صناع السياسات يتبنون نهج الانتظار والترقب في ظل غموض مسار صدمة الطاقة العالمية
من المتوقع أن تُحجم أكبر البنوك المركزية في العالم، عن رفع أسعار الفائدة ، الأسبوع الحالي، إذ يراهن المسؤولون على إمكانية التريث لفترة أطول لتقييم ما إذا كانت صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران قد تؤدي إلى فترة ممتدة من التضخم المرتفع؟
ومن المنتظر أن يحدد كل من بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك إنجلترا، تكاليف الاقتراض الرسمية في ظل تداعيات الصراع، الذي أشعل ثاني أكبر صدمة طاقة عالمية خلال خمس سنوات.
يجد صُناع السياسات النقدية أنفسهم مضطرين إلى تقييم حجم التهديد الذي تفرضه العوامل الجيوسياسية والديناميكيات غير المتوقعة لأسواق السلع على أهدافهم المتعلقة بالتضخم.
تخيم على اجتماعات هذا الأسبوع ذكريات موجة التضخم الكبرى في عامي 2021 و2022، حين وُجهت اتهامات إلى العديد من البنوك المركزية بالتحرك ببطء شديد لكبح جماح ارتفاع الأسعار.
ورغم أن تلك التجربة سلطت الضوء على مخاطر التباطؤ في اتخاذ القرار، قال توماش فييلادِك، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي الأوروبي لدى “تي رو برايس”، إن نهج “الانتظار والترقب” هو الخيار المناسب “في ظل حالة عدم اليقين المحيطة بالأوضاع في الخليج، وكذلك غياب الوضوح بشأن كيفية انتقال صدمة الطاقة إلى النمو والتضخم”.
في إشارة إلى التحديات التي تواجه صُناع السياسات في توقع التضخم، قال سيباستيان باراك، رئيس قسم السلع في صندوق التحوط “سيتادل”، خلال مؤتمر لصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية في سويسرا الأسبوع الماضي، إن منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحرب غيرت سلوك أسواق النفط.
غالباً ما يجد المتداولون أنفسهم في صعوبة للتكيف مع التقلبات التي تثيرها رسائله المتكررة وردود النظام الإيراني عليها.
بدلاً من التركيز على توقع مركزي واحد، يولي صُناع السياسات أهمية أكبر لسيناريوهات متعددة تأخذ في الحسبان مجموعة من النتائج المحتملة للصراع في الشرق الأوسط.
قال ينس لارسن، المسؤول السابق في بنك إنجلترا والذي يعمل حالياً لدى “يوراسيا جروب”: “إنه تحدٍ كبير أمام أي مصرفي مركزي اعتاد التفكير في تسعير الهامش وتطورات سوق العمل”.
تُسعر الأسواق المالية احتمال تنفيذ زيادتين في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي هذا العام، انطلاقاً من المستوى الحالي البالغ 2%.
لكن كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، أوضح الأسبوع الماضي أن المؤسسة حذرة من التسرع في اتخاذ القرار، قائلاً خلال جلسة نقاش في فرانكفورت: “إلى أن نعرف المزيد حول مدة استمرار هذه الحرب، من الصعب للغاية تحديد ما إذا كانت هذه مجرد مرحلة مؤقتة أم صدمة أكبر بكثير للاقتصاد الأوروبي”.
قال ينس آيزنشميت، الاقتصادي لدى “مورجان ستانلي”، إن اللحظة التي يمكن فيها للبنك المركزي الأوروبي “تقييم ما إذا كان يحتاج إلى التحرك بشكل صحيح لن تأتي قبل يونيو على الأقل، وربما لاحقاً”.
بالمقارنة مع معظم البنوك المركزية الغربية الأخرى، بما فيها بنك الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا، قالت كاثرين نايس، كبيرة الاقتصاديين الأوروبيين لدى “بي جي آي إم فيكسد إنكوم”، إن البنك المركزي الأوروبي “في وضع أفضل”، مضيفة: “إنه في الواقع البنك المركزي الوحيد الذي أعاد التضخم إلى مستوى 2%”.
من المقرر أن يصوت صُناع السياسات في الولايات المتحدة يوم الأربعاء، مع اعتبار تثبيت أسعار الفائدة ضمن النطاق القياسي بين 3.5% و3.75% أمراً شبه مؤكد.
وقد أرجأ الاحتياطي الفيدرالي أي احتمال لخفض أسعار الفائدة إلى حين توافر رؤية أوضح بشأن ما إذا كانت حرب إيران ستقوض قدرته على تحقيق هدف التضخم البالغ 2%، أو ستؤثر سلباً على سوق العمل الأمريكي الذي كان يشهد بالفعل تباطؤاً.
وبلغ معدل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي السنوي في الولايات المتحدة 2.8% في فبراير.
لكن بعض المسؤولين البارزين بدأوا في التحذير من مخاطر التضخم، إذ حذر كريس والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، هذا الشهر من أن سلسلة من صدمات الأسعار، التي نتجت بسبب السياسات التجارية لترامب وليس فقط الحرب، تهدد بتقويض ثقة الأمريكيين في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على السيطرة على ضغوط الأسعار.
وأشار والر، إلى أنه كلما استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، زادت احتمالات ترسخ التضخم المرتفع داخل الاقتصاد الأمريكي، وبدء الأسر والشركات في تسعير ضغوط الأسعار بشكل دائم.
وقال جو لافورجنا، كبير الاقتصاديين للأميركيتين لدى “سوميتومو ميتسوي بانكينج كوربوريشن” والمستشار الاقتصادي السابق لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: “نحن ندخل صدمة عرض جديدة غير محددة المدة، بينما لا يزال التضخم في الولايات المتحدة أعلى بكثير من المستوى المستهدف”.
في حين كان المستثمرون حتى وقت قريب يتوقعون أن يقوم بنك اليابان هذا الأسبوع برفع سعر الفائدة الرئيسي من نحو 0.75%، فإن الأسواق باتت الآن تمنح هذا الاحتمال فرصة ضعيفة للغاية.
وقد تضافرت حالة عدم اليقين الناجمة عن الصراع في إيران مع مخاوف خاصة تتعلق بمدى تعرض اليابان، باعتبارها مستورداً كبيراً للطاقة والمواد الخام الحيوية لقطاعها الصناعي.
لم تتضمن الخطابات الأخيرة لمحافظ بنك اليابان، كازو أويدا، أي إشارات توحي برفع أسعار الفائدة في أبريل، كما أبلغ المسؤولون الأسواق بأن البنك المركزي لم يعد يسعى إلى مفاجأتها.
قال جو كوريهارا، الاقتصادي لدى “يو بي إس”، إن قرار بنك اليابان يوم الثلاثاء من المرجح أن يترافق مع زيادة حادة في توقعات التضخم للبنك المركزي، إلى جانب خفض توقعات النمو الاقتصادي.
بالمثل، بدا أن بنك إنجلترا في مارس يلمح إلى احتمال رفع قريب لسعر الفائدة من 3.75%، لكن المتداولين يمنحون حالياً هذا السيناريو احتمالاً منخفضاً للغاية، عقب إشارات من المحافظ أندرو بيلي إلى أن المستثمرين استبقوا الأحداث.
وقال فييلادِك: “يريد صُناع السياسات معرفة ما إذا كنا نتجه نحو وضع مشابه لعام 2022، حين ارتفع التضخم بأكثر مما كان متوقعاً، وهم ببساطة لا يستطيعون تقييم ذلك بناءً على بيانات شهر واحد فقط”.







