“ستكون بكين أيضاً من الخاسرين، لأن الرموز الرقمية المقومة بالدولار ستقوض سيطرتها على تدفقات رؤوس الأموال”
في اجتماع لمحافظي البنوك المركزية عُقد الشهر الماضي في بازل، عرضت الخبيرة الاقتصادية في جامعة “هارفارد” جيتا جوبيناث، بيانات مثيرة للقلق بشأن العملات المستقرة.
تبين أن ما يصل إلى ثلاثة أرباع عملة “USDT” التابعة لـ”تيثر”، وعملة “USDC” التابعة لـ”سيركل إنترنت جروب”، وهما أشهر عملتين مستقرتين مرتبطتين بالدولار بنسبة 1:1 في العالم، محفوظة في محافظ رقمية يتحكم مستخدموها بمفاتيح التشفير.
وعندما تنتقل الأموال بين الأطراف، فإنها تتحرك من محفظة حفظ ذاتي إلى أخرى في نحو نصف المعاملات.
وتكون التحويلات مرئية على تقنية البلوكتشين، لكن هويات المرسلين والمستلمين لا تكون معروفة.
هذا يجعلها شبيهة بالنقد من حيث القدرة على إخفاء الهوية.
وقالت جوبيناث: “أصبحت العملات المستقرة الآن الشكل السائد للأنشطة غير المشروعة التي جرى تحديدها”.
تحديات الرقابة على العملات
وصف المحافظ السابق لـ”بنك فرنسا”، فرانسوا فيليروي دو جالو، نتائج الدراسة بأنها “مخيفة”، خلال جلسة نقاش.
وعلى مدى عقود، سعت السلطات إلى الحد من إخفاء هوية الأموال عبر التخلص من الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة، وتشديد الرقابة على السرية المصرفية في الملاذات الخارجية، وتتبع التحويلات المصرفية.
لكن في عالم العملات المشفرة، ينقلب هذا الاتجاه، إذ تتجاوز حيازات العملات المستقرة المجهولة الوسطاء الخاضعين للتنظيم الأمريكي مثل “كوين بيس”، و”كراكن”.
وحتى عندما تصل إلى منصات التداول المركزية، فإنها تكون في الغالب ضمن ولايات قضائية خارج نطاق قانون العملات المستقرة المعروف بـ”Genius act” وهو التشريع الأمريكي الخاص بالعملات المستقرة الذي أُقر قبل عام.
حلم العملات المستقرة الأمريكية كابوس للصين
تمثل هذه القضية مشكلة لكل من واشنطن وبكين. إذ تنظر إدارة ترامب إلى الدولار الرقمي الصادر عن جهات خاصة باعتباره سلاحاً قوياً في منافستها السياسية مع الصين.
ومن المتوقع أن يعزز انتشاره الواسع هيمنة الولايات المتحدة في الشؤون الدولية.
لكن هذه الأداة الجديدة قد تُضعف في الوقت نفسه قدرة الولايات المتحدة على فرض الضرائب على النشاط الاقتصادي محلياً، وكذلك قدرتها على إنفاذ القوانين خارجياً.
وإذا كانت الأموال لا تمر حتى عبر منصات التداول الأمريكية الخاضعة للتنظيم، فمن سيتولى إجراء فحوصات مكافحة غسل الأموال والالتفاف على العقوبات؟
من الناحية النظرية، يفترض أن ترحب الصين بهذا التراجع غير المتوقع في نفوذ واشنطن.
لكن في الواقع، ستكون بكين أيضاً من الخاسرين، لأن الرموز الرقمية المقومة بالدولار ستقوض سيطرتها على تدفقات رؤوس الأموال.
ورغم صعوبة تحديد المواقع الجغرافية لمفاتيح التشفير المملوكة للأفراد، فإن كثيراً منها يوجد على الأرجح في الصين.
تدفقات العملات المستقرة بالصين
استخدم ماركو رويتر، المتخصص في النقود الرقمية لدى صندوق النقد الدولي، تقنيات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي لكشف المواقع الحقيقية لتداولات العملات المستقرة.
وقدّر إجمالي تدفقات العملات المستقرة المرتبطة بالصين خلال عام 2024 بنحو 153 مليار دولار، أي ما يعادل 5.5 مرة أكثر مما كان يُعتقد على نطاق واسع.
وتمر معظم هذه التدفقات عبر منصات تداول غير أمريكية محجوبة مواقعها الإلكترونية داخل البر الرئيسي الصيني.
ويستخدم كثير من المواطنين الصينيين العاديين، شبكات افتراضية خاصة لاستبدال اليوان بالدولارات الرقمية.
لذلك، ليس مستغرباً أن تعمل بكين على إنشاء مسارها الموازي.
فإذا أراد عملاء “ستاندرد تشارترد” الحصول على اليوان الرقمي الرسمي في هونج كونج، أو سنغافورة، أو لندن، يمكن للمصرف توفيره لهم على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع عبر منصة “سي بي إي تي إس”، وهي منصة صينية جرى تحديثها مؤخراً وتتصل مباشرة بأنظمة البنوك الأجنبية.
وإلى جانب شبكة “إم بريدج”، وهي شبكة بلوكتشين مشتركة بين البنوك المركزية، توفر بكين لشركائها التجاريين وسيلة لتسوية صفقات السلع الأساسية فوراً مع تجنب نظام المراسلة المالية “سويفت”.
لكن من المهم الإشارة إلى أن اليوان الرقمي ليس عملة مستقرة. فهو نسخة مرمزة من وديعة لدى بنك تجاري صيني، وتنتقل بين الأطراف داخل بيئة خاضعة للرقابة والتنظيم.
ولا مكان فيه لإخفاء الهوية أو غياب الضوابط القانونية المرتبطين بالعملات المشفرة.
وتسعى بكين إلى تقويض إشراف واشنطن على المدفوعات العالمية، لكنها لا ترغب في هدم الضوابط التنظيمية.
هونج كونج تختبر العملات المستقرة
تؤدي هونج كونج دور ساحة التجارب لهذه الرؤية التي تقودها الدولة. فقد تجاهلت المنطقة الإدارية الخاصة الصينية الحلم الفوضوي التقني القائم على أن يصبح كل فرد مصرفاً لنفسه.
بدلاً من ذلك، منحت أول تراخيص للعملات المستقرة إلى “إتش إس بي سي هولدينجز”، وتحالف تقوده “ستاندرد تشارترد”.
ويصدر البنكان أوراقاً نقدية في المركز المالي منذ أكثر من 160 عاماً.
وتهدف هونج كونج إلى تعزيز استخدام العملات المستقرة في المعاملات اليومية، والاستفادة من تقنية البلوك تشين الأساسية لتسريع المدفوعات المؤسسية، ومدفوعات وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا يزال يتعين على الجهات المصدرة إجراء الفحوصات المعتادة للعملاء، كما يتعين على منصات التداول الخاضعة للتنظيم التحقق من هويات كل من المرسلين والمستلمين.
من سيفوز في معركة الأموال الرقمية؟
وتُعد هذه تجربة لتقييم الطلب الحقيقي من جانب الأفراد.
وكما أشار محافظ بنك كوريا، شين هيون سونج، مستشهداً ببحث صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، فإن 0.7% فقط من حيازات العملات المستقرة تُستخدم تحديداً في المدفوعات.
وتبقى معظم الرموز المقومة بالدولار داخل محافظ الحفظ الذاتي، لتؤدي عملياً دور مخزن للقيمة بالدولار الأمريكي خارج الأسواق.
وقال في بازل: “إنه النوع المطلوب تماماً من إخفاء الهوية الذي يسعى إليه المستخدمون”.
ومع وجود 2.5 تريليون دولار من النقد المتداول، فقد يكون الاحتفاظ بما يزيد على 300 مليار دولار من الرموز الرقمية بعيداً عن أعين السلطات المالية والنقدية مخاطرة مقبولة سعياً إلى الابتكار التكنولوجي.
لكن مع نمو سوق الدولارات الرقمية، ستتنافس واشنطن وبكين على مستقبل النقود، تماماً كما تتنافسان على السيطرة على الذكاء الاصطناعي.
لكن أياً منهما لن يرغب في إضعاف سلطة الدولة من أجل منافستهما الجيوسياسية.
بقلم: أندي موخرجي، كاتب مقالات رأي لدى “بلومبرج”
المصدر: وكالة أنباء “بلومبرج”








