كثّفت المناجم الأمريكية المنتجة للمعادن الأرضية النادرة مبيعاتها إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية، في ظل ضعف الطلب المحلي داخل الولايات المتحدة.
ويأتي هذا التوجه رغم الجهود التي تبذلها إدارة ترامب لدعم القطاع وتعزيز سلسلة توريد وطنية للمعادن الحيوية، إذ دفعت محدودية الاستهلاك المحلي المنتجين إلى البحث عن أسواق خارجية لتصريف إنتاجهم.
وأفادت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن منتجات المعادن الأرضية النادرة، التي تنتجها شركات “بي إم ماتريالز”، و”فونيكس تيلينجز”، و”إنيرجي فيولز”- وحصلت مجتمعة على مليارات الدولارات من الدعم الحكومي الأمريكي- تتجه للبيع إلى شركات في آسيا، حيث لا يزال حجم استخراج المواد الممغنطة أكبر من القدرة التشغيلية والإنتاجية الناشئة في الولايات المتحدة.
وبينت أن احتكار الصين للإمدادات العالمية من المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية صار مصدر قلق للأمن القومي في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، منذ أن بدأت بكين بفرض قيود على صادراتها من تلك الخامات.
وتعد هذه المعادن أساسية لتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وتستخدم في تصنيع كل شيء بدءاً من أنظمة توجيه الأسلحة وصولاً إلى بطاريات السيارات الكهربائية.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة “فينيكس تيلينجز”، نيك مايرز، لـ”فاينانشيال تايمز”، بأن العملاء اليابانيين “يتهافتون” على المعادن الأرضية النادرة التي تنتجها الشركة، نظراً للانخفاض الحاد في صادرات هذه المواد من الصين هذا العام.
وأضاف أن عملاء الشركة الناشئة “معظمهم في كوريا واليابان”. وتابع: “ما لم تتحرك الشركات الأمريكية الكبرى في قطاع الدفاع بسرعة، فسأبيع المزيد… فشركات أخرى تدفع مبالغ طائلة في وقت أسرع”.
وتقوم شركة “فينيكس”، المدعومة من شركة رأس مال استثماري ممولة من “وكالة الاستخبارات المركزية” الأمريكية، تدعى “آي كيو تي”، بتوسيع نطاق إنتاجها، لكنها ليست منتجاً رئيسياً حتى الآن، ولا تفصح عن أرقام مبيعاتها، على حد تأكيد الصحيفة البريطانية.
وقد وضعت العديد من الشركات الأمريكية خططاً لاستخراج المعادن الأرضية النادرة وإنتاج المواد الممغنطة محلياً، لكن الخبراء يرون أن نمو هذا القطاع سوف يستغرق وقتاً.
ويقول كاتب مدونة “مراقب المعادن الأرضية النادرة”، توماس كرومر: “اليوم، يوجد دولتان فقط تنتجان مغناطيس [نيوديميوم حديد بورون] على نطاق واسع. إحداهما اليابان، الدولة الرائدة في هذا المجال، والأخرى الصين”.
يعرف هذا النوع من المغناطيس اختصاراً بـ”ندفيب”، وهو أقوى أنواع المغناطيس الدائم المتاحة تجارياً، ويتشكل من سبيكة العناصر الثلاثة “النيوديميوم والحديد والبورون”، ويتسم بقدرته المغناطيسية الفائقة مقارنة بحجمه ووزنه، وتستخدم تلك النوعية من المغناطيسات في كل شيء، بدءاً من السيارات وصولا إلى الطائرات المقاتلة، وصناعة الرقائق المتطورة وأشباه الموصلات.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن شركة “إم بي ماتريالز” تعتبر المنتج الرائد للمعادن الأرضية النادرة في الولايات المتحدة بفارق كبير.
وتظهر أحدث أرباحها الفصلية أن مبيعات الشركة، التي تتخذ من ولاية نيفادا مقراً لها، من أكسيد ومعدن “النيوديميوم-براسيوديميوم” (إن دي بي آر)- وهو أكبر أقسامها من حيث الإيرادات- “تأتي بشكل أساسي” بموجب اتفاقية “إم بي” مع شركة “سوميتومو” الأمريكية، التي تتولى توزيع هذه المواد على العملاء اليابانيين.
كما تباع بعض المواد لشركة أمريكية متخصصة في التكنولوجيا والصناعة، لم يتم الكشف عن اسمها، بموجب اتفاقية وقعت في الربع الأول من عام 2026.
وفي الربع نفسه من العام الماضي، ذهبت الحصة الأكبر من مبيعات “إم بي” من حيث الإيرادات – المواد المستخرجة من المناجم، وليس “النيوديميوم-براسيوديميوم”- إلى شركة “شينغي ريسورسيز” الصينية. إلا أن “إم بي” أوقفت البيع للشركة الصينية كجزء من اتفاقيتها مع الحكومة الأمريكية.
وتخطط شركة “بي إم” في نهاية المطاف لإنتاج مغناطيساتها الخاصة على نطاق واسع، الأمر الذي سيتطلب منها استهلاك جزء كبير مما تنتجه، وذلك بأن تحول العناصر الأرضية النادرة المستخرجة إلى أكاسيد، تستخدم بدورها في صناعة المعادن والسبائك التي تدخل في صناعة المغناطيسيات.
وقد أبرمت الشركة اتفاقيات مع “جنرال موتورز” و”آبل” لتزويدهما بمغناطيساتها. وأعلنت في مايو أنها تتوقع بدء شحن المغناطيسات الجاهزة إلى “جنرال موتورز” هذا العام.
وفي الوقت نفسه، تخطط شركة “إنرجي فيولز”- التي حصلت على تمويل حكومي مشروط بقيمة 725 مليون دولار في يونيو- لتوسيع إنتاجها من الخامات الأرضية النادرة، كما تتطلع إلى السوق الآسيوية.
وقال الرئيس التنفيذي، روس بهابو: “سنرسل الأكاسيد إلى كوريا في المدى القريب”. وفي العام الماضي، قامت شركة تصنيع كورية جنوبية كبرى بتحويل كمية صغيرة من “النيوديميوم والبراسيوديميوم” (إن دي بي آر)، التابع لشركة “إنرجي فيولز”، إلى مغناطيسيات.
وتعمل “إنرجي فيولز” حالياً على الاستحواذ على شركة “أستراليان ستراتيجيك ماتريالز”، التي تمتلك مصنعاً لإنتاج المعادن الأرضية النادرة في كوريا الجنوبية. كما أعلنت الشركة في يونيو عن صفقة، بقيمة 1.9 مليار دولار، للاستحواذ على شركة “فاكومشملزه” (VAC) الألمانية المتخصصة في صناعة المغناطيس، التي قال بهابو إنها ستؤدي إلى زيادة حصة منتجات “إنرجي فيولز” في عمليات “فاكومشملزه” بالولايات المتحدة.
تعتبر الصين أكبر منتج عالمي لمغناطيس “نيوديميوم حديد بورون” (ندفيب) واسع الاستخدام. وباستثناء الصين، تنتج اليابان ما بين 10 آلاف و15 ألف طن سنوياً، بينما تنتج كوريا الجنوبية ما بين ألفين و3 آلاف طن سنوياً، أما الولايات المتحدة فتنتج سنوياً حوالي 1000 طن أو أقل، وذلك حسب أرقام لمستشار المعادن النادرة في شركة “جيه أو سي”، جون أورميرود، الذي أشار إلى أن أوروبا تنتج كمية محدودة من هذا المنتج.








