يواجه قطاع الملاحة البحرية فى مصر، تحولاً حاداً وغيرَ مسبوق، بعد أن سجل ميناء السخنة قفزة تاريخية فى تكاليف الشحن وتفريغ الحاويات ليتصدر قائمة الوجهات الأعلى كلفة فى المسارات الدولية بزيادات تخطت حاجز 300%.
وبينما تكشف لغة الأرقام عن تضاعف نوالين الشحن لمستويات قياسية، يبرز مسار «جبل على ـ السخنة» كأكثر الخطوط تأثراً بزيادة دراماتيكية بلغت 585%، ما يضع سلاسل الإمداد أمام واقع جديد خارج السيطرة عند مقارنة تكاليف عام 2026 بمتوسطات العام الماضى.
وحسب ما رصدته غرفة ملاحة الإسكندرية، فقد وصل متوسط سعر «النولون» البحرى للربع الثانى 2026، للحاويات الواردة من جنوب شرق آسيا، وتشمل دول الصين، واليابان، وكوريا، المتجهة إلى ميناء الإسكندرية، لتسجل نحو 2100 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 1700 دولار الربع الثانى 2025.
أما الحاويات الواردة من الدول نفسها إلى ميناءى دمياط، وبورسعيد فتصل إلى 2100 دولار، مقابل 1550 دولار الربع الثانى 2025، وإلى ميناء السخنة 3400 دولار، بعد أن كانت 1400 دولار.

وارتفعت تكلفة الحاويات الواردة من دول الخليج العربى، خاصة من ميناءى جبل على الإماراتى والدمام السعودى، إلى ميناء الإسكندرية لتسجل 1700 دولار، وإلى ميناءى دمياط وبورسعيد 1800 دولار، وهى أسعار العام الماضى نفسها دون تغيير.
أما الواردة إلى ميناء السخنة، فقفزت إلى 3600 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 525 دولاراً العام الماضى.
وبالنسبة لموانئ البحر الأحمر، والتى تضم موانئ غرب السعودية، واليمن، والسودان، فيصل سعر نقل الحاوية إلى ميناء الإسكندرية 600 دولار، بدلاً من 800 دولار العام الماضى، وإلى ميناءى بورسعيد ودمياط 900 دولار للحاوية 20 قدماً، وهى أسعار العام الماضى دون تغيير. أما لميناء السخنة فقفزت التكلفة إلى 2250 دولاراً، بدلاً من 385 دولاراً.
وبالنسبة لنقل الحاويات من منطقة شرق البحر المتوسط، والبحر الأسود، ومنها تركيا وإسرائيل ولبنان وسوريا ورومانيا إلى ميناء الإسكندرية فتراجعت التكلفة إلى 500 دولار، بدلاً من 800 دولار العام الماضى، وإلى ميناءى بورسعيد ودمياط 900 دولار، مقابل 675 دولاراً للحاوية العام الماضى، وإلى ميناء السخنة 1990 دولاراً بدلاً من 490 دولاراً.
وبالنسبة للحاويات الواردة من منطقة أمريكا الشمالية، وتشمل موانئ الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، فارتفعت تكلفة نقل الحاوية لميناء الإسكندرية إلى 1600 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 1200 دولار العام الماضى، وإلى ميناءى دمياط، وبورسعيد 1500 دولار، مقابل 1200 دولار العام الماضى، ولميناء السخنة وصل سعر النولون 3040 دولاراً للحاوية 20 قدماً مقابل 1540 دولاراً العام الماضى.
«الشيخ»: «السخنة» أصبح نقطة ارتكاز رئيسية لتجارة الترانزيت بعد تشغيل المحطة الجديدة
قال أيمن الشيخ، رئيس شعبة النقل الدولى والخدمات اللوجستية بالقاهرة، إن أسعار نوالين الشحن البحرى تشهد ارتفاعات غير مسبوقة لمعظم الوجهات بصفة عامة ولميناء السخنة بصفة خاصة، بسبب التوترات الإقليمية التى تقع بالقرب من ميناء السخنة وهو الميناء الأقرب لنقاط الصراع فى الخليج خصوصاً حول مضيق هرمز، ومضيق باب المندب.
أضاف أن هذا القرب جعل تكلفة مخاطر الحرب تظهر بشكل أكثر حدة فى فواتير الشحنات المتجهة لميناء السخنة بالبحر الأحمر، مقارنة بالموانئ المصرية على البحر المتوسط خصوصاً الإسكندرية ودمياط؛ إذ تفرض شركات الملاحة العالمية مثل «CMA CGM» و«MSC» رسوماً إضافية ضخمة لتغطية ارتفاع تكاليف التأمين فى البحر الأحمر.
وأوضح «الشيخ»، أنه مع استمرار حصار مضيق هرمز والتوترات فى باب المندب، نجحت الحكومة المصرية بالتعاون مع مشغلين عالميين مثل «هاتشيسون» و«كوسكو» فى تسريع وتيرة تشغيل محطات الحاويات الجديدة فى السخنة.
وهذا التحول جعل الميناء نقطة ارتكاز رئيسية لتجارة الترانزيت وربط المسارات مع الموانئ السعودية ودول الخليج برياً، ما رفع الطلب عليه بشكل مفاجئ وغير متناسب مع طاقته التشغيلية السابقة، وهو ما يفسر الزيادة الحادة فى التكلفة بسبب نقص العرض مقابل زيادة الطلب.
ولفت «الشيخ»، إلى أن ارتفاع أسعار النوالين، سببه ليس ارتفاع أسعار التأمين وتحول المسارات فقط، وإنما يعود أيضاً لارتفاع أسعار الوقود والذى أدى لانكماش السوق الملاحى والقطاع اللوجستى بالكامل وانخفاض الطلب على نقل الحاويات، ما أوجد فجوة كبيرة بين العرض والطلب فى سوق الشحن البحرى الذى شهد زيادة فى تكاليف تشغيل السفن.
أضاف أن استمرار الحرب لمدة مماثلة سيقفز مجدداً بأسعار نوالين الشحن البحرى، لافتاً إلى أن أسعار الحاويات الواردة من دول جنوب شرق آسيا المتجهة إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط المصرية ارتفعت حتى الآن لتسجل نحو 8 آلاف دولار للحاوية الواحدة تتضمن قيمة النولون ورسوم المخاطر والتأمين.
وطالب «الشيخ»، الحكومة باتخاذ تدابير احترازية من خلال إنشاء مراكز لوجستية لتخزين كميات احتياطية من مستلزمات الإنتاج لجميع المصانع؛ حتى لا يتم تحميل الزيادات المتوقعة فى أسعار نوالين الشحن على تكاليف التشغيل، خاصة أن موعد انتهاء هذه الأزمة غير معلوم.
«صالح»: الخطوط الملاحية رفعت تكاليف التشغيل مع زيادات الوقود وتعديل وثائق التأمين
وقال عصام صالح، رئيس مستخلصى جمارك السويس بميناء السخنة، إن هناك تغييراً شاملاً وكبيراً فى أسعار نوالين الشحن البحرى لجميع الوجهات؛ إذ ارتفعت الأسعار بنسبة لا تقل عن 500%، مقارنة بالأسعار المعلنة الربع الثانى من العام الماضى والتى سجلت نحو 3500 دولار للحاوية فئة 20 قدماً.
أضاف أن ثمة توقعات بزيادة مستمرة فى الأسعار حال استمرار الحرب، مؤكداً أن الخطوط الملاحية رفعت تكاليف التشغيل بمقدار نسبة الزيادة فى الوقود الذى يمثل 70% من تكاليف التشغيل.
ومن المرجح إضافة هذه الزيادات على عاتق المستورد وبالتبعية ستضاف على أسعار السلع.
أوضح «صالح» أن الأوضاع السياسية الحالية لها مستجدات يومية ويجب استغلال هذه الأزمة من خلال الاهتمام بتنمية تجارة الترانزيت لأنها تسهم فى توفير سيولة من العملة الصعبة، بما يمكن أن يعزز احتياطى النقد الأجنبى للاقتصاد المصرى.
أضاف أن شركات التأمين العالمية خاطبت ملاك السفن التجارية لإجراء تعديلات على وثائق التأمين الحالية. كما قامت التوكيلات الملاحية بفرض نحو 4 آلاف دولار على الحاوية فئة 40 قدماً، و2000 دولار على الحاوية 20 قدماً، حتى يتسنى للمستورد الحصول على إذن التسليم.
أوضح رئيس مستخلصى جمارك السويس، أن الأزمة الحالية دفعت المستوردين والمستخلصين لتسعير الرحلات خلال هذه المرحلة وفقاً لظروف كل رحلة بسبب تطور الأوضاع بشكل يومى وتفاقم الأحداث والمخاطر، فى ظل الزيادات الجديدة فى أسعار النوالين ورسوم المخاطر والطوارئ.
وقال إيهاب فتحى، ممثل الخط الملاحى السويسرى «إم إس سي»، إن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية أصبحت تشكل تهديداً مباشراً لحركة الملاحة فى منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد التهديدات باستمرارية إغلاق مضيق هرمز أمام سفن النفط العالمية، وربما تمتد الأزمة إلى باب المندب.
أضاف أن عدم حلحلة تلك الأوضاع، سيدفع أسعار نوالين الشحن لزيادات قد تتجاوز 400% خلال الربع الثالث من العام الحالى، مؤكداً أن الشركة فرضت رسوماً إضافية طارئة على الوقود المار بالعديد من الطرق التجارية، وهو ما يعكس ارتفاع تكاليف الوقود والاضطرابات المستمرة فى السوق العالمى للشحن البحرى.
وتطبق الرسوم على الشحنات المتجهة من جزر المحيط الهندى إلى أوروبا وشرق المتوسط، مثل اليونان وتركيا ومنطقة البحر الأسود وشمال أفريقيا، بواقع 120 يورو أو 140 دولاراً لكل حاوية نمطية جافة، و145 ـ 165 دولاراً أو يورو للحاويات المبردة.
وأعلنت «MSC»، منتصف مارس الماضي، عن رسوم إضافية طارئة على خطوط تجارية متعددة بسبب استمرار ارتفاع تكاليف الوقود والضغوط التشغيلية على الشحن العالمى، موضحة أن الرسوم ستظل سارية حتى إشعار آخر بناءً على مسار التجارة وتواريخ الإبحار أو الدخول المبدئية.
وتشمل الرسوم الجديدة الشحنات القادمة من جنوب أفريقيا وناميبيا وموزمبيق وشرق أفريقيا إلى وجهات فى الشرق الأوسط والبحر الأحمر، بواقع 118 دولاراً لكل حاوية نمطية جافة و177 دولاراً للحاويات المبردة، وكذلك إلى وجهات فى المحيط الهندى وأستراليا ونيوزيلندا وفيجى بالأسعار نفسها.
«شلبى»: استمرار التوترات الإقليمية سيدفع أسعار الطاقة لزيادات ستنعكس مجدداً على النوالين
وقال إبراهيم شلبى، رئيس شعبة النقل الدولى ببورسعيد، إن الحرب دفعت السوق الملاحى لإعادة حساباته بشأن تسعير الرحلات بداية من العقود المبرمة بين المورد والمستخلص والتوكيل الملاحى والخطوط الملاحية، فى ظل مواكبة الأحداث والاضطراب فى أسعار نوالين الشحن.
أضاف أن الحرب قفزت بأسعار نوالين الشحن وبتكلفة التأمين على السفن والبضائع المارة بمنطقة الخليج والبحر الأحمر بنسبة 500% لميناء السخنة، مؤكداً أن هذه الزيادة ستنعكس مباشرة على تكاليف النقل البحرى بالاضافة لزيادة أسعار النوالين البحرية مدفوعة بالاضطرابات التى شهدتها أسعار الطاقة.
وأوضح «شلبى»، أن بعض شركات التأمين قلصت تغطياتها فى المناطق عالية المخاطر لخفض التعرض للخسائر الكبيرة مما دفع شركات التأمين للحد من التغطية لبعض الوجهات، بينما قامت بفرض شروط أكبر على بعض السفن لبعض الممرات وهذا المردود نتيجة ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتصنيف بعض الوجهات كمناطق غير آمنة.
وأشار إلى أن رسوم التأمين على السفن تعد العبء الثانى ضمن تكاليف التشغيل بعد أسعار نوالين الشحن البحرى التى تعد فى الترتيب الأول والتى شهدت زيادات فائقة خلال شهر واحد فقط، إذ ارتفع سعر نقل الحاوية الـ20 قدماً من 2000 دولار لنحو 6 آلاف دولار محملة برسوم مخاطر وطوارئ ونقل.
لفت «شلبى»، إلى أن الزيادات التى شهدتها أسعار الطاقة تسببت فى اضطرابات غير مسبوقة فى أسعار النوالين بعد وصول سعر برميل النفط لمتوسط 100 دولار مقابل 70 دولاراً فى يناير الماضى، متوقعاً أنه حال استمرار أزمة مضيق هرمز لنهاية العام الحالى سيعود سعر البرميل للارتفاع إلى 120 دولاراً.
«اللمعى»: التوترات الجيوسياسية المستمرة تتطلب صياغة سيناريوهات استباقية
وقال عادل اللمعى، رئيس غرفة ملاحة بورسعيد، إن ارتفاع أسعار النوالين بسبب الاضطرابات التى تشهدها الساحة العالمية، شكل ضغطاً مباشراً على التجارة الدولية.
كما أن غلق مضيق هرمز أثر على حركة السفن العابرة بمنطقة البحر الأحمر، خاصة أن القناة ترتبط طردياً بحركة الملاحة القادمة من الخليج العربى. وأى معوقات أو اضطرابات قد تحدث بهذه الممرات الملاحية الحيوية تؤدى إلى ارتباك فى سلاسل الإمداد وتغيير مسارات السفن.
أوضح «اللمعى»، أن التوترات الجيوسياسية المستمرة تتطلب صياغة سيناريوهات استباقية تعتمد على محاكاة الأزمات لامتصاص الصدمات الاقتصادية وضمان سلامة الملاحة.
أضاف أن قناة السويس تستهدف تعظيم إيراداتها من خلال توطين صناعة السفن وصناعة قطع الغيار البحرية داخل المناطق الصناعية، والتوسع فى خدمات تموين السفن والصيانة السريعة والإصلاحات البحرية داخل موانئ المنطقة الاقتصادية.







