديد من التجارب الدولية الناجحة اعتمدت على التوسع في المناطق الحرة لتحقيق طفرات اقتصادية، مؤكدًا أن مصر تمتلك فرصًا كبيرة في هذا الإطار حال تبني سياسات واضحة ومحفزة للاستثمار.
وأكد راشد ، أن أحد أبرز التحديات يتمثل في بطء الإجراءات والتصديقات، رغم الموافقات المبدئية على بعض المشروعات، وهو ما يعيق دخول استثمارات جديدة ويؤثر على مناخ الأعمال.
كما أن نظم الحوافز المرتبطة بالأداء ليست بديلًا عن الإعفاءات، بل هي جزء من منظومة متكاملة يتم تطبيقها عالميًا، ولا يمكن تجزئتها، لافتًا إلى أن نجاح هذا النموذج يتطلب تطبيقه بشكل شامل ومتسق.
وقال مجدي طلبة، رئيس مجلس إدارة شركة تي آند إس للملابس الجاهزة، إن منح مزايا إضافية للمناطق الحرة يجب أن يتم بالتوازي مع تقديم حوافز مماثلة للصناعة خارجها، والتي تمثل النسبة الأكبر من القاعدة الصناعية، محذرًا من أن أي تمييز لصالح المناطق الحرة قد ينعكس سلبًا على المصانع القائمة خارجها، وقد يؤدي إلى تراجع قدرتها أو خروج بعضها من السوق.
أضاف، أن الأولوية يجب أن تكون لتعظيم القيمة المضافة وجودة الإنتاج، بدلًا من التركيز على زيادة عدد المشروعات أو حجم الصادرات فقط، مؤكدًا أهمية التوجه نحو إنشاء مناطق حرة متخصصة في قطاعات تمتلك فيها مصر مزايا تنافسية، بدلاً من التوسع غير المدروس في مختلف الأنشطة.
وأكد طلبة ، ضرورة تحديث التكنولوجيا الصناعية، لافتًا إلى أن استمرار بعض المصانع في العمل بمعدات قديمة يضعف قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وأشار إلى ضرورة تحقيق توازن في السياسات الصناعية، بحيث لا يتم تفضيل قطاع على حساب آخر، مضيفا أن تنمية الصادرات تتطلب إصلاحات متكاملة تطبق على مختلف مكونات الصناعة، سواء داخل أو خارج المناطق الحرة.







