ارتفاع تكلفة الكهرباء عالميًا ينعكس مباشرة على السوق المحلى فى مصر
قال أسامة جنيدي، رئيس لجنة الطاقة بجمعية رجال الأعمال المصرية اللبنانية، إن أزمة الطاقة الحالية كشفت الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة لقطاع الطاقة فى مصر، فى ظل استمرار الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعى الذى يمثل أكثر من 85% من إجمالى الطاقة المنتجة، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الدولة وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء، خاصة مع تنامى الاعتماد على الاستيراد خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف خلال حلوله ضيفًا على الكاتب الصحفى حسين عبدربه، رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير جريدة «البورصة»، فى حلقات بودكاست «البورصة» عن «اقتصاد الحرب»، أن حل الأزمة لا يرتبط بطرح أفكار جديدة بقدر ما يتطلب تفعيل الملفات القائمة بالفعل، وعلى رأسها تحرير سوق الطاقة، وإعادة النظر فى منظومة التسعير، ومنح أجهزة التنظيم استقلالية أكبر، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
وأكد أن مصر تمتلك فرصًا كبيرة للتحول إلى مركز إقليمى للطاقة، سواء عبر التوسع فى مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، أو من خلال الاستفادة من المخلفات والغاز الحيوي، مشددًا على أن الأزمة الحالية تمثل فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات إصلاحية سريعة تدعم استدامة القطاع وترفع كفاءته خلال السنوات المقبلة.
وإلى نص الحوار:
عبدربه: فى البداية.. كيف ترى وضع قطاع الطاقة فى مصر حاليًا؟
جنيدي: قطاع الطاقة يواجه تحديات كبيرة، خاصة أن معظم إنتاج الكهرباء فى مصر مازال يعتمد بشكل أساسى على الغاز الطبيعى بنسبة تتجاوز 85% من إجمالى الطاقة المنتجة، وهو ما جعلنا أكثر تأثرًا بأى تغيرات مرتبطة بتوافر الغاز أو أسعاره عالميًا. الحرب الأخيرة كشفت حجم الأزمة بشكل أوضح، خاصة مع زيادة الاعتماد على الاستيراد وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء بصورة كبيرة.
لكن فى رأيي، المشكلة ليست فقط فى نقص الإنتاج أو زيادة الاستهلاك، بل فى طريقة إدارة ملف الطاقة بالكامل، لأن الملف يحتاج إلى إعادة نظر شاملة سواء من الناحية التنظيمية أو الاقتصادية أو التشريعية.
عبدربه: ما أبرز الإصلاحات المطلوبة لإدارة الملف بصورة أفضل؟
جنيدي: أعتقد أن البداية يجب أن تكون من الجانب المؤسسى والإجرائي، لأن تعدد الجهات المسئولة عن الطاقة يؤدى أحيانًا إلى بطء اتخاذ القرار وتداخل الاختصاصات، لذلك أرى أن فكرة توحيد وزارات البترول والغاز والكهرباء فى وزارة واحدة للطاقة تستحق الدراسة بجدية، مع فصل قطاع التعدين فى جهة مستقلة.
كذلك من المهم منح جهاز تنظيم الكهرباء استقلالية كاملة عن الوزارة، لأنه يمتلك خبرات كبيرة وقادر على إدارة العلاقة بين المنتج والمستهلك بكفاءة، والأمر نفسه ينطبق على جهاز تنظيم الغاز، لأن وجود جهة تنظيمية مستقلة وفعالة يساعد على خلق سوق أكثر توازنًا وشفافية.
عبدربه: كيف تقيم خطوات تحرير سوق الطاقة فى مصر؟
جنيدي: هناك قوانين صدرت بالفعل لتحرير السوق وتنظيم مشاركة القطاع الخاص، لكن التنفيذ لايزال أبطأ من المطلوب بسبب بعض الإجراءات البيروقراطية والعقبات التنفيذية، وبالتالى نحن بحاجة إلى قرارات أكثر حسمًا وسرعة لتفعيل السوق بشكل حقيقي.
تحرير السوق سيخلق منافسة أكبر ويشجع على الاستثمار فى مجالات متعددة، سواء فى إنتاج الكهرباء أو الطاقة المتجددة أو حلول كفاءة الطاقة، كما أنه سيساعد على تحسين جودة الخدمة وتقليل الأعباء على الدولة.
عبدربه: ذكرت أن تسعير الطاقة يمثل جوهر الأزمة.. كيف ذلك؟
جنيدي: لأن الطاقة مازالت تُباع بأقل من تكلفتها الحقيقية فى كثير من القطاعات، سواء للمواطنين أو للمصانع أو المستشفيات أو المبانى الإدارية وغيرها، وبالتالى لا يوجد حافز حقيقى للترشيد.
الترشيد لا يتحقق فقط بحملات التوعية، لكنه يرتبط بشكل أساسى بشعور المستهلك بالتكلفة الحقيقية للطاقة، فعندما ترتفع الفاتورة سيبدأ تلقائيًا فى البحث عن وسائل لتقليل الاستهلاك.
عبدربه: وهل ترى أن المبانى الخضراء يمكن أن تسهم فى خفض الاستهلاك؟
جنيدي: بالتأكيد، لأن تطبيق كود المبانى الخضراء يمكن أن يخفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 30%، وهى نسبة كبيرة جدًا، لكن للأسف التطبيق مازال محدودًا حتى الآن.
نحن بحاجة إلى إلزام الجهات المختلفة بتطبيق هذا الكود، خاصة فى المشروعات الجديدة، لأن تحسين كفاءة المبانى يوفر على الدولة والمستهلك فى الوقت نفسه.
عبدربه: كيف تنظر إلى إجراءات ترشيد الاستهلاك مثل غلق المحال مبكرًا؟
جنيدي: أى إجراء للترشيد يجب تقييمه بشكل شامل، بمعنى أننا نحتاج إلى معرفة حجم الوفر الحقيقى الذى تحقق، وفى المقابل ما تأثير هذه القرارات على النشاط الاقتصادى وعلى دخول العاملين.
الهدف ليس خفض الاستهلاك، لكن أيضًا الحفاظ على النشاط الاقتصادى وعدم الإضرار بالقطاعات المختلفة.
عبدربه: ما دور التسعير العادل للطاقة فى تشجيع حلول الترشيد؟
جنيدي: عندما يتم تسعير الطاقة بصورة عادلة، سيبدأ الجميع فى البحث عن حلول مبتكرة لتقليل الاستهلاك، سواء فى المصانع أو المبانى أو حتى المنازل.
سنجد توسعًا أكبر فى استغلال الطاقة المهدرة، واستخدام الطاقة الشمسية، وتطبيق أنظمة كفاءة الطاقة.
عبدربه: وماذا عن مستقبل الطاقة الشمسية فى مصر؟
جنيدي: الطاقة الشمسية من أهم الفرص المتاحة أمام مصر، والمشكلة ليست فى التكلفة بقدر ما هى فى السياسات والإجراءات.
هناك حاجة لإعادة النظر فى بعض القرارات، وتشجيع التوسع فى الاستخدام سواء للمنازل أو المنشآت الصناعية والتجارية.
عبدربه: هل يمكن أن تمثل المخلفات مصدرًا مهمًا للطاقة؟
جنيدي: بالتأكيد، مصر تمتلك إمكانيات كبيرة جدًا فى هذا المجال، ويمكن لهذه المصادر أن توفر قدرات إنتاجية إضافية مهمة إذا تم إزالة المعوقات التنظيمية.
لدينا نماذج ناجحة مثل مشروع الجبل الأصفر الذى ينتج كهرباء من الغاز الحيوى الناتج عن معالجة الصرف الصحي.
عبدربه: كيف ترى مشروعات الطاقة المتجددة الكبرى؟
جنيدي: هناك خطوات إيجابية بالفعل، وعلى رأسها مشروع بنبان، الذى يعد من أفضل مشروعات الطاقة الشمسية عالميًا، وهذه التجربة يجب تكرارها والتوسع فيها.
عبدربه: ماذا عن الهيدروجين الأخضر؟
جنيدي: الهيدروجين الأخضر يمثل فرصة واعدة جدًا، لكن التنفيذ ما زال محدودًا، والمطلوب التحول من الاتفاقات إلى مشروعات حقيقية.
عبدربه: هل ترى أن نسبة الطاقة المتجددة الحالية مناسبة؟
جنيدي: لاتزال أقل من المستهدف الحكومي، وبالتالى هناك حاجة لتسريع وتيرة التنفيذ.
عبدربه: كيف يمكن تعزيز دور القطاع الخاص؟
جنيدي: القطاع الخاص لديه قدرة كبيرة، والدولة يجب أن تركز على التنظيم ووضع السياسات.
عبدربه: وهل تعتقد أن دعم الطاقة ضرورى لجذب المستثمرين؟
جنيدي: لا، لأن مصر تمتلك مزايا تنافسية كثيرة أخرى، وبالتالى لا يجب أن يكون دعم الطاقة هو الأساس.
عبدربه: وكيف يمكن تحقيق العدالة فى ملف الدعم؟
جنيدي: الدعم يجب أن يوجه فقط للفئات غير القادرة، بينما يتم تطبيق التسعير الحقيقى على باقى الفئات.
عبدربه: كيف ترى مستقبل قطاع الطاقة فى مصر؟
جنيدي: رغم التحديات الحالية، أرى أن الأزمة تمثل فرصة حقيقية لإجراء إصلاحات جذرية فى قطاع الطاقة، وإذا تم اتخاذ قرارات سريعة وشجاعة يمكن لمصر أن تحقق نقلة كبيرة خلال السنوات المقبلة.









