قبل أيام من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، تتجه غالبية توقعات بنوك الاستثمار والمؤسسات البحثية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في ظل تباطؤ التضخم محليًا، واستمرار الضبابية العالمية، وترقب الأسواق لأي إشارات جديدة بشأن مسار السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام.
ويكتسب الاجتماع المرتقب أهمية خاصة، باعتباره أحد أبرز الأحداث الاقتصادية التي تترقبها الأسواق، لما يحمله من رسائل بشأن اتجاه السياسة النقدية، ومدى استعداد البنك المركزي لاستئناف دورة التيسير أو مواصلة التريث لحين اتضاح الصورة بشكل أكبر.
وكان البنك المركزي قد أبقى في اجتماعه الأخير أسعار العائد الأساسية دون تغيير، ليستقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%، وهو المستوى الذي لا يزال يمثل نقطة ارتكاز في تسعير السوق وتوقعات المتعاملين.

وتعززت رهانات التثبيت بعد تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 14.6% خلال مايو 2026 مقابل 14.9% في أبريل، بما يشير إلى استمرار المسار النزولي للأسعار، وإن بوتيرة لا تزال حذرة، في ظل حساسية المشهد لأي صدمات خارجية أو تحركات جديدة في أسعار الطاقة.
متولي: السياسة النقدية تتجه للتريث مع انحسار الضغوط السعرية
وقال علي متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإحدى شركات الاستشارات في لندن، إنه يرجح إبقاء البنك المركزي على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية خلال الاجتماع المنتظر، مستندًا إلى تباطؤ معدلات التضخم محليًا، بالتزامن مع هدوء نسبي في التوترات الإقليمية، بما يقلل الحاجة إلى تحرك سريع في أسعار العائد.
الوقاد: «المركزي» يوازن بين التضخم واستقرار سوق الصرف
من جانبها، قالت دينا الوقاد، باحثة الاقتصاد الدولي والمحاضِرة بجامعة ميد أوشن، إن السيناريو الأكثر ترجيحًا لاجتماع لجنة السياسة النقدية هو التثبيت، في ضوء استمرار عدد من العوامل الداخلية والخارجية التي تستدعي تبني نهج حذر في إدارة السياسة النقدية.
وأرجعت ذلك إلى استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، إلى جانب التطورات الجيوسياسية المتلاحقة، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى الحفاظ على الاستقرار المالي واستقرار سوق الصرف، لحين اتضاح الرؤية بصورة أكبر.
وأضافت أن توجه «المركزي» يتسق كذلك مع البيئة النقدية العالمية، خاصة بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في يونيو 2026 الإبقاء على نطاق الفائدة دون تغيير عند 3.5% – 3.75%، بما يعزز أهمية الحفاظ على فارق عائد مناسب بين الجنيه والعملات الأجنبية، ويدعم جاذبية الأصول المقومة بالعملة المحلية.
وأشارت الوقاد إلى أن تراجع التضخم خلال الأشهر الماضية يمثل تطورًا إيجابيًا، لكنه لا يكفي وحده لتبرير استئناف دورة خفض الفائدة، مرجحة أن ينتظر البنك المركزي مزيدًا من القراءات التي تؤكد استدامة المسار النزولي واقترابه من المستهدف، قبل الإقدام على أي خفض جديد.
ورجحت استمرار التثبيت خلال الاجتماعات المتبقية من 2026، على أن يُعاد النظر في خفض الفائدة خلال 2027 إذا واصلت المؤشرات الاقتصادية تحسنها، وتراجعت الضغوط الخارجية والمحلية.
أحمد: هدوء أسواق الطاقة قد يمهد لخفض الفائدة بنهاية العام
بدورها، توقعت إسراء أحمد، الاقتصادي الأول بوحدة البحوث في شركة «ثاندر» لتداول الأوراق المالية، أن يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع يوليو، رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية في الفترة الأخيرة.
وقالت إن تراجع أسعار خام برنت وتطورات التهدئة الإقليمية يمثلان إشارات إيجابية، لكنهما لا يكفيان وحدهما لاستئناف التيسير النقدي، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم وعدم انحسارها بصورة كاملة.
وأضافت أن التوترات الجيوسياسية لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، مع بقاء احتمالات تجدد الضغوط قائمة، وهو ما يدفع «المركزي» إلى تبني نهج أكثر حذرًا.
ولفتت إلى أن البيئة النقدية العالمية لا تزال تميل إلى الإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة أو التحرك بحذر شديد، وليس إلى تيسير واسع وسريع، بما يعزز مبررات تثبيت الفائدة محليًا في الوقت الراهن.
كما رأت أن تحركات بعض البنوك الحكومية برفع العائد على أوعية ادخارية مختارة تعكس أن السوق لا تزال بعيدة نسبيًا عن مرحلة التيسير الكامل.
وفي هذا السياق، أعلن بنك مصر رفع عائد شهادة «القمة» الثلاثية إلى 17.75% سنويًا بعائد شهري، مع طرح دورية ربع سنوية بعائد 17.85%، إلى جانب شهادات متغيرة يصل عائدها حاليًا إلى 19.25%.
وأكدت أحمد أن قرار البنك المركزي خلال ما تبقى من العام سيظل مرهونًا بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، خاصة عبر انعكاسها على أسعار الطاقة. ورجحت أنه إذا استقر وقف إطلاق النار واستمرت أسعار الطاقة عند مستويات منخفضة، فقد يصبح خفض أسعار الفائدة مطروحًا خلال الربع الأخير من العام.
عبدالنبي: التثبيت يظل الخيار الأقرب حتى يترسخ هبوط التضخم
وفي السياق ذاته، قال أحمد عبدالنبي، رئيس قسم البحوث بشركة «مباشر» لتداول الأوراق المالية، إن استمرار المسار النزولي للتضخم، رغم بعض الضغوط السعرية المؤقتة، يعزز توجه البنك المركزي نحو الإبقاء على سياسة نقدية حذرة خلال المرحلة الحالية، انتظارًا لمزيد من الانخفاض المستدام في التضخم.
ورجح عبدالنبي أن يؤجل «المركزي» أي خفض إضافي في أسعار الفائدة إلى الاجتماعات المقبلة، لحين ظهور مؤشرات أكثر قوة تؤكد تراجع الضغوط التضخمية بما يسمح باستكمال دورة التيسير دون الإضرار باستقرار الأسعار.
شفيع: قرار الفيدرالي يدعم استمرار السياسة النقدية المتحفظة
من جانبه، توقع مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة «أسطول» القابضة، أن تظل احتمالات الإبقاء على أسعار العائد دون تغيير هي الأقرب في الوقت الحالي.
وأرجع ذلك إلى استمرار تشدد السياسات النقدية عالميًا، أو على الأقل تمسك عدد كبير من البنوك المركزية بنبرة حذرة، إلى جانب بقاء المخاطر الجيوسياسية قائمة رغم التحسن النسبي في أسعار بعض السلع عالميًا.
وأضاف أن من الصعب الجزم بمسار الفائدة خلال ما تبقى من 2026 في ظل استمرار حالة عدم اليقين، مرجحًا استمرار التثبيت، على الأقل خلال الربع الثالث من العام، ما لم تطرأ متغيرات كبيرة على مسار التضخم أو أسعار الطاقة أو تدفقات النقد الأجنبي.








