عادت أسهم التوزيعات النقدية لتفرض نفسها مجددًا داخل البورصة المصرية، مع اتجاه شريحة واسعة من المستثمرين نحو الأسهم الدفاعية القادرة على توفير تدفقات نقدية مستقرة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية واستمرار تقلبات الأسواق.
ويرى متعاملون وخبراء أن التوزيعات النقدية أصبحت أحد العوامل الرئيسية في قرارات الاستثمار خلال الفترة الحالية، خاصة مع تراجع شهية المخاطرة وارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، ما دفع المستثمرين للبحث عن عائد دوري مستقر بجانب المكاسب الرأسمالية.
ووفقًا لمسح أجرته صحيفة «البورصة»، تصدر قطاع البتروكيماويات قائمة القطاعات الأعلى توزيعًا للأرباح النقدية عن العام الماضي، بعدما وزعت شركة «أبوقير للأسمدة» كوبونًا بقيمة 6 جنيهات للسهم، تلتها «موبكو» بقيمة 3.94 جنيه، ثم «سيدي كرير» بقيمة 50 قرشًا، وأخيرًا «أموك» بواقع 40 قرشًا للسهم.
حامد: التوزيعات تمنح المستثمر طمأنينة فى أوقات التذبذب
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن أسهم التوزيعات تكتسب أهمية أكبر خلال فترات التذبذب، لأنها تمنح المستثمر قدرًا من الطمأنينة وتوفر عائدًا دوريًا يشبه العائد البنكي المستمر.
وأضافت أن قطاع البنوك جاء ضمن أكثر القطاعات توزيعًا للأرباح خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمته البنك التجاري الدولي وبنك أبوظبي الأول وكريدي أجريكول، إلى جانب شركات الأسمدة التي استفادت من قوة نتائج الأعمال والتدفقات النقدية.
وأوضحت أن بعض البنوك رفعت نسب التوزيع مقارنة بالأعوام السابقة، مدفوعة بتحسن الأرباح، مشيرة إلى أن العديد من الشركات تحافظ على ما يُعرف بنسبة التوزيع المستقرة حتى مع تغير مستويات الأرباح، في إطار سياسة تستهدف الحفاظ على ثقة المستثمرين.
وتوقعت حامد استمرار الأداء الجيد للأسهم خلال الفترة المقبلة، مدعومًا بتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي والطروحات المرتقبة، خاصة مع استمرار نمو الناتج المحلي رغم التوترات العالمية.
وكشف المسح عن تصدر شركات الأسمنت أيضًا قائمة التوزيعات المرتفعة، بعدما وزعت «مصر للأسمنت ـ قنا» كوبونًا بقيمة 10 جنيهات للسهم، و«العربية للأسمنت» نحو 5.34 جنيه، فيما جاء قطاع البنوك ضمن أكبر القطاعات توزيعًا، بقيادة «التجاري الدولي» الذي وزع 6 جنيهات للسهم، و«كريدي أجريكول» بقيمة 3.32 جنيه، إلى جانب «التعمير والإسكان» بواقع 8 جنيهات للسهم.
مسعود: إقبال متزايد على الأسهم الدفاعية الباحثة عن العائد المستقر
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن أسهم التوزيعات النقدية تعد من أكثر الأدوات التي تحظى بإقبال المستثمرين خلال الفترات المضطربة، باعتبارها خيارًا دفاعيًا يوفر مصدر دخل دوري ومستقر نسبياً.
وأضاف أن هذا التوجه انعكس على أداء عدد من الأسهم، خاصة شركات المطاحن والألومنيوم وبعض شركات الأدوية، التي شهدت ارتفاعات سعرية مدفوعة بإقبال المستثمرين الباحثين عن العائد المستقر.
وأشار إلى أن بعض الشركات تحقق عوائد توزيعات مرتفعة لكنها تعاني ضعف السيولة وأحجام التداول، ما يقلل من جاذبيتها لبعض المستثمرين، موضحًا أن بناء المحافظ الاستثمارية يجب أن يعتمد على التوازن بين أسهم العائد المرتفع والأسهم ذات معدلات النمو القوية.
وأوضح مسعود أن فلسفة الاستثمار لا تعتمد فقط على التوزيعات النقدية، وإنما على قدرة الشركات على تحقيق نمو مستدام ينعكس مستقبلًا على الأرباح والتوزيعات معًا.
وأضاف أن المستثمر الأجنبي خلال الأزمات يميل بصورة أكبر إلى الشركات القادرة على تحقيق نمو مستدام، وليس فقط الأسهم صاحبة العائد النقدي المرتفع، لكنه أكد أن انخفاض تقييمات الأسهم المصرية مايزال يدعم جاذبية السوق مقارنة بأسواق المنطقة.
وجاء قطاع الأغذية والمشروبات ضمن القطاعات الدفاعية الأعلى توزيعًا للأرباح، بعدما وزعت «مطاحن شمال القاهرة» 3 جنيهات للسهم، و«مطاحن الإسكندرية» 75 قرشًا، فيما وزعت «عبور لاند» و«إيسترن كومباني» كوبونات بقيمة 1.75 جنيه و1.45 جنيه للسهم على التوالي.
سيد: التوازن بين التوسع والتوزيع مفتاح جذب المستثمرين
وقال أحمد سيد، العضو المنتدب لشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، إن سياسة التوزيعات تعكس قوة ربحية الشركة والتدفقات النقدية المتاحة لديها، إلى جانب خططها التوسعية واحتياجات التمويل المستقبلية.
وأضاف أن الشركات مطالبة بتحقيق توازن بين التوسع والنمو من جهة، وتوزيع الأرباح على المساهمين من جهة أخرى، لأن استقرار التوزيعات يمثل عامل جذب مهمًا للمستثمرين، خاصة الأجانب.
وأشار إلى أن المستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن أعلى عائد توزيعات، بل يهتم أيضًا باستدامة الأرباح والحوكمة والسيولة وقوة المركز المالي، وهو ما يجعل قطاعات البنوك والأغذية والأدوية والأسمدة والاتصالات من أكثر القطاعات جاذبية.
طه: 16% من الشركات وزعت أكثر من 40% من أرباحها العام الماضى
من جانبها، قالت سلمى طه، مدير إدارة البحوث بشركة النعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن جاذبية أسهم التوزيعات لا ترتبط فقط بالعائد النقدي، وإنما بقدرتها على توفير الاستقرار النسبي خلال فترات عدم اليقين.
وأضافت أن التوزيعات النقدية تدعم العائد الكلي للمستثمر، وتوفر سيولة يمكن إعادة استثمارها أو استخدامها كوسيلة للتحوط ضد التضخم، مشيرة إلى أن عددًا من الشركات اتجه خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز سياسات التوزيع بهدف جذب السيولة والحفاظ على استقرار أسعار الأسهم.
وأوضحت أن نحو 16% من الشركات الأكثر نشاطًا بالسوق خلال العام الماضي وزعت أكثر من 40% من أرباحها، فيما تجاوزت نسبة التوزيع لدى نحو 8% من الشركات مستوى 50% من صافي الأرباح، بما يعكس اتجاه عدد من الشركات لاستخدام التوزيعات كأداة لتعزيز ثقة المستثمرين.
وأكدت أن الشركات الناضجة ذات التدفقات النقدية المستقرة تكون أكثر ميلًا لزيادة التوزيعات، بينما تفضل شركات النمو الاحتفاظ بالأرباح لتمويل توسعاتها المستقبلية.
وأشارت إلى أن أسهم التوزيعات لا تمثل ملاذًا آمنًا بالمعنى التقليدي مثل الذهب أو أدوات الدخل الثابت، لكنها تبقى خيارًا دفاعيًا نسبيًا داخل سوق الأسهم، خاصة مع ارتفاع مستويات الضبابية العالمية.
وقال مصطفى شفيع، خبير الاقتصاد وأسواق المال، إن توزيعات الأرباح تمثل أحد عناصر تحقيق العائد للمستثمر بجانب الأرباح الرأسمالية الناتجة عن ارتفاع أسعار الأسهم.
وأضاف أن المستثمرين يفضلون الشركات التي تمتلك سجلًا مستقرًا في التوزيعات النقدية، موضحًا أن تقييم قوة التوزيعات لا يعتمد فقط على قيمة الكوبون، وإنما أيضًا على عائد التوزيع مقارنة بالقيمة السوقية للسهم والشركات المماثلة داخل القطاع.
وأشار إلى أن الاستمرارية في التوزيعات تظل أكثر أهمية من تحقيق عائد مرتفع بصورة مؤقتة، لأن العائد المستدام يمنح السهم جاذبية أكبر على المدى الطويل.
من جانبه، قال عبدالحميد إمام، إن المستثمرين الأجانب يفضلون الأسهم التي تجمع بين التوزيعات النقدية والسيولة المرتفعة واستدامة نمو الأرباح.
وأضاف أن المستثمر الأجنبي يركز بصورة خاصة على الأسهم ذات أحجام التداول المرتفعة والإدراج المزدوج، لما توفره من مرونة في الدخول والخروج من الاستثمار خلال فترات التقلبات.
وأشار إلى أن البنك التجاري الدولي يمثل نموذجًا واضحًا للأسهم الجاذبة للأجانب، في ظل قوة توزيعاته وسيولته المرتفعة وإدراجه الخارجي، إلى جانب استقرار نمو أرباحه.
وأوضح إمام أن الشركات أصبحت أكثر اتجاهًا نحو تبني سياسات توزيع مستقرة بهدف جذب المستثمرين والحفاظ على جاذبية الأسهم، خاصة مع تزايد اهتمام صناديق الاستثمار العالمية بالشركات القادرة على تحقيق توازن بين النمو والعائد الدوري.







