تتجه الأنظار إلى المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها مصر من عضويتها في مجموعة «البريكس»، في وقت يسعى فيه التكتل إلى توسيع التعاون التجاري والاستثماري بين أعضائه وتعزيز استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية والتمويلية.
وتراهن مصر على الاستفادة من شبكة العلاقات الاقتصادية التي يتيحها التكتل، سواء عبر زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية أو من خلال توسيع الشراكات الصناعية والتكنولوجية مع الاقتصادات الكبرى الأعضاء بالمجموعة، وفي مقدمتها الصين والهند وروسيا.
ورغم الاهتمام المتزايد بمبادرات تقليل الاعتماد على الدولار داخل «البريكس»، يرى خبراء أن الفرصة الأكبر أمام الاقتصاد المصري لا تكمن في تغيير عملة التسوية بقدر ما ترتبط بزيادة الإنتاج وتعزيز القدرة التصديرية وجذب استثمارات قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.
الجوهري: زيادة الصادرات إلى أسواق التجمع.. أكبر مكاسب مصر المحتملة
قال الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إن توسع “البريكس” في التسويات بالعملات المحلية لا يعني أن الدولار فقد مكانته أو أن العالم دخل بالفعل مرحلة ما بعد الدولار، فالعملة الأمريكية ما زالت العملة الأولى في الاحتياطيات الدولية والتجارة العالمية وتسعير السلع الاستراتيجية والديون وأسواق المال.
وأضاف الجوهري لـ”البورصة”، أن إزالة الدولرة ليست قرارًا سياسيًا بل عملية اقتصادية طويلة تحتاج إلى عملات قوية وأسواق مالية عميقة، وثقة دولية، وسيولة مرتفعة، وحرية تحويل واستقرار نقدي وتشريعي، وهي شروط لا تتوافر بنفس الدرجة في أغلب عملات دول البريكس حتى الآن.
وأشار إلى أن استخدام اليوان الصيني أو الروبية الهندية أو الروبل الروسي في التجارة الدولية يمثل فرصة مهمة لتخفيف تكلفة التحويلات وتسهيل التبادل التجاري مع الشركاء الكبار، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتعلق بتقلب أسعار الصرف وصعوبة إعادة توظيف الفوائض بالعملات المحلية وضعف قابلية بعض العملات للتحويل الكامل مقارنة بالدولار واليورو.
وأوضح الجوهري، أن الفرصة الأكبر لمصر تتمثل في استخدام العملات المحلية لتقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على الاحتياطي النقدي وتعزيز الصادرات إلى أسواق البريكس، وجذب استثمارات مباشرة من هذه الدول.
وفي المقابل، حذر من التعامل مع العملات المحلية باعتبارها بديلا كاملا للدولار لأن بعض هذه العملات لا تزال محدودة الانتشار دوليا وبعضها يخضع لقيود رأسمالية أو مخاطر جيوسياسية أو تقلبات سعرية.
كما أن الاحتفاظ بفوائض كبيرة منها قد يخلق تحديا إذا لم تكن هناك استخدامات تجارية واستثمارية واضحة لها.
وأكد الجوهري، أن العملات المحلية لدول البريكس تمتلك فرصا أكبر في التجارة الإقليمية والثنائية لكنها لا تمتلك حتى الآن المقومات الكاملة لمنافسة الدولار عالميا، فإن اليوان هو الأكثر تأهيلا، نظراً لحجم الاقتصاد الصيني وقوة التجارة الصينية مع العالم لكنه، ما زال مقيدا بدرجة من التحكم في حركة رأس المال أما الروبية والروبل والريال فتواجه تحديات أكبر في السيولة والقبول الدولي والاستقرار.
وبلغت قيمة التجارة العالمية نحو 35 تريليون دولار خلال عام 2025، مسجلةً أعلى مستوى في تاريخها، بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
المهدي: الدولار سيظل العملة الرئيسية عالميًا رغم توسع التكتلات
وقالت الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن استفادة مصر من عضويتها في مجموعة “البريكس” ترتبط بالدرجة الأولى بقدرتها على زيادة الصادرات وتنويع القاعدة الإنتاجية. وتعظيم الاستفادة من عضوية “البريكس” يبدأ من تقوية الاقتصاد المحلي ورفع قدرته على تلبية احتياجات الأسواق الخارجية.
أضافت أن نجاح هذا النموذج يتطلب وجود طلب حقيقي على صادرات الدولة العضو، إذ إن استخدام الجنيه المصري في المعاملات التجارية لن يكون ذي جدوى ما لم تمتلك مصر منتجات وسلعاً قادرة على النفاذ إلى أسواق دول التكتل.
وأشارت المهدي، إلى أن توجهات دول “البريكس” نحو توسيع استخدام العملات الوطنية تمثل في جوهرها مساراً لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية، لكنها لا تعني اختفاء العملة الأمريكية من المشهد الاقتصادي العالمي.
وأوضحت أن الدول التي تمتلك صادرات كبيرة ومتنوعة ستكون الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه الترتيبات، بينما ستظل استفادة الدول ذات العجز التجاري أو الصادرات المحدودة مرهونة بقدرتها على زيادة الإنتاج وتعزيز الطلب الخارجي على منتجاتها.
الشافعي: التسويات بالعملات المحلية تدعم إدارة السيولة وتنويع الاحتياطي
وقال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن تخفيف الاعتماد على الدولار في بعض التعاملات التجارية من شأنه أن يحد من الضغوط المرتبطة بتوفير العملة الأمريكية، ويمنح البنك المركزي مساحة أوسع لتنويع احتياطاته الأجنبية وإدارة سلة العملات المستخدمة في تقييم الجنيه المصري، بما يدعم استقرار سوق الصرف على المدى المتوسط والطويل.
كما توقع أن يسهم هذا التوجه في جذب استثمارات مباشرة من دول “البريكس”، خاصة في ظل توافر أدوات تمويلية جديدة وآليات دعم يقدمها بنك التنمية الجديد التابع للتكتل.
وفي المقابل، حذر الشافعي، من أن تنوع العملات المستخدمة في التجارة الدولية قد يزيد من تعقيدات إدارة الاحتياطيات النقدية، خاصة في ظل تقلبات أسعار صرف بعض العملات البديلة مقارنة بالدولار، إلى جانب احتمالات تراكم فوائض من عملات محلية يصعب إعادة توظيفها أو استخدامها على نطاق واسع في الأسواق العالمية.
وأكد أن دول “البريكس” تمتلك فرصاً متزايدة لبناء نظام مالي أكثر توازناً وتعددية خلال السنوات المقبلة، لكنه استبعد أن يؤدي ذلك إلى إزاحة الدولار من موقعه المحوري في النظام النقدي العالمي.
وأرجع ذلك إلى عمق الأسواق المالية الأمريكية، واستمرار الثقة العالمية في الأصول المقومة بالدولار، إلى جانب صعوبة التوافق بين دول التكتل على بديل موحد في ظل اختلاف هياكلها الاقتصادية ومصالحها الاستراتيجية.
وارتفع صافي احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى 53.134 مليار دولار في شهر مايو الماضي، مقابل 53.009 مليار دولار في أبريل الماضي، بزيادة بلغت 125 مليون دولار، بحسب بيانات البنك المركزي.
وكشف البنك المركزي، ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 33.2% لتسجل 39.2 مليار دولار خلال الفترة من يوليو وحتى أبريل من العام المالي 2025 /2026، مقابل 29.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
الوقاد: موقع مصر الجغرافي يعزز دورها كبوابة للأسواق الأفريقية
وأكدت دينا الوقاد، باحثة في الاقتصاد الدولي، المُحاضر بجامعة ميد أوشن، أن مصر تمتلك مزايا تنافسية فريدة تجعلها مؤهلة للقيام بدور محوري في حركة التجارة الدولية، وليس مجرد دولة عبور للبضائع، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وقناة السويس وشبكة الموانئ المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط.
وأضافت أن دول البريكس تنظر إلى مصر باعتبارها بوابة رئيسية للأسواق الأفريقية، خاصة مع تنامي أهمية اتفاقيات التجارة الحرة داخل القارة، بما يمنح المنتجات المصنعة أو المعاد تصديرها من مصر فرصاً أكبر للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية بإعفاءات جمركية وتكاليف أقل مقارنة بعدد من المراكز التجارية المنافسة.
وأوضحت الوقاد، أن عضوية مصر في مجموعة البريكس تفتح المجال أمام استخدام عملات بديلة مثل اليوان والروبل والروبية في بعض المعاملات التجارية والتمويلية، بما يقلل من تأثير التشدد النقدي الأمريكي على الاقتصاد المصري، ويمنح صانعي السياسات مساحة أكبر للتحرك في إدارة سعر الصرف.
وشددت على أن قدرة مصر على تقليل اعتمادها على الدولار ستظل مرتبطة بهيكل الدين الخارجي وطبيعة الواردات الأساسية، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الالتزامات الخارجية ما زالت مقومة بالدولار، الأمر الذي يجعل الحاجة إليه قائمة خلال الفترة المقبلة.
وأكدت الوقاد، أن هذا يتطلب إجراء دراسات اقتصادية وقياسية متخصصة لتقييم آثارها المحتملة على الاقتصاد المصري، مشيرة إلى أن التحولات الجارية لا تقتصر على البعد السياسي، بل قد تمثل فرصة حقيقية لإعادة تشكيل منظومة التمويل الدولية وخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.
وكشف البنك المركزي المصري عن سداد فوائد وأقساط ديون خارجية بقيمة 6.442 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي 2025 /2026، مقارنة بنحو 7.952 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام المالي السابق. وتوزعت أعباء خدمة الدين بين فوائد مدفوعة بقيمة 2.078 مليار دولار، وأقساط مسددة بلغت 4.363 مليار دولار.
حسانين: نجاح البريكس يتطلب مزايا اقتصادية ملموسة لا مجرد توسع سياسي
وقال الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن التوسع في استخدام العملات المحلية بين دول البريكس، يأتي في إطار استراتيجية أوسع تقودها الصين لتعزيز حركة التجارة والاستثمار بين اقتصادات الجنوب العالمي، خاصة في آسيا وأفريقيا، وخلق مسارات تجارية ومالية موازية للأسواق التقليدية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأضاف لـ “البورصة”، أن بعض الخطوات العملية بدأت بالفعل من خلال تسوية جزء من المعاملات التجارية باليوان الصيني أو الروبل الروسي، إلا أن الحديث عن إنشاء عملة موحدة للبريكس ما زال في إطار المناقشات، ولم يتحول حتى الآن إلى واقع عملي يمكن تداوله على نطاق واسع داخل الأسواق العالمية، وهو ما يجعل تقييم جدوى هذه الفكرة سابقاً لأوانه.
وأشار حسانين، إلى أن مجموعة البريكس تمتلك فرصاً كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين أعضائها، خاصة في مجالات التمويل والاستثمار والطاقة المتجددة ونقل التكنولوجيا، إلا أن التحدي الرئيسي يتمثل في تباين المصالح والأولويات بين الدول الأعضاء، حيث تسعى كل دولة إلى تحقيق أهدافها الوطنية الخاصة وهو ما قد يحد من سرعة التحول نحو تكامل اقتصادي أعمق.
وأكد أن الفرصة الحقيقية لمصر داخل البريكس، تكمن في الاستفادة من الخبرات المتنوعة للدول الأعضاء، سواء في مجالات التكنولوجيا والتصنيع المتقدم من الصين، أو التجارب التنموية والاجتماعية من الهند، أو الخبرات الصناعية والطاقة من روسيا، فضلاً عن الاستفادة من التجربة البرازيلية في الزراعة والصناعات الغذائية.
حجازي: اللوجستيات والطاقة والصناعة الأكثر استفادة من الشراكات الجديدة
وقال محمود حجازي، الخبير الاقتصادي، إن قدرة الجنيه المصري على الاستفادة من التوسع في استخدام العملات المحلية داخل مجموعة البريكس ترتبط بشكل مباشر بمدى نجاح مصر في معالجة الاختلالات الهيكلية في ميزانها التجاري مع دول التكتل.
وأوضح أن استمرار العجز التجاري مع هذه الدول يعني أن الضغوط النقدية قد تنتقل من الدولار إلى عملات أخرى مثل اليوان الصيني والروبل الروسي والروبية الهندية، دون تحقيق استفادة حقيقية للجنيه المصري، ما لم يتزامن ذلك مع تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية وزيادة الصادرات الموجهة إلى أسواق دول البريكس، بما يخلق طلباً مقابلاً على العملة المصرية ويعزز مكانتها في منظومة التسويات التجارية.
وأضاف حجازي، أن تعظيم الاستفادة من هذا التوجه يتطلب الإسراع في تفعيل اتفاقيات تبادل العملات الثنائية، إلى جانب تعزيز الاندماج في أنظمة الدفع والتسوية البديلة، فضلاً عن مواصلة جهود السيطرة على معدلات التضخم المحلية للحفاظ على استقرار الجنيه المصري وجاذبيته كعملة قابلة للتداول والتسوية في المعاملات التجارية.
ورجح أن يركز التكتل خلال المرحلة المقبلة، على توسيع استخدام العملات المحلية التقليدية والرقمية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية، بما يضمن تحقيق توازن المصالح بين الدول الأعضاء دون الإخلال بالتوازنات الاقتصادية القائمة.
وأشار إلى أن مصر تمتلك مجموعة من المقومات الجيوسياسية والاقتصادية التي تؤهلها للقيام بدور محوري داخل منظومة البريكس، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي لقناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، والتي توفر قاعدة لوجستية وصناعية متكاملة لتجميع وتصنيع وتوزيع منتجات دول التكتل إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأوضح حجازي، أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية تمنح مصر ميزة إضافية باعتبارها بوابة رئيسية لنفاذ منتجات واستثمارات البريكس إلى الأسواق الأفريقية، وهو ما يعزز من فرص تحولها إلى مركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير.
ويرى حجازي أن قطاعات اللوجستيات والنقل البحري والصناعات التحويلية والهندسية تأتي في مقدمة القطاعات الأكثر استفادة من هذه التحولات، خاصة في ظل فرص توطين التكنولوجيا ونقل الخبرات الصناعية من الصين والهند، إلى جانب قطاعات السياحة والأمن الغذائي والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والتي تمتلك فرص نمو كبيرة في إطار الشراكات الاقتصادية المتنامية بين مصر ودول البريكس.







