أنهى مؤشر السوق السعودية جلسة 30 يونيو على ارتفاع يومي طفيف، مختتماً بذلك آخر جلسات النصف الأول من العام بتسجيل مكاسب بلغت 2.9%.
شهدت تحركات عدد من الأسهم تبايناً لافتاً مع الأوضاع المالية للشركات، إذ تراجعت أسهم شركات حققت أرباحاً، في حين سجلت أسهم شركات تعاني خسائر متراكمة مكاسب ملحوظة.
ورأى خبراء تحدثوا إلى “الشرق بلومبرج” أن صعود أسهم شركات تكبدت خسائر متراكمة أدت إلى تآكل كبير في حقوق المساهمين، في ظل غياب إفصاحات استراتيجية مؤثرة، يعكس في كثير من الأحيان هيمنة المضاربات قصيرة الأجل على التداولات. ويضيفون أن المستثمرين لم يعودوا يقيمون الأسهم استناداً إلى الأرباح الحالية فقط، بل يراهنون أيضاً على فرص التعافي وإعادة الهيكلة.
خسائر متراكمة في أكثر من 50 شركة
قال هشام أبو جامع، كبير المستشارين لدى شركة “نايف الراجحي الاستثمارية” لـ”الشرق بلومبرج”: “تكبدت أكثر من 50 شركة مدرجة في السوق المالية السعودية، سواء في السوق الرئيسية أو سوق نمو، خسائر متراكمة أدت إلى تآكل حقوق المساهمين وانخفاضها إلى مستويات تقل عن رأس المال المدفوع”.
وأضاف: “الأكثر إثارة للانتباه أن ثلاث شركات تجاوزت خسائرها المتراكمة كامل رأس المال، ما يعني أن حقوق المساهمين أصبحت سالبة، أي أن إجمالي التزامات الشركة يفوق قيمة أصولها”.
ورغم هذه المؤشرات المالية السلبية، سجلت أسهم سبع شركات تعاني خسائر متراكمة مكاسب ملحوظة منذ بداية عام 2025، تراوحت بين 6% و171%، بحسب أبو جامع.
تصدرت “السعودية للأسماك” قائمة الرابحين بارتفاع بلغ 171%، تلتها “سينومي ريتيل” بنسبة 45%، ثم “الكابلات السعودية” بنسبة 39%.
أبو جامع تابع أن هذه المكاسب السوقية لا تعكس، حتى الآن، أي تحسن جوهري أو ملموس في الأداء المالي أو نتائج الأعمال أو المراكز المالية المعلنة لتلك الشركات، ما يرجح أن الجزء الأكبر من هذه الارتفاعات يعود إلى نشاط المضاربين وزيادة الإقبال على التداولات قصيرة الأجل، أكثر من كونه انعكاساً لتحسن الأساسيات المالية أو توقعات واقعية لنمو الأرباح.
خسائر متراكمة
عند مراجعة أداء بعض الأسهم التابعة لشركات تعاني خسائر متراكمة، يتبين أن سهم “بان القابضة” ارتفع بنسبة 13.9% منذ بداية العام، رغم إعلان الشركة بنهاية الربع الأول تسجيل خسائر متراكمة بلغت 50% من رأس المال.
وينطبق الأمر أيضاً على سهم “السعودية للأسماك”، الذي صعد بنسبة 19.6% خلال النصف الأول من العام، رغم بلوغ خسائره المتراكمة 28% من رأس المال.
ارتفع سهم “صادرات” بنسبة 3.4% منذ بداية العام، رغم تسجيل الشركة خسائر متراكمة تعادل 48% من رأس المال.
ورغم أن قواعد السوق السعودية تصنف الشركات ذات الخسائر المتراكمة وفق نسبة الخسائر إلى رأس المال، فإن عدداً محدوداً منها حقق مكاسب منذ بداية عام 2026.
وتبرز في هذا السياق أسهم مثل “بان القابضة” و”السعودية للأسماك”، إذ يعكس صعودها إما رهانات مضاربية قصيرة الأجل، أو توقعات بتحسن تشغيلي، أو تفاعل المستثمرين مع أخبار إعادة الهيكلة، وليس بالضرورة تحسناً فعلياً في الأساسيات المالية.
هل تستمر الارتفاعات؟
وبدوره قال ماجد الخالدي، المحلل المالي الأول في صحيفة “الاقتصادية”، إن الأسهم المضاربية، حتى تلك التابعة لشركات خاسرة أو تعاني خسائر متراكمة، تشهد عادة موجات صعود عندما يقتنع المستثمرون بأن الأسهم القيادية تتداول عند مستويات آمنة، ما يدفعهم إلى بناء مراكز في هذه الشركات مع تراجع المخاوف من حدوث هبوط حاد أو مفاجآت غير متوقعة في السوق.
وأضاف أن هذه الموجة قد تستمر إلى حين بدء الشركات في إعلان نتائجها المالية، إذ يعيد المستثمرون عندها تقييم توقعاتهم للأرباح، ولا سيما في الشركات القيادية.
وتبرز مفارقة أخرى في أن بعض هذه الأسهم لا يُتداول فوق قيمته الاسمية فحسب، بل يتجاوز أيضاً ما يمكن وصفه بالقيمة الاسمية المعدلة بالخسائر المتراكمة. فعلى سبيل المثال، إذا فقدت شركة 70% من رأس مالها، فإن ما يقابل السهم من رأس المال لا يتجاوز 30% من قيمته الاسمية، أي نحو 3 ريالات للسهم البالغة قيمته الاسمية 10 ريالات.
ومع ذلك، قد يتداول السهم عند مستويات تفوق هذا الرقم بأضعاف، بما يعكس انفصالاً واضحاً بين السعر السوقي والوضع المحاسبي لرأس المال.
البيع على المكشوف
لا تقتصر ملامح هذه الظاهرة على ارتفاع أسعار بعض الشركات الخاسرة أو الضعيفة مالياً، إذ تندرج أيضاً ضمن الأسهم الأعلى من حيث نسب الإقراض. إقراض الأسهم أداة يمكن استخدامها في عمليات البيع على المكشوف، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الأسهم المقترضة استُخدمت في تكوين مراكز مكشوفة.
ويظهر تقرير الأسهم المقترضة حتى 30 يونيو 2026 اتساع استخدام هذه الأداة في السوق السعودية، بعدما شمل 214 شركة بإجمالي أسهم مقترضة يقترب من 342 مليون سهم.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن البيع على المكشوف أصبح عاملاً حاسماً في تحريك أسعار هذه الأسهم، خصوصاً أن نسب الإقراض أو المراكز المكشوفة تظل محدودة مقارنة بالأسهم الحرة ومتوسطات التداول. لكنها تضيف بعداً آخر لقراءة حركة السوق، إذ تكشف أن بعض الأسهم التي تدور حولها رهانات التعافي أو إعادة الهيكلة أصبحت أيضاً محل رهانات عكسية أو عمليات تحوط عبر آلية إقراض الأسهم.
وأكد الخالدي أن هذه التحركات “مضاربية بحتة”، حتى وإن وجدت مبررات محدودة لبعضها، موضحاً أن التوجه العام يقوم على استغلال صغر القيم السوقية لتحقيق مكاسب سريعة، خاصة أن هذه الأسهم مرت بفترات طويلة من التراجع، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى الدخول فيها، وإن كان ذلك لا يمثل مبرراً كافياً، بحسب تعبيره.
وفي الوقت الذي كانت فيه أسعار بعض هذه الأسهم ترتفع بوتيرة أسرع من تحسن أوضاعها المالية، جاءت إفصاحات الشركات لتعيد ضبط توقعات المستثمرين. إذ لم تقدم معظم الإعلانات مؤشرات على تحسن تشغيلي فوري، بل أكدت أن الأثر المالي غير قائم حالياً، أو أن الصفقات ما زالت مشروطة، أو أن ما جرى لا يتجاوز تمديد مهلة أو استكمال إجراءات نظامية.
لا تطورات استراتيجية
يُلاحظ أن صعود هذه الأسهم تزامن مع إفصاحات بدت، في جانب منها، أقرب إلى محاولة ضبط توقعات السوق منها إلى الإعلان عن تحول تشغيلي مكتمل.
ففي “صادرات”، أكدت الشركة أن مذكرة التفاهم الخاصة بمشروع العدادات الذكية في سوريا غير ملزمة، ولا يترتب عليها أي أثر مالي حالياً.
أما “السعودية للأسماك”، فانصبت إفصاحاتها الأخيرة على تمديد مهلة نقل التراخيص وتجديد عقد إيجار مزرعة الحريضة، وهي تطورات تنظيمية أو إيجابية، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً فورياً في نتائج الشركة.
في المقابل، تعد “بان القابضة” الحالة الأكثر جوهرية بين هذه الشركات، إذ ترتبط بخطة لزيادة رأس المال وإطفاء الخسائر، إلا أن تنفيذ هذه المعالجة لا يزال مشروطاً باستكمال المتطلبات النظامية.
وفي هذا السياق، قال أبو جامع: “تبرز حالة سينومي ريتيل والكابلات السعودية بشكل خاص، حيث تبلغ حقوق المساهمين في “سينومي ريتيل” سالب 1.523 مليار ريال، فيما تبلغ في “الكابلات السعودية” سالب 173 مليون ريال، وهي مستويات تعكس استمرار التحديات المالية التي تواجه الشركتين رغم الأداء الإيجابي لأسهمهما في السوق”.
كما أشار إلى أن “سينومي ريتيل” كانت الشركة الوحيدة بين هذه الحالات التي شهدت تطوراً استراتيجياً يمكن أن يفسر جانباً من تحسن أداء السهم، وذلك عقب استحواذ مستثمر إماراتي على حصة الشريك السعودي الرئيس في الشركة.
وأضاف أن بقية الشركات لم تعلن حتى الآن عن صفقات أو مبادرات أو تطورات تشغيلية جوهرية تبرر الارتفاعات الكبيرة في أسعار أسهمها، وهو ما يعزز فرضية أن هذه التحركات السعرية تقودها المضاربات وتوقعات المستثمرين أكثر من اعتمادها على تحسن فعلي في الأداء المالي أو القيمة الأساسية للشركات.
وتواصلت “الشرق بلومبرغ” مع شركات “السعودية للأسماك” و”سينومي ريتيل” و”الكابلات السعودية” للحصول على تعليق بشأن أداء أسهمها والخسائر المتراكمة، إلا أن “سينومي ريتيل” فضلت عدم التعليق، فيما لم تتلقَّ “الشرق بلومبرغ” أي رد من “السعودية للأسماك” و”الكابلات السعودية” حتى وقت النشر.








