قفزة الوقود تضع المصانع الصغيرة أمام أصعب اختبار منذ تحول الطاقة 1996
في مدينة هندية تحمل إرثاً يمتد لأربعة قرون في صناعة الزجاج، يقف موكيش بانسال أمام أزمة غير مسبوقة، متسائلاً عن المدة التي يستطيع خلالها الاستمرار في إنتاج الأساور والأكواب والثريات المنفوخة يدوياً، وهي المنتجات التي صنعت شهرة المدينة في الأسواق العالمية.
لقد تسببت اضطرابات إمدادات الغاز القادمة من الخليج، والتي تعتمد عليها أفران “مدينة الزجاج” في الهند، في قفزة حادة بأسعار الطاقة، ما دفع كثيراً من المصانع إلى تقليص إنتاجها تحت ضغط ارتفاع التكاليف وتراجع الإمدادات.
وقال بانسال، رئيس شركة “شري سيتارام جلاس ووركس”، إن “هذه أسوأ أزمة تضربنا على الإطلاق”، في إشارة إلى حجم الضغوط التي تواجهها الصناعة حالياً.
سبق أن واجهت مدينة فيروزب آباد، أزمة طاقة مدمرة، بحسب ما أوضحته صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية.
فقد شهدت المدينة عام 1996 تحولاً قاسياً عندما أُمرت مصانعها بالانتقال من استخدام الفحم إلى الغاز، بهدف حماية الواجهات الرخامية البيضاء لتاج محل، الواقع على بُعد 40 كيلومتراً فقط، من آثار الرماد والتلوث.
لم تتمكن سوى ثلث شركات الزجاج في المدينة من النجاة من تلك المرحلة الصعبة، بعدما وجدت المصانع نفسها أمام تحول إجباري وسريع في مصادر الطاقة.
قال بانسال مستعيداً تلك الفترة: “عندما صدر حكم عام 1996، اضطررنا إلى الانتقال بين ليلة وضحاها، وبدأنا من الصفر”.
واليوم، تجد صناعة الزجاج نفسها مرة أخرى في مواجهة اضطراب عميق في إمدادات الطاقة، لكن هذه المرة بفعل أزمة إقليمية أوسع نطاقاً.
إذ يأتي ثلثا واردات الهند من الغاز من الشرق الأوسط، في وقت أدى فيه إغلاق مضيق هرمز، نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران، إلى تقييد الإمدادات ودفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
تشكل أسعار الوقود ما يصل إلى 35% من تكاليف صناعة الزجاج، نظراً لاعتماد الأفران على إمدادات مستمرة من الطاقة للحفاظ على درجات حرارة قد تصل إلى 1000 درجة مئوية، وهي ضرورة تشغيلية لا يمكن الاستغناء عنها في هذه الصناعة.
يقول صُناع الزجاج، وكثير منهم يديرون مصانع صغيرة ومتوسطة الحجم كانت تعمل أصلاً بهوامش ربح شديدة الضيق، إن تخفيضات إمدادات الغاز بأكثر من 20% منذ أوائل مارس أدت إلى تراجع الإنتاج بمتوسط 30%.
امتدت تداعيات الأزمة إلى الصادرات، التي تمثل نحو 30% من إنتاج فيروزب آباد وتتجه بصورة أساسية إلى الولايات المتحدة، إذ تراجعت بفعل قفزة أسعار الشحن.
كما توقفت الشحنات المتجهة إلى الخليج، الذي يُعد وجهة رئيسية أخرى لمنتجات المدينة.
توقف إمدادات “رماد الصودا” من إيران يربك الصناعة وسط اتساع تداعيات الحرب
وقال راج كومار ميتال، رئيس نقابة مصنعي الزجاج في أوتار براديش، إن “إمدادات الغاز قصيرة، وتكاليف المدخلات ارتفعت”، موضحاً أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الطاقة وحدها.
وأضاف أن إمدادات رماد الصودا، وهو مكون رئيسي في صناعة الزجاج ويأتي جزء كبير منه من إيران، توقفت تقريباً بسبب الحرب.
تخوض الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، مفاوضات حاسمة لتمديد وقف هش لإطلاق النار، في خطوة قد تفتح الباب أمام إعادة طهران تشغيل مضيق هرمز تدريجياً، والسماح باستئناف شحنات الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
غير أن صدمة الطاقة العالمية بدأت بالفعل تلقي بظلالها على حملة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي “اصنع في الهند”، التي تستهدف تحويل البلاد إلى قوة تصنيع كبرى ومنافس رئيسي للصين في سلاسل التوريد العالمية.
حذر مودي، هذا الشهر، من أن جائحة فيروس كورونا، والصراعات العالمية، وأزمة الخليج، تشكل مجتمعة ما وصفه بـ”عقد من الكوارث”.
الأمم المتحدة تحذر من دفع 2.5 مليون هندي إلى الفقر
في السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الشهر الماضي من أن صراع الشرق الأوسط قد يدفع ما يصل إلى 2.5 مليون شخص في الهند إلى دائرة الفقر.
تبرز خطورة الأزمة بصورة أكبر داخل قطاع التصنيع الصغير والمتوسط في الهند، الذي يضم معظم صُناع الزجاج، ويمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي و45% من الصادرات.
كانت هذه الصناعة تواجه بالفعل ضغوطاً متصاعدة عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العام الماضي، رفع الرسوم الجمركية على صادرات الهند إلى 50%، لمعاقبة نيودلهي على مشترياتها من النفط الروسي.
في مدينة فيروزب آباد وحدها، يعمل ما يصل إلى مليون شخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة الزجاج، فيما تضم المدينة نحو 200 شركة تحقق إيرادات سنوية تزيد على مليار دولار، إلى جانب صادرات بقيمة 200 مليون دولار، وفقاً لبانسال، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس “اتحاد مصنعي الزجاج في عموم الهند”.
وقال أبهيشيك كومار، رئيس “رابطة رواد الأعمال في الهند”، إن 26% من أكثر من 30 مليون شركة تصنيع صغيرة في البلاد باتت “على أجهزة الإنعاش”، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الكيميائية والنقل.
حذر مسؤولون هنود، في أحاديث خاصة، من أن المواطنين يجب أن يستعدوا لصدمة اقتصادية محتملة.
ناشد مودي الهنود شد الأحزمة والحفاظ على إمدادات الوقود، من خلال العمل من المنزل، واستخدام وسائل النقل العامة، وتجنب السفر إلى الخارج لقضاء العطلات أو حضور حفلات الزفاف، إلى جانب تعليق مشتريات الذهب غير الضرورية.
يحاول بعض المنتجين الأصغر حجماً، البحث عن بدائل تساعدهم على التكيف مع الأزمة.
لجأ آشيش أوجها، الذي تعمل عائلته منذ أكثر من ثلاثة عقود في صناعة منحوتات زجاجية رائجة لآلهة هندوسية، إلى استخدام أسطوانات غاز البترول المسال، وهي الأسطوانات التي تُستخدم عادة في الطهي.
غير أن هذا البديل لم يكن بمنأى عن موجة الغلاء، إذ قفزت أسعار أسطوانات غاز البترول المسال أيضاً بنسبة 50%، ما أجبر أوجها على خفض إنتاجه إلى النصف.
وقال أوجها: “لسنا طرفاً في الحرب، لكننا نتحمل وطأتها”، في عبارة تلخص شعور كثير من المنتجين الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن أزمة لا يملكون التأثير في مسارها.
لكن هذه المحاولات الفردية للتكيف قد لا تكون كافية بالنسبة إلى كثير من صُنّاع الزجاج.
ففي هذا الوقت من العام، كان من المفترض أن تكون ورشة بانسال منشغلة بإنتاج زينة الهالوين وعيد الميلاد، وهي منتجات تُوجه في جانب كبير منها إلى السوق الأمريكية.
إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة 25% جعل كثيراً من أفرانه مهدداً بالتوقف عن العمل.
فقد قال بانسال: “نواصل العمل بطريقة أو بأخرى، لكننا لا نعرف إلى متى”.







