«الموهبة الرياضية أصل استثمارى، ومن يكتشفها مبكرًا ويضع لها نموذجًا مستدامًا للرعاية لا يحافظ على لاعب فقط، بل يبني قيمة اقتصادية وتسويقية يمكن أن تتضاعف مع كل بطولة وإنجاز»
تطرق صديقى الصحفى والمحلل الرياضى عبدالرحمن الشويخ فى أكثر من مناسبة عن عقود الرعاية للشركات فى الاندية واللاعبين الرياضيين فى الألعاب الجماعية والفردية.
يحاول أن يربط العلاقة بين الرياضة والاستثمار وتبين لنا تلك التحليلات نقاط مهمة وغاية فى الخطورة لا يعى ذلك إلا أصحاب الرؤية الاستثمارية الواضحة.
ومن الناحية الاستثمارية والاقتصادية وفهم التعقيدات والترابطات تحل علينا كل فترة تلك الظاهرة دون تحقيقها على ارض الواقع
هروب أبطال الألعاب الفردية ليس دائمًا خيانة للوطن، أحيانًا يكون فشلًا في الاستثمار في الإنسان.
كلما غادر لاعب موهوب إلى دولة أخرى أو اختار تمثيلها، تبدأ أسطوانة الاتهامات: طمع، غياب الانتماء، بيع الوطن.
لكن قليلين يسألون السؤال الأصعب:
ماذا قدمنا له قبل أن نطلب منه البقاء؟
اللاعب في الألعاب الفردية يختلف عن لاعب الفريق، هو مشروع قائم بذاته، وقيمته يمكن قياسها بالأرقام، والترتيب، والبطولات، والميداليات.
وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يكون أكثر عرضة للمخاطر، لأنه يواجه تكاليف التدريب والسفر والعلاج والتأهيل، بينما عمره الرياضي محدود.
وعندما تأتي دولة أخرى وتعرض عليه برنامج إعداد متكامل، راتبًا أو دعمًا ثابتًا، تأمينًا صحيًا، تجهيزات، معسكرات ومسارًا واضحًا للمنافسة الدولية، فمن الصعب أن نطلب منه تجاهل كل ذلك باسم شعارات لا توفر له مستقبلًا.
هنا لا يصبح السؤال: لماذا رحل؟
بل: لماذا لم نستثمر فيه قبل أن يرحل؟
اللاعب أصل استثماري
الشركات تنفق ملايين على الإعلانات بحثًا عن الانتباه والثقة.
بينما يمكنها الاستثمار في لاعب موهوب منذ بدايته، وتحويل رحلته إلى قصة نجاح مرتبطة بالعلامة التجارية.
الرعاية لا تعني وضع شعار على قميص.
يمكن أن تشمل تمويل التدريب، المعدات، المعسكرات، العلاج، التأهيل والتأمين، مقابل حقوق تسويقية ومحتوى إعلامي وحضور للعلامة التجارية.
«استقطاب الدول الأخرى للمواهب التي أهملناها ليس مجرد خسارة رياضية، بل نقل لقيمة اقتصادية ومعنوية إلى الخارج»
وهناك استثمار أكبر، وهو الاستثمار في منظومة صناعة الأبطال نفسها، من خلال الأكاديميات، واكتشاف المواهب، ومراكز الأداء والمنح الرياضية.
وقتها لا تكون الشركة مجرد راعٍ للاعب، بل شريكًا في صناعة بطل.
وهذا النوع من الرعاية يمكن أن يخلق عائدًا يتجاوز الإعلان المباشر، إلى بناء صورة العلامة التجارية، وزيادة التفاعل، وصناعة محتوى وقصة يرتبط بها الجمهور.
وماذا تستفيد الدولة؟
البطل العالمي ليس ميدالية فقط.
إنه صورة لبلده.
عندما يفوز لاعب مصري عالميًا، يمكن تحويل الإنجاز إلى أداة للترويج لمصر، وللسياحة، والشباب، والاستثمار، والقدرة على المنافسة.
أي أن اللاعب يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة.
لكن القوة الناعمة لا تُصنع بالبيانات والشعارات.
تُصنع عندما يرى العالم إنجازًا حقيقيًا يحمل اسم بلدك.
المفارقة أن دولًا أخرى فهمت هذه المعادلة مبكرًا.
تستقطب اللاعب عندما تكون قيمته واضحة، وتوفر له البيئة التي تساعده على النجاح، ثم تستخدم نجاحه لصناعة صورة إيجابية عنها.
نحن أحيانًا نفعل العكس.
نترك الموهبة تكبر وحدها، ثم نغضب عندما يكتشف الآخرون قيمتها.
القضية ليست وطنية فقط، بل اقتصادية
كل لاعب يرحل يعني احتمال خسارة ميدالية، ورعاية، ومحتوى إعلامي، وجمهور، وقصة نجاح، وقوة ناعمة.
لذلك فإن مواجهة الظاهرة لا تبدأ بمنع اللاعب من الرحيل، ولا بتخوينه.
تبدأ ببناء منظومة تجعل البقاء أكثر جاذبية من الرحيل.
حوافز للشركات.
عقود واضحة.
تأمين وحماية اجتماعية.
رعاية مبكرة للمواهب.
مسار احترافي حقيقي.
وشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والاتحادات.
لأن السؤال الحقيقي ليس:
هل نريد لاعبًا وفيًا وفقيرًا، أم لاعبًا محترفًا؟
السؤال:
لماذا لا نستطيع أن نصنع لاعبًا محترفًا، ناجحًا، كريم الحياة، وفي الوقت نفسه يرفع علم بلده؟
إذا أردنا أن يتوقف أبطالنا عن الرحيل، فلا نطلب منهم التضحية بمستقبلهم.
استثمروا فيهم قبل أن يشتري الآخرون ما أهملناه.
فالخسارة الحقيقية ليست أن لاعبًا رحل.
الخسارة أن نكتشف قيمته بعد أن يصبح بطلًا تحت علم دولة أخرى.








