لسنوات طويلة، جرى التعامل مع الرياضة فى مصر باعتبارها نشاطًا جماهيريًا يحتاج إلى دعم وإنفاق مستمر، أكثر من النظر إليها كصناعة قادرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية.
لكن الواقع يقول إن مصر لا تعانى نقصًا فى الأصول الرياضية، بل تمتلك قاعدة واسعة من العناصر التي يمكن البناء عليها: ملايين الشباب، ومواهب في ألعاب مختلفة، وأندية عريقة، ومنشآت رياضية، وجمهور ضخم، وبطولات، ومدربين، وخبرات، إلى جانب سوق إعلامي وإعلاني واسع.
لذلك لم يعد السؤال: ماذا ينقصنا؟ بل أصبح: كيف نستثمر ما نملكه بالفعل؟.
الموهبة المصرية.. أصل لم يحصل على قيمته الحقيقية
أحد أهم الأصول التى تمتلكها مصر هو اللاعب نفسه، ففى قطاع الناشئين، تُنفق سنوات من التدريب والتطوير على اللاعب، وتتحمل الأسرة والنادي والمؤسسات الرياضية تكلفة اكتشافه وتأهيله.
لكن حين يصل اللاعب إلى المرحلة التي يمكن أن ترتفع فيها قيمته الرياضية والتجارية، قد تتوقف المسيرة بسبب ضعف الإمكانات، أو تضيع الموهبة نتيجة سوء الإدارة، أو يخرج اللاعب إلى الخارج بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيستفيد منه طرف آخر بعد أن تحملت جهات مصرية تكلفة اكتشافه وتطويره، وهنا يجب أن تتغير النظرة بالكامل: فاللاعب الموهوب ليس مجرد عنصر داخل فريق، بل أصل بشري قابل للاستثمار.
اقرأ أيضا: كمال سند يكتب: عندما تهرب الموهبة ويبدأ الآخرون فى الاستثمار
والاستثمار الحقيقي في اللاعب لا يبدأ بعد أن يصبح نجمًا أو بطلًا، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى لاكتشافه، عبر منظومة تشمل التدريب المتخصص، والتأهيل البدنى والنفسي، والرعاية الطبية، والتعليم، وبناء الشخصية، ثم التسويق والرعاية والاحتراف.
بهذه الطريقة فقط يمكن تحويل الموهبة من فرصة فردية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
الألعاب الفردية.. فرصة اقتصادية لم تُستغل بما يكفي
تمثل الألعاب الفردية واحدة من أكبر الفرص التي لم تحصل بعد على نصيبها الكافي من التفكير الاستثماري، فإعداد بطل في بعض هذه الألعاب قد يحتاج إلى استثمارات أقل كثيرًا من تكلفة صناعة لاعب كرة قدم، بينما يمكن لهذا البطل، إذا نجح في الوصول إلى المستوى العالمي أو الأولمبي، أن يصنع قيمة إعلامية وتسويقية كبيرة.
لكن النجاح هنا لا يجب أن يُقاس فقط بعدد البطولات أو المعسكرات أو الميداليات، بل بقدرتنا على تحويل هؤلاء اللاعبين إلى مشروعات رياضية مستدامة. فالسؤال الحقيقي ليس: كم بطولة حققنا؟ بل: هل استطعنا بناء نموذج يجعل البطل الرياضي جزءًا من صناعة لها عائد متكرر ومستقبل واضح؟.
من البطولة إلى الاقتصاد
القيمة الحقيقية للرياضة لا تتوقف عند حدود المنافسة داخل الملعب، فعندما تتوافر رؤية مستدامة، تصبح الرياضة نقطة التقاء بين الاستثمار والتجارة والسياحة والصناعة والخدمات، هنا يمكن أن تتحول البطولة الرياضية إلى منصة اقتصادية متكاملة.
شركة ترعى الحدث أو اللاعب.
شركة أخرى تصنع الملابس والمعدات.
قطاع سياحي يستقبل الوفود والجماهير.
وسائل إعلام تبيع المحتوى.
منصات رقمية تحقق عائدًا إعلانيًا.
فنادق ومطاعم وخدمات نقل تستفيد من إقامة البطولات.
ومستثمرون يبحثون عن فرص جديدة مرتبطة بالقطاع.
بمعنى آخر، الرياضة لا تبيع مباراة فقط، بل تستطيع أن تخلق حولها اقتصادًا كاملًا.
الرعاية ليست شعارًا بل استثمار في قصة نجاح
الشركة التي ترعى لاعبًا أو بطولة لا يجب أن تنظر إلى الأمر باعتباره مجرد وضع شعار على قميص أو لوحة إعلانية، يمكنها أن تكون شريكًا في صناعة قصة نجاح متكاملة: تدعم لاعبًا منذ بدايته، وتتابع رحلته، وتربط قصته بقيم علامتها التجارية، وتنتج محتوى حول تطوره وإنجازاته، ثم تستفيد من انتشاره محليًا ودوليًا.
اقرأ أيضا: كمال سند يكتب: عندما تصبح «ورقة الترخيص» أخطر من نتيجة المباراة
هنا تتحول الرعاية من مصروف تسويقي قصير الأجل إلى استثمار طويل الأجل في أصل بشري ومسار نجاح قابل للنمو، والسوق المصرية بدأت بالفعل تشهد نماذج متزايدة لربط العلامات التجارية بالرياضة والرعاية الرياضية، وهو ما يعكس اتساع مساحة حضور القطاع الخاص داخل اقتصاد الرياضة.
لكن المال وحده لا يصنع صناعة
في المقابل، يجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد بأن ضخ الأموال وحده كافٍ لصناعة قطاع رياضي قوي، فالتمويل يمكن أن يبدأ المشروع، لكنه لا يضمن نجاحه، ما يحدد الفارق الحقيقي هو طريقة الإدارة.
كيف ستُدار هذه الأموال؟
كيف سيُقاس العائد؟
من يمتلك حقوق الرعاية والتسويق والبث؟
كيف تصل الاستثمارات إلى اللاعب فعلًا؟
ما العائد الذي يحصل عليه اللاعب نفسه؟
وكيف يُعاد استثمار جزء من الأرباح فى اكتشاف مواهب جديدة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين استثمار رياضي حقيقي وبين إنفاق يحمل فقط اسم الاستثمار.
الدولة.. من ممول إلى منظم
الدولة لا تستطيع، ولا ينبغي لها، أن تتحمل وحدها تكلفة تطوير الرياضة، دورها الأكثر أهمية يتمثل في خلق البيئة التي تجعل الاستثمار الرياضي ممكنًا وآمنًا وجاذبًا، وهذا يعني وجود تشريعات واضحة، وحوكمة، وشفافية مالية، وحماية لحقوق اللاعبين، وتنظيمًا دقيقًا لعقود الرعاية والاستثمار، وتسهيلًا لدخول القطاع الخاص.
وهذا التوجه يتسق مع الحديث الرسمي عن زيادة مساهمة الرياضة في الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار الرياضي، وتطوير البنية التحتية، واكتشاف ورعاية المواهب، كما تستهدف الخطة رفع مساهمة قطاع الرياضة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3% وفق تغطيات منشورة في 2026.
القوة الناعمة.. عائد يتجاوز الأرقام
هناك عائد آخر قد لا يظهر سريعًا في الميزانيات، لكنه لا يقل أهمية: القوة الناعمة. فالبطل المصري حين يقف على منصة التتويج لا يحمل ميدالية فقط، بل يحمل اسم مصر إلى العالم، والبطولة التي تستضيفها مصر لا تجذب الرياضيين وحدهم، بل يمكن أن تجذب السياح، ووسائل الإعلام، والشركات، والرعاة، والاستثمارات.
ومن هنا، تصبح الرياضة أداة للترويج لمصر، ولسياحتها، ولمنتجاتها، ولشركاتها، ولقدرتها على تنظيم الأحداث الكبرى، إنها ليست مجرد نتائج ومنافسات، بل وسيلة لتعزيز الصورة الذهنية للدولة خارج حدود الملعب.
السؤال الحقيقي
مصر تمتلك الموهبة، وتمتلك الجمهور، وتمتلك المنشآت، وتمتلك التاريخ، وتمتلك سوقًا إعلاميًا وإعلانيًا واسعًا، لذلك فإن المطلوب لم يعد زيادة الإنفاق على الرياضة، بل ربط الرياضة بالاستثمار والتجارة، والبحث عن شراكات حقيقية، وتبادل خبرات دولية، وبناء نموذج اقتصادي قادر على تحويل هذه المقومات إلى عائد فعلي.
فالتحدي الحقيقي ليس حجم الأموال التي تدخل الرياضة، بل حجم القيمة التي يمكن استخراجها من هذه الأموال. وإذا نجحنا في بناء منظومة تجعل:
الموهبة ← تمويلًا ← تطويرًا ← رعاية ← تسويقًا ← احترافًا ← عائدًا ← إعادة استثمار
فنحن لا نصنع بطلًا، بل نصنع صناعة كاملة.
لهذا، يجب أن نتوقف عن السؤال: كم ستكلفنا الرياضة؟، ونبدأ في طرح السؤال الأهم: كم يمكن أن تحقق الرياضة إذا أدرناها كصناعة؟.
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين النظر إلى الرياضة كعبء يحتاج إلى تمويل، والنظر إليها كثروة وطنية تحتاج إلى إدارة ذكية واستثمار حقيقي.
فمصر لا تحتاج فقط إلى إنفاق أكبر على الرياضة، بل تحتاج إلى مستثمر يرى فى الموهبة المصرية أصلًا، لا تكلفة.








