عززت البنوك المصرية، توجهها نحو تمويل القطاع العقاري، مدفوعة بالتوسع في مبادرات التمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل، إلى جانب النمو المتسارع في الطلب على التمويلات السكنية، ما انعكس على الارتفاع الملحوظ في حجم محافظ القروض العقارية بالسوق المحلية.
وأعاد هذا التوسع المتنامي في التمويلات العقارية، طرح تساؤلات، بشأن هيكل توزيع الائتمان المصرفي، ومدى توازن توجيه التمويلات بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، في ظل تنامي حصة القطاع العقاري داخل محافظ القروض والتسهيلات الائتمانية بالبنوك، مقارنة بقطاعات أخرى ترتبط بصورة مباشرة بزيادة الإنتاج والتشغيل وتعزيز النشاط الاقتصادي.
أظهرت القوائم المالية، وفقاً لمسح أجرته «البورصة»، ارتفاع إجمالي محفظة القروض العقارية لدى 9 بنوك عاملة في السوق المصرية، لتصل إلى نحو 43.5 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 41.1 مليار جنيه نهاية ديسمبر 2025، مسجلة نموًا بنسبة 6%.
وتصدر بنك القاهرة قائمة البنوك محل المسح، بعدما ارتفعت محفظة التمويل العقاري لديه إلى نحو 13.83 مليار جنيه مقابل 12.85 مليار جنيه، ضمن إجمالي قروض وتسهيلات للعملاء بلغ نحو 225.7 مليار جنيه مقارنة بـ 221.9 مليار جنيه.
وسجل بنك قطر الوطني الأهلي محفظة قروض عقارية بلغت نحو 12.4 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 11.73 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، من إجمالي تسهيلات ائتمانية للبنك نحو 465.92 مليار جنيه مقابل 440.65 مليار جنيه.
كما ارتفعت محفظة التمويل العقاري لدى البنك التجاري الدولي إلى نحو 8.51 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 7.98 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، فيما بلغ إجمالي القروض والتسهيلات الممنوحة للعملاء نحو 545.9 مليار جنيه، مقابل 503.4 مليار جنيه.
وسجل بنك الكويت الوطني – مصر نموًا في محفظة القروض العقارية لتصل إلى نحو 3.5 مليار جنيه ، مقابل 3.25 مليار جنيه، في حين ارتفع إجمالي التسهيلات الائتمانية إلى نحو 133.2 مليار جنيه مقارنة، بنحو 120.9 مليار جنيه.
كما ارتفعت محفظة القروض العقارية لدى بنك saib إلى نحو 1.92 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 1.83 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بالتوازي مع ارتفاع إجمالي التسهيلات الممنوحة للعملاء إلى نحو 78.4 مليار جنيه مقابل 74.1 مليار جنيه خلال نفس فترتي المقارنة.
وفي سياق متصل، أظهر تقرير صادر عن صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، ارتفاع إجمالي التمويلات المقدمة ضمن مبادرة التمويل العقاري إلى نحو 104.6 مليار جنيه استفاد منها حوالي 701.9 ألف عميل حتى نهاية أبريل 2026.
وبلغت تمويلات محدودي الدخل نحو 97.18 مليار جنيه، فيما سجلت شريحة متوسطي الدخل نحو 4.93 مليار جنيه، استفاد منها 13.6 ألف عميل، بمشاركة 23 بنكًا في المبادرة.
وتصدر البنك الأهلي المصري البنوك المشاركة في مبادرة التمويل العقاري لمحدودي الدخل، بتمويلات بلغت 22.96 مليار جنيه لصالح نحو 170 ألف عميل حتى نهاية أبريل 2026، تلاه بنك مصر بتمويلات قيمتها 22.251 مليار جنيه لنحو 158.7 ألف عميل، ثم بنك القاهرة بتمويلات بلغت 11.99 مليار جنيه استفاد منها نحو 72 ألف عميل.
وسجل بنك التعمير والإسكان تمويلات بقيمة 8.2 مليار جنيه لنحو 77.1 ألف عميل، فيما بلغت تمويلات بنك قطر الوطني الأهلي نحو 7.9 مليار جنيه لصالح 40.1 ألف عميل. كما ضخ البنك التجاري الدولي تمويلات بقيمة 6.73 مليار جنيه لنحو 36.6 ألف عميل.
وبلغت تمويلات بنك نكست نحو 2.82 مليار جنيه لصالح 13.8 ألف عميل، بينما سجل المصرف المتحد تمويلات بقيمة 2.62 مليار جنيه لنحو 16.8 ألف عميل. كما بلغت تمويلات بنك التنمية الصناعية نحو 2.31 مليار جنيه لصالح 18.9 ألف عميل حتى نهاية أبريل 2026.
وضخ بنك المشرق مصر تمويلات عقارية بقيمة 1.4 مليار جنيه لنحو 8 آلاف عميل، فيما سجل البنك العربي الأفريقي الدولي تمويلات بلغت 1.388 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
كما بلغت تمويلات saib ضمن مبادرة التمويل العقاري لمحدودي الدخل نحو 1.243 مليار جنيه لصالح 8 آلاف عميل بنهاية أبريل 2026.
وسجل البنك المصري لتنمية الصادرات محفظة قروض عقارية بلغت نحو 1.282 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 1.280 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، من إجمالي تسهيلات ائتمانية للبنك نحو 91.5 مليار جنيه، مقابل 84.2 مليار جنيه.
كما ارتفعت محفظة القروض العقارية لدى البنك المصري الخليجي إلى نحو 714.9 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 682.4 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بالتوازي مع ارتفاع إجمالي التسهيلات الممنوحة للعملاء إلى نحو 63.4 مليار جنيه، مقابل 60.5 مليار جنيه خلال نفس فترتي المقارنة.
وسجل بنك التعمير والإسكان نموًا في محفظة قروض المشروعات السكنية لتصل إلى نحو 1.9 مليون جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 1.8 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، في حين ارتفع إجمالي التسهيلات الائتمانية إلى نحو 63.7 مليون جنيه مقارنة بنحو 60.3 مليون جنيه.
وفي المقابل، تراجعت محفظة المرابحات العقارية لدي بنك فيصل الإسلامي المصري بنسبة 0.27% لتصل إلي 2.75 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 مقابل 2.76 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، من إجمالي مرابحات ومشاركات للعملاء بلغت 16.3 مليار جنيه، مقابل 16.2 مليار جنيه، خلال نفس فترتي المقارنة.
«وجيه»: تحدي التوازن الائتماني يفرض تنويع المحافظ
قالت شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن التمويل العقاري يعد من أكثر الأنشطة التمويلية جاذبية داخل القطاع المصرفي، مدفوعًا بالنمو المتزايد في الطلب على الوحدات السكنية، إلى جانب طبيعة هذا النشاط التي تجمع بين العائد المستقر نسبيًا ومستويات المخاطر الأقل مقارنة ببعض القطاعات التمويلية الأخرى.
وأوضحت أن التمويل العقاري يتميز بكونه قروضًا طويلة الأجل مدعومة بأصول حقيقية تتمثل في الوحدات العقارية، وهو ما يمنح البنوك درجة أعلى من الضمانات مقارنة بتمويلات أخرى قد تتأثر بتقلبات النشاط التجاري أو الصناعي، كما أسهمت المبادرات المدعومة من البنك المركزي، خاصة الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل، في خفض تكلفة المخاطر الائتمانية، وزيادة جاذبية هذا النشاط من الناحية التشغيلية والربحية.
وأكدت وجيه، أن النمو القوي في التمويلات الموجهة للقطاع العقاري يعكس أهمية القطاع في دعم النشاط الاقتصادي، لكنه يفرض في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على توازن داخل الهيكل الائتماني للجهاز المصرفي، لتجنب التركز الائتماني على حساب قطاعات إنتاجية أخرى مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير.
وأوضحت أن القطاع العقاري بطبيعته يتمتع بقدرة كبيرة على جذب السيولة، وهو ما قد يدفع بعض البنوك إلى زيادة التوسع فيه باعتباره أقل مخاطرة وأكثر استقرارًا نسبيًا، إلا أن الإفراط في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إعادة توجيه جزء من الائتمان بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.
وأشارت وجيه، إلي أن القطاع المصرفي قد يتجه خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة قدر من التوازن في أولوياته الائتمانية، من خلال زيادة التركيز على القطاعات الإنتاجية والصناعية والتصديرية، في إطار توجه الدولة لدعم الصناعة المحلية وتعزيز الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات.
وأكدت أن مستقبل التمويل العقاري سيظل قويًا، لكنه سيكون جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تنويع التوظيفات الائتمانية داخل الجهاز المصرفي، بما يضمن استدامة الربحية وقدرة البنوك على مواجهة التقلبات الاقتصادية المختلفة.
«أبو الخير»: التركز في العقار قد يرفع المخاطر حال تباطؤ السوق
وقال الخبير المصرفي، أحمد أبو الخير، إن نشاط التمويل العقاري في مصر شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بعوامل رئيسية، في مقدمتها المبادرات التي أطلقها البنك المركزي لدعم محدودي ومتوسطي الدخل، إلى جانب الارتفاع المستمر في الطلب على الوحدات السكنية، واتجاه البنوك إلى تنويع محافظها الائتمانية وتعزيز أنشطتها طويلة الأجل.
وأشار إلى أن هذه المبادرات أسهمت في توسيع قاعدة الشمول المالي عبر إتاحة التمويل الرسمي لشرائح أكبر من المواطنين، فضلًا عن تشجيع البنوك على التوسع في تمويل الأفراد وتقديم التسهيلات الائتمانية للمطورين العقاريين.
وشدد أبوالخير، على أن التوسع الكبير في التمويل العقاري وزيادة وزن القطاع العقاري داخل محافظ البنوك قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع نسبي في حصة التمويلات الموجهة لقطاعات إنتاجية أخرى مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير، وهي القطاعات التي تعد أكثر قدرة على خلق قيمة مضافة مستدامة وتعزيز الإيرادات الدولارية.
وحذر من أن استمرار التوسع بالمعدلات الحالية لفترات طويلة قد يفرض تحديات مرتبطة بتركيز المخاطر داخل الجهاز المصرفي، خاصة حال حدوث تباطؤ في السوق العقارية أو تراجع القدرة الشرائية نتيجة استمرار الضغوط التضخمية أو ارتفاع أسعار الفائدة، بما قد ينعكس على قدرة بعض العملاء على السداد وحركة المبيعات والتدفقات النقدية لشركات التطوير العقاري.
وشدد أبوالخير، على أن البنوك والجهات الرقابية تحرص على الحفاظ على توازن مناسب في توزيع الائتمان بين مختلف القطاعات الاقتصادية، بما يمنع التركز المفرط في نشاط واحد، حتى وإن كان يتمتع بدرجة أعلى نسبيًا من الضمانات والاستقرار.
وأكد أن التمويل العقاري مرشح لمواصلة النمو خلال الفترة المقبلة، ولكن بوتيرة أكثر حذرًا وانتقائية، في ظل توجه البنوك إلى إعادة قدر من التوازن داخل محافظها الائتمانية لدعم القطاعات الإنتاجية والصناعية والتصديرية.
«لقمة»: المبادرات تدعم مبيعات محدودي الدخل .. لكن الفائدة التجارية ترفع تكلفة التطوير
وقال محمد لقمة، رئيس مجلس إدارة شركة ديتيلز للمقاولات، إن مبادرات التمويل العقاري التي أطلقتها الحكومة المصرية لمحدودي الدخل لعبت دورًا مهمًا في تنشيط الطلب على الوحدات السكنية، مشيرًا إلى أنها استهدفت في الأساس توفير مسكن ملائم للفئات الأقل دخلًا، وأسهمت في جذب شريحة واسعة من المواطنين نحو شراء الوحدات المطروحة من الدولة بدلًا من السوق الفردية.
وأوضح أن هذه المبادرات أحدثت حالة من الرواج داخل القطاع العقاري والمقاولات، خاصة أن شريحة محدودي الدخل تمثل نسبة كبيرة من المجتمع، رغم أن العديد من المطورين العقاريين يركزون عادة على الفئات المتوسطة وفوق المتوسطة باعتبارها الأكثر ربحية.
وأضاف أن دخول البنوك كشريك تمويلي بالتعاون مع الحكومة عزز من نجاح المبادرات، لاسيما مع تقديم برامج تمويل بفائدة منخفضة لشقق محدودي الدخل، وهو ما أسهم في زيادة معدلات المبيعات وتحفيز شرائح جديدة على التملك، بالتوازي مع تنفيذ المشروعات بصورة جيدة.
أكد لقمة أن أسعار الفائدة التجارية الحالية تمثل أحد أبرز التحديات أمام المطورين العقاريين، موضحًا أن التمويل العقاري لا يتناسب بطبيعته مع الفائدة التجارية المرتفعة، التي وصلت إلى مستويات تتراوح بين 22% و23%.
«يوسف»: التمويل العقاري يعتمد على أصول حقيقية تجعله نشاطًا جاذبًا للبنوك
وقال شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة الشمس للمقاولات، إن البنوك لعبت دورًا رئيسيًا في دعم النشاط العقاري من خلال توفير التمويل اللازم للعملاء، بما يسهم في تسريع عمليات البيع للمطورين وأصحاب المشروعات العقارية، لافتًا إلى أن آلية التمويل العقاري ساعدت على تسهيل الإجراءات، إذ يحصل العميل على التمويل بضمان الوحدة السكنية، بما يحقق استفادة لجميع الأطراف.
وأشار إلى أن برامج التمويل العقاري المدعومة، خاصة الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل، أسهمت في تحفيز الطلب بصورة أكبر، لا سيما مع انخفاض أسعار الفائدة مقارنة بالتمويلات التجارية، وهو ما عزز قدرة شريحة واسعة من المواطنين على الشراء.
أضاف أن القطاع العقاري يحظى بأولوية واضحة لدى البنوك، باعتباره من أكثر القطاعات استقرارًا من حيث الضمانات، موضحًا أن التمويل العقاري يعتمد على أصول حقيقية بما يجعله نشاطًا جاذبًا للبنوك مقارنة ببعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى.








