«قوة عظمى غير جديرة بالثقة تُجبر حلفاءها التقليديين على التحوّط فى رهاناتهم الأمنية والاقتصادية»
إنها لحظة آسرة فى عالَم السياسة الدولية والأسواق العالمية. فالعالم يعيش حالةً من الاضطراب، وهذا يرجع فى المقام الأول إلى حقيقةٍ مفادها أن الولايات المتحدة، التى لا تزال القوة العظمى المهيمنة، أصبحت فى الأساس طرفاً فاعلاً غير جدير بالثقة. فالرئيس دونالد ترامب يعمل بنشاط على تمزيق النظام الدولى الذى بنته الولايات المتحدة وقادته على مدار السنوات الثمانين الأخيرة.
ومع ذلك، تشهد الأسواق المالية حالةً من الازدهار، ليس فقط فى الولايات المتحدة، بل أيضاً فى شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية، وقسمٍ كبيرٍ من أوروبا.
فهل المستثمرون مخطئون، أم أن الصورة أشد تعقيداً مما يوحى به هذا التناقض الظاهرى؟
رغم أن الوضع معقد حقاً، فإن ثلاثة عوامل رئيسية ستشكل السياسة العالمية والأسواق خلال السنوات المقبلة.
أولاً: لا توجد عموماً أى قيود سياسية تحكم تطور الذكاء الاصطناعى المتسارع، الذى يمثل القوة الدافعة وراء انتعاش السوق، ومن المنتظر أن يستمر، للأفضل أو للأسوأ، دون أى ضابط أو رابط تقريباً.
لقد وصلت أهم ثورة تكنولوجية فى التاريخ ــ الثورة التى ستخلق فرصاً استثنائية ومخاطر غير مسبوقة ــ خلال فترة من «الركود الجيوسياسي»، فى وقتٍ حيث يتراجع النظام العالمى الحالى ليحل محله شيء جديد لا نستطيع رؤيته بعد.
سيؤدى الانهيار المتسارع فى العلاقات بين الحكومات الكبرى إلى ترك الذكاء الاصطناعى دون أى تنظيمٍ فعّالٍ تقريبًا. تعمل الشركات التى تبتكر النماذج الرائدة الآن كقوى جيوسياسية سيادية، لأن اختراعاتها ستثبت كونها أساسية لضمان أمننا وازدهارنا فى المستقبل.
إنه قانون الغاب، المطبّق على المنافسة التكنولوجية الشرسة (والمموّلة بسخاء استثنائي). ولا يدور «سباق تسلح» الذكاء الاصطناعى بين الولايات المتحدة والصين فحسب، بل أيضاً بين شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» والشركات المنافسة لهما.
والحوافز التى تدفع نحو النمو قبل الحذر لا يمكن إنكارها.ثانيًا: سيُعَوَّض عن تأثير نمو الذكاء الاصطناعى المتسارع فى السوق بضريبة سياسية مستمرة على العولمة.
على مدار نصف قرن من الزمن، كان المحرك الرئيسى للنمو الاقتصادى العالمى متمثلاً فى اندفاع الولايات المتحدة نحو الأسواق المفتوحة لتسريع التدفقات العابرة للحدود من الأفكار، والمعلومات، والأشخاص، والسلع، والخدمات، والأهم من هذا كله، رأس المال.
لكن الولايات المتحدة لم تعد تقود العولمة.
بدلاً من ذلك، تقود حملة لاستخدام العلاقات التجارية والمالية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، وهذا يجبر حكومات أخرى على تبنّى تدابير الحماية لوقاية صناعاتها وعمالها. (برغم أن ترامب تسبب فى زيادة هذا الاتجاه حِدّةً، فمن الجدير بنا أن نتذكر أن الديمقراطيين كانوا يتراجعون عن التجارة الحرة قبل وصوله إلى الساحة).
والنتيجة هى تحوّل عميق من عقلية المكسب المشترك إلى عقلية المحصّلة الصفرية.
صحيح أن دولاً أخرى لا تزال مترددة فى التخلى عن العولمة، كما يتضح من الاتفاقيات التجارية الرائدة التى أُبرمت مؤخراً والتى تضم الاتحاد الأوروبي، والهند، وتجمع ميركوسور (الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي، وأوروجواي)، والصين، وكندا، ودول أخرى.
«أصبح الشرق الأوسط الآن مكاناً أشد خطورة، مع إتاحة حيّزٍ أكبر لعمل قوى مارقة»
لكن الاتجاه العالمى نحو سياسات الحماية التى ترجع إلى دوافع سياسية يمثل الوضع المعتاد الجديد فى الوقت الحالي.ثالثًا: ينتج العالم مزيداً من «المخاطر الطرفية» (أحداث ضئيلة الاحتمال لكنها شديدة الخطورة) الأكبر حجماً ــ نتائج مدمرة حقاً تظل غير مرجحة، لكنها لم تعد بعيدة الاحتمال كما كانت فى السابق.
قوة عظمى غير جديرة بالثقة تُجبر حلفاءها التقليديين على التحوّط فى رهاناتهم الأمنية والاقتصادية، بينما يختبر المنافسون ما أصبح فى حكم الممكن.
ويتسبب التوتر المتعاظم بين الحكومات فى جعل حل المشكلات الدولية أكثر صعوبة وتكلفة.لنتأمل هنا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران على سبيل المثال.
كان القرار الذى اتخذه ترامب بمهاجمة الجمهورية الإسلامية ناجماً عن ثقة مفرطة، لكنه يعكس أيضاً انهيار علاقات أمريكا مع حلفائها ــ الذين لم يكن لهم أى تأثير على صنع القرار الأمريكي.وكانت النتيجة هى الارتباك التجارى الأكثر حدّةً منذ جائحة كوفيد-19.
صحيح أن الحرب لم تُشعل بعد شرارة ركود اقتصادى عالمي، لكن بصرف النظر عما قد يحدث فى مضيق هرمز أو جولة محتملة أخرى من المفاوضات حول البرنامج النووى الإيرانى فى الأمد القريب، ينشأ الآن الخطر الدائم المتمثل فى عودة الأعمال العدائية إلى الاندلاع من جديد فى أى لحظة، مع تداعيات عالمية أكبر.
علاوة على ذلك، أصبح الشرق الأوسط الآن مكاناً أشدّ خطورة، مع إتاحة حيّزٍ أكبر لعمل قوى مارقة، ومع تسبّب التحركات الانتقامية غير المقيدة من جانب الولايات المتحدة فى دفع قوى أخرى إلى مزيد من التطرف ــ سواء كانت جماعات مسلحة مثل الحوثيين فى اليمن، أو جماعات إرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية وفروعه، أو ذئاباً منفردة مدعومة بتكنولوجيات جديدة خطيرة.وهذه ليست المخاطر الطرفية الوحيدة ذات الأثر العالمى والناجمة عن عوامل جيوسياسية.
يبدو حالياً أن أوكرانيا تتمتع بزخم فى حربها ضد العدوان الروسي.
لكن هذا يعنى أن الرئيس فلاديمير بوتن سيكون فى حالة عزلة متزايدة الخطورة. كلما اقتربت أوكرانيا من إذلال الكرملين، يزداد خطر لجوء بوتن، فى حالة من اليأس، إلى توجيه ضربة نووية تكتيكية أو شن هجمات أكثر عدوانية ومباشرة على دول حلف شمال الأطلسى (الناتو) الواقعة على خط المواجهة لتغيير قواعد اللعبة.وتزداد احتمالية حدوث هذه النتائج بعد إعلان البيت الأبيض مؤخراً عن تخليه عن أى دور فى التوسط لإنهاء القتال.
ليس من المرجح حدوث أى من هذه السيناريوهات الخطيرة، لكنها أصبحت أكثر احتمالاً مما يرغب كثيرون فى الاعتراف به.
وهذه ليست سوى المخاطر المرئية بالفعل.
إن الافتقار إلى حوكمة الذكاء الاصطناعى وغيره من أسلحة الحرب الجديدة من شأنه أن يجعل أى صراع يندلع فى المستقبل أقل قابلية للتنبؤ بمجرياته وأشد خطورة.
وغياب التنسيق فى مجال الصحة العالمية ــ حيث أصبحت الحكومة الأمريكية أقل استعداداً للقيادة، وحُرِمَت منظمة الصحة العالمية من الموارد ــ يجعل احتمال اندلاع جائحة فى المستقبل أكثر ترجيحاً واحتمال النجاح فى احتوائها أقل.
باختصار، من المرجح أن تستمر الاختراقات التكنولوجية التى تدفع الأسواق إلى الارتفاع، لكن خطر حدوث ارتباكات على نطاق ضخم آخذ فى الازدياد أيضا.
قد تسير أمور كثيرة على ما يرام، أو على الأقل كما هو متوقع إلى أن تنقلب الأحوال.







