تواجه صناعة الجلود والدباغة، تحديات عميقة، بعد مرور موسم عيد الأضحى، الذي يمثل ذروة النشاطات السنوية.
وتظهر حاليا مطالبات واسعة من مجتمع الأعمال بضرورة تعديل السياسات التصديرية، والسماح بتصدير الجلود بمختلف مراحل تصنيعها، وعلى رأسها الجلد نصف المصنع «الويت بلو»، لإنقاذ المدابغ من حالة الركود الحاد وتراجع الطاقات الإنتاجية إلى 50%.
ورغم أن موسم الأضاحي يمثل «الفرصة الذهبية» للقطاع بتقديمه نصف الإنتاج السنوي، إلا أن استمرار عمليات الذبح العشوائي خارج المجازر الآلية تسبب في هدر جزء كبير من الجلود نتيجة ارتفاع نسب التلف والقطع، ما دفع بأسعار الجلد النيئ إلى التراجع ليتراوح بين 150 و250 جنيهاً للقطعة لدى بعض التجار، وسط تراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار الماشية وتقلص أعداد الأضاحي مقارنة بالسنوات الماضية.
كما برزت دعوات استثمارية للمطالبة بفتح باب التصدير لـ «هوالك ومخلفات الجلود» وهي الجلود التالفة غير الصالحة للدباغة التقليدية، كبديل اقتصادي وبيئي يضمن توفير تدفقات من النقد الأجنبي عبر البورصات العالمية، بالتوازي مع تحركات الشركات المصرية نحو تنويع أسواقها التصديرية في إيطاليا، وإسبانيا، وتركيا، والقارة الأفريقية، لتعويض تراجع الطلب في السوق الصيني وامتصاص قفزات تكاليف الشحن والإنتاج بمدينة الروبيكي الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.
مهران: لا توجد مبررات اقتصادية لمنع تصدير الجلود فى مراحلها المختلفة
قال محمد مهران، رئيس شعبة دباغة الجلود بغرفة القاهرة التجارية، إنه ينبغي تبني سياسات أكثر مرونة تجاه تصدير مختلف مراحل تصنيع الجلود، بما يسهم في زيادة حصيلة النقد الأجنبي وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الثروة الجلدية في مصر.
أضاف لـ«البورصة»، أن تنوع أشكال التصدير يمثل أحد أهم أدوات دعم القطاع، موضحًا أنه لا توجد مبررات اقتصادية لمنع تصدير الجلود في مراحلها المختلفة، سواء الجلد نصف المصنع “الويت بلو”، أو الجلد شبه النهائي، أو الجلد النهائي، خاصة أن بعضها يمر بعدة مراحل تصنيع تضيف قيمة حقيقية للمنتج قبل تصديره.
أكد مهران، أن الأسواق الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم بتصدير الجلود الخام إلى الأسواق العالمية، وهو ما يؤكد أهمية إتاحة جميع البدائل أمام المصدرين وفقًا لآليات السوق ومتطلبات الطلب العالمي.
وأشار إلى أن موسم عيد الأضحى يشهد سنويًا تدفق كميات كبيرة من الجلود التالفة أو منخفضة الجودة الناتجة عن الذبح العشوائي، وهي جلود لا تصلح في كثير من الحالات لعمليات الدباغة التقليدية، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يتم التخلص منه بطرق غير اقتصادية، سواء بالحرق أو الإلقاء في أماكن غير مخصصة، ما يمثل عبئًا بيئيًا واقتصاديًا على الدولة.
وأوضح مهران أن تصدير هذه الكميات في صورة “مخلفات جلدية”، يمكن أن يحقق عائدًا من العملات الأجنبية، إلى جانب المساهمة في الحد من المشكلات البيئية الناتجة عن التخلص العشوائي منها، مشيرًا إلى أن السوق العالمية تستوعب مثل هذه المنتجات وفقًا للأسعار المتداولة في البورصات الدولية.
أضاف أن جزءًا كبيرًا من الجلود الناتجة عن الموسم الحالي قد توجه لصناعة الجيلاتين والمنتجات الثانوية نتيجة ارتفاع نسب التلف والقطع الناتجة عن عمليات الذبح غير الاحترافية.
وحول تطورات الأسعار، أوضح رئيس شعبة دباغة الجلود، أن الأسعار تشهد تراجعًا حادًا خلال الفترة الحالية، إذ تتراوح بين 150 و250 جنيهًا للقطعة بحسب الجودة، مقارنة بمستويات تراوحت بين 300 و400 جنيه خلال الأعوام السابقة، فيما تجاوزت الأسعار حاجز الألف جنيه للجلدة الواحدة عام 2017.
وأرجع مهران هذا الانخفاض السعري، إلى المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية للجلود، مؤكدًا أن القطاع يتأثر بشكل مباشر بحركة الأسعار الدولية ومستويات الطلب في الأسواق الخارجية.
وطالب الجهات الحكومية المعنية، وعلى رأسها وزارة الصناعة، بفتح حوار موسع مع جميع الأطراف العاملة في صناعة الجلود، بما يشمل المدابغ والمصدرين والمصنعين ومؤسسات الأعمال المرتبطة بالقطاع، للوصول إلى رؤية متكاملة تدعم تنافسية الصناعة المصرية وتعزز فرصها التصديرية خلال الفترة المقبلة.
الكبير: ارتفاع أسعار الماشية وانخفاض أعداد الأضاحى وراء تراجع معروض الجلود
وقال نادر الكبير، رئيس شركة الكبير للجلود والأحذية عضو المجلس التصديري للصناعات الجلدية، إن صناعة الجلود المحلية تواجه تحديات متزايدة خلال الفترة الحالية، نتيجة ارتفاع أسعار الخامات ومستلزمات الإنتاج، خاصة المستوردة، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي أثرت على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وتكاليف الاستيراد.
أضاف لـ«البورصة»، أن تلك التطورات رفعت أعباء الإنتاج على المصانع المحلية، في وقت تسعى فيه الشركات للحفاظ على قدرتها التنافسية داخل الأسواق المحلية والخارجية، مشيرًا إلى أن الصناعة تعتمد على عدد من الخامات المستوردة التي شهدت زيادات ملحوظة في أسعارها خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح الكبير، أن موسم عيد الأضحى 2026 شهد تراجعًا في أعداد الجلود المتاحة مقارنة بالعام الماضي، نتيجة انخفاض أعداد الأضاحي بسبب الارتفاعات الكبيرة في أسعار الماشية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الجلود التي يتم تجميعها خلال الموسم.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة لا يرتبط فقط بتراجع أعداد الأضاحي، وإنما أيضًا باستمرار عمليات الذبح خارج المجازر المعتمدة، وعدم تنفيذ عمليات السلخ والتجهيز بالطرق الفنية السليمة، ما يؤدي إلى تلف أجزاء من الجلد وخفض قيمته الاقتصادية والصناعية.
أكد الكبير، أن الجلود تمثل ثروة اقتصادية مهمة يمكن أن تسهم في دعم الصناعة وزيادة الصادرات إذا جرى التعامل معها بصورة صحيحة منذ لحظة الذبح وحتى دخولها مراحل التصنيع المختلفة.
وطالب الكبير، بالتوسع في إنشاء المجازر الآلية الحديثة ،موضحا أن تحسين جودة الجلد الخام هي خطوة أساسية لرفع القيمة المضافة للصناعة المحلية وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وأكد أن القارة الأفريقية تمثل واحدة من أهم الفرص التصديرية المتاحة أمام القطاع خلال الفترة الحالية، في ظل ارتفاع الطلب على المنتجات الجلدية بالعديد من الدول الأفريقية، إلى جانب الميزة السعرية التي يتمتع بها المنتج المصري مقارنة ببعض الدول المنافسة.
وأوضح أن أسعار المنتجات الجلدية المصرية تعد أكثر تنافسية مقارنة بمنتجات دول مثل تركيا، وهو ما يمنح الشركات المحلية فرصة أكبر للتوسع الخارجي وزيادة حصتها من الأسواق التصديرية خلال السنوات المقبلة.
الجباس: انخفاض جودة الجلود وانتشار المنتج الصينى يدفعان المدابغ نحو الركود
وقال عبد الرحمن الجباس، عضو مجلس إدارة غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، إن انخفاض أسعار الجلود يعود في جانب منه إلى تراجع جودة بعض الجلود المعروضة نتيجة عدم إجراء عمليات السلخ بالشكل السليم، ما يؤدي إلى حدوث تلفيات وقطع بالجلد تقلل من قيمته السوقية وتحد من استفادة المدابغ منه.
أضاف أن أسعار رؤوس الماشية شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، إذ وصلت أسعار بعض رؤوس الأبقار إلى نحو 100 ألف جنيه، وهو ما أثر على حجم الإقبال على شراء الأضاحي، وانعكس بالتبعية على عدد الجلود المتاحة داخل السوق.
أشار الجباس، إلى أن القطاع يعاني نقصًا في الكميات المتاحة من الجلود مقارنة بالأعوام السابقة، الأمر الذي تسبب في تراجع المعروض أمام المدابغ المحلية.
ولفت إلى أن عددًا كبيرًا من المدابغ يواجه حالة من الركود خلال الفترة الحالية نتيجة ضعف الطلب وتراجع النشاط بالسوق، إلى جانب المنافسة القوية من المنتجات المستوردة، خاصة القادمة من الصين.
وتابع: “المنتجات الصينية تستحوذ على حصة كبيرة من السوق بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالمنتج المحلي، رغم تقارب مستويات الجودة في بعض الفئات”.
قال الجباس، إن الصناعة الصينية تستفيد من توافر معظم الخامات ومستلزمات الإنتاج محليًا، بينما تعتمد المصانع المصرية على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الخارج، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة النهائية للمنتج المحلي ويضعف قدرته على المنافسة السعرية.
وفيما يتعلق بالتصدير، أوضح أن السوق الصينية تعد من أكبر الأسواق المستوردة للجلود المصرية، لكن التغيرات التي شهدتها حركة التجارة العالمية خلال الفترة الأخيرة دفعت العديد من المصدرين المصريين إلى البحث عن أسواق بديلة.
وبدأت الشركات المصرية، تتوسع داخل عدد من الأسواق الخارجية، من بينها تركيا وإسبانيا وإيطاليا وإندونيسيا، بهدف تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على وجهة تصديرية واحدة.
أكد الجباس، أن تنويع الأسواق الخارجية يمثل أحد الحلول المهمة لدعم صادرات القطاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها التجارة العالمية، لافتًا إلى أن صناعة الجلود المصرية تمتلك فرصًا كبيرة للنمو إذا تم التغلب على التحديات المرتبطة بتوفير الخامات ورفع جودة الجلود الخام وتحسين القدرة التنافسية للمنتج المحلي.
وقال محمود سرج، رئيس المجلس التصديري للجلود، إن موسم الأضاحي يمثل فرصة ذهبية للاقتصاد القومي لما يتيحه من كميات هائلة من الجلود يمكن استغلالها في التصدير والصناعات الجلدية، خاصة وأن كمية الجلود التي يتم إنتاجها في “عيد الأضحى” تعادل تقريبًا ما يتم إنتاجه خلال باقي شهور السنة مجتمعة، وهو ما يؤكد أهمية تنظيم هذه العملية بعيدًا عن العشوائية.
أضاف أن استمرار عمليات الذبح خارج المجازر الآلية أو النصف آلية يتسبب في فقدان نسبة كبيرة من الجلود بسبب الذبح غير المهني وغياب الاشتراطات الفنية، مؤكدًا أن الجلود تمثل ثروة قومية حقيقية، ويجب أن تتم عمليات الذبح في نطاق آمن ومدار بشكل احترافي داخل المجازر الحكومية أو الخاصة المؤهلة لذلك، وليس في الشوارع أو المناطق العشوائية.
وقال محمد صابر، رئيس مجلس إدارة شركة «الحوري لتجارة وصناعة الجلود بالروبيكي»، إن الشركة تعمل حالياً بنحو % 60 من طاقتها الإنتاجية، نتيجة الارتفاع الملحوظ في تكاليف المواد البتروكيماوية، وزيادة أجور العمالة ومصروفات النقل بمدينة الروبيكي، وهو ما زاد من الأعباء المالية على أصحاب المصانع.
وطالب صابر، بفتح باب تصدير الجلد نصف المصنع «الويت بلو» ؛ بهدف زيادة حجم صادرات القطاع وتحقيق تدفقات إضافية من العملة الأجنبية، مشيراً إلى أن قرار حظر التصدير مازال سارياً حتى الآن.
وشدد على أهمية التوسع في إنشاء المجازر الآلية للحد من نسب الهالك وتقليل الهدر، بما يتيح للمصانع استغلال طاقاتها الإنتاجية المعطلة، لافتاً إلى أن شركته توجه نحو % 20 من إنتاجها للتصدير إلى أسواق الهند، وتركيا، وإسبانيا، وإيطاليا، والصين، لكن التوترات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة ألقت بظلالها على تكاليف شحن البضائع صعوداً.
وقال خالد سيد، رئيس مجلس إدارة «مجموعة شركات 6 أكتوبر للدباغة وصناعة الجلود»، إن أسعار جلود الأبقار النيئة سجلت ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى 500 جنيه للجلدة الواحدة، مقابل 300 جنيه خلال العام الماضي، مدفوعة بزيادة معدلات الطلب.
وتوقع أن تواصل أسعار الجلد صعودها لتتراوح بين 700 و800 جنيه للجلدة بحلول منتصف شهر يونيو الحالي مع بدء قفزة الطلب المصاحبة للموسم.
وهبة: القطاع يعمل بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 50 %
وقدر مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية، أسعار جلود الأبقار خلال موسم عيد الأضحى الأسبوع الماضي بين 200 و350 جنيهاً للقطعة، مدعومة بوفرة المعروض.
وأشار إلى أن إجمالي أعداد رؤوس الأضاحي المذبوحة داخل المجازر الرسمية وصل إلى نحو 22 ألف رأس، بينما 44 ألف رأس ذبحت خارجها، إذ تستحوذ الأبقار على نحو 50% منها.
وأكد وهبة، أن قطاع القصابين يعمل بنحو % 50 من طاقته الإنتاجية خلال السنوات القليلة الماضية، متأثراً بتراجع الأنشطة والصناعات المعتمدة على الجلود، مطالباً بتعديل القرار الصادر منذ عام 2011 والمتعلق بحظر تصدير «الويت بلو»، بما يسهم في تشجيع المصنعين، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي.







